هل الصدام والفوضى حتميان؟
من يقايض حريته مقابل أمن مؤقت لا يستحق لا أمن ولا حرية " بنجامين فرانكلين في مقالة على صفحات يومية الجزائر عنوانها " هل علينا أن نقبل بحتمية بقاء هذه العصابة على رأس البلاد؟"، أثار الكاتب عادل حريك إشكالية أزمة التغيير في الجزائر، ومقالته تلك هي صرخة رجل لا يضره على المستوى الشخصي بقاء هذه…
من يقايض حريته مقابل أمن مؤقت لا يستحق لا أمن ولا حرية " بنجامين فرانكلين
في مقالة على صفحات يومية الجزائر عنوانها " هل علينا أن نقبل بحتمية بقاء هذه العصابة على رأس البلاد؟"، أثار الكاتب عادل حريك إشكالية أزمة التغيير في الجزائر، ومقالته تلك هي صرخة رجل لا يضