آخر لقاء مع مستشار الرئيس المغتال
نقلت الرسالة للشيخ خليل مصطفى، رئيس رابطة الزوايا العلمية الرحمانية بالجزائر، وشيخ زاوية الهامل، بكل تفاصيلها التي عرضها مبعوث رئيس الدولة، من أسماء الشخصيات (مدنية وعسكريه) التي ورطته في ذلكم المستنقع، وأخطر ملفاتها التي تمس باقتصاد الجزائر فضلا عن أمنها القومي، وعزمه على إعادة النظر في كل قراراته…
نقلت الرسالة للشيخ خليل مصطفى، رئيس رابطة الزوايا العلمية الرحمانية بالجزائر، وشيخ زاوية الهامل، بكل تفاصيلها التي عرضها مبعوث رئيس الدولة، من أسماء الشخصيات (مدنية وعسكريه) التي ورطته في ذلكم المستنقع، وأخطر ملفاتها التي تمس باقتصاد الجزائر فضلا عن أمنها القومي، وعزمه على إعادة النظر في كل قراراته السابقة، وبالأخص منها مسألة المعتقلات، إضافة عن متابعة قضائية لكل المتورطين في عملية الانقلاب، وقد باتت تراوده شكوك بشأن ضلوعهم في الجرائم الدموية، للتغطية عن بقية الجرائم الأخرى. ثم نقلت إليه أخيرا دعوة الرئيس، وعزمه على لقاء الشيخ وإن اقتضى الأمر تنقله الشخصي لزاوية الهامل بالتاريخ السابق الذكر.
حين انتهيت من سرد تفاصيل الرسالة، وهي في غاية الخطورة، لا يتسع المقال لذكرها، عبر الشيخ عن أسفه البالغ لكون الرئيس محمد بوضياف قد تفطن متأخرا، ولم يعد هناك رجاء في إصلاح ما أفسد، ثم أمرني وبإصرار شديد، بحجز تذكرة للبقاع المقدسة قبل موعد زيارة الرئيس 6/7/92 لزاوية الهامل، منعا لأي توظيف سياسي لمقامه، وتعبيرا قويا على تمسكه بموقفه المبدئي، الذي ينتهي في المحصلة إلى عدم وضع اليد، في يد من جعل من نفسه أداة تعبث بها أصابع السلطة الفعلية في البلد. وكان الأمر كما طلب، غير أن عملية اغتيال الرئيس وقعت أواخر الشهر السادس.
أعود لآخر جلسة مع مستشار الرئيس، حين فرغ الرجل من رسالته، التي تعرض فيها كما أسلفت لملفات بالغة الخطورة، تمس مباشرة رتبا عليا في المؤسسة العسكرية، منها جنرال (توفي العام الماضي)، كان يتقلد منصبا رفيعا، تمت إقالته فعلا حينها، وجنرال آخر يعد منفذ الانقلاب على الرئيس الشاذلي بن جديد، متابع حاليا في قضايا جرائم ضد الإنسانية في دولتين أوروبيتين، وغيرهما من المسؤولين السامين؛ وجدتني مضطرا لتقديم النصيحة للرئيس، حين لمست جدية قناعته، وخطورة المعطيات التي استعرضها، فضلا عن عزمه الاكيد في المضي لتطهير هرم السلطة من هذه العصابة كما وصفها مبعوثه على لسانه.
قلت لمستشار الرئيس عبارات لازلت أحفظها إلى اليوم: سأنقل بأمانة ما تفضلتم به للشيخ خليل، وسأحافظ على سريتها بطبيعة الحال، متى كان ذلك في مصلحة الشعب، وتقدير ذلك يعود للشيخ نفسه، لكن في المقابل أرجو منك حين تعود لرئيس الدولة، أن تبلغه باسمي وليس باسم الوالد 'انه رجل ميت'. صعق المستشار عند سماعه هذه العبارة، واستنكر نقلها للرئيس متسائلا كيف يمكن ذلك وهو محاط بحماية شديدة وعالية الكفاءة. فما كان مني إلا أن اذكره بدوره، وهو مجرد رسول ينقل بأمانة ما يحمل، وفاجأته ردا على تساؤله بأن القاتل سيكون حتما من عناصر الحماية المقربة. لم يستوعب بالمرة ما قلت، مستفهما بأسلوب استنكاري عن اتهام كهذا بالغ الحساسية والخطر.
لم تكن هذه الرؤية على خطورتها رجما بالغيب، ولا تنبأ من وحي السماء، وإنما قراءة لواقع سلوك السلطة الجزائرية خصوصا والعربية عموما، أوضحت للمستشار قواعدها التي أغفلها. فالسيد محمد بوضياف أول رئيس مدني يستلم الحكم في الجزائر، من سبقه جميعهم من العسكريين، وتحديدا الهواري بومدين والشاذلي بن جديد، كليهما بطبيعة الحال له ذراعه القوية في مؤسسته، ومنها يستخلص لنفسه الحراسة المقربة، التي يكون له علاقة مباشرة وعلما بعناصرها، وهو الأمر الذي يفتقده محمد بوضياف؛ ثانيا أثبتت الوقائع أن رجال السلطة الفعليين منذ الاستقلال 1962 إلى لحظة الانقلاب 1992 لا ترحم حتى من كان ينتمي إليها، متى هدد بجدية مصالحها الحيوية، كان أهم ضحاياها العقيد محمد شعباني 1963 في عهد احمد بن بله الذي حكم عليه بالإعدام وتم تنفيذه بكل وحشية، ثم انقلب الأمر على الرئيس بن بله نفسه، ولم تكتف جماعة السلطة بالانقلاب عليه، وإنما أودعته السجن إلى غاية وفاة الهواري بومدين 1979، محروما من ابسط الحقوق وأدناها، وينسب لخلفه التصفيات الجسدية التي تعرض لها كثير من رفاقه إبان ثورة التحرير. وها هم اليوم ينقلبون على الشاذلي بن جديد حين استشعروا تهديدا فعليا لمصالحهم، وحال دون تصفيته الجسدية انتماؤه للمؤسسة العسكرية، ورجاله فيها الذين يقفون دون عمل كهذا؛ وهو ما تم كذلك فيما بعد مع الجنرال (الرئيس) اليامين زروال، حين أقيل بشكل آخر وهو فرض انتخابات رئاسية مسبقة 1999.
تعذر على المستشار تصور هذا السيناريو، وغادر زاوية الهامل مؤكدا لي بأنه سينقل هذه الرسالة على خطورتها للرئيس، بعد أن أوصيته مصرا على إبلاغه خارج مكتبه ومبنى الرئاسة لعلمي بأنه تحت المراقبة قطعا. ومضت ثلاثة أسابيع على هذا اللقاء الأخير ليشاهد الناس عملية اغتيال الرئيس محمد بوضياف على الهواء مباشرة29/6/92، والفاعل المجهول إلى اليوم ليس إلا من الحراسة المقربة، لم تكن هذه العملية البالغة الإجرام والحمق اعتباطية، وإنما اختار أصحابها إخراجها بذلكم السيناريو القذر كرسالة واضحة الدلالة موجهة للداخل الجزائري والخارج ذات الوقت، فعلى الأول أن يعي جيدا بأن السلطة الفعلية ستذهب لحد ارتكاب جريمة كهذه دفاعا عن وجودها، وليس لأي شخصية جزائرية مؤهلة لقيادة البلد إلا هذا المصير متى فكرت جديا في تصفية هذه القوة؛ أما بالنسبة للخارج فهي تعني بأن هذه المجموعة تملك كل عناصر التحكم في الوطن والشعب، وتمسك بجميع خيوط اللعبة حتى في أحلك الأزمات، وأن اضطرت لتصفية الرئيس على الهواء مباشرة حتى لا يفكر الخارج في محاولة استبدالها أو الاعتماد على غيرها لحماية مصالحه داخل الجزائر. وقد أثبتت الأيام منذ عملية الاغتيال 1992 إلى غاية اليوم 2012 صحة هذا السيناريو وواقعيته مع الأسف الشديد.
اسماعيل القاسمي الحسني
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (3)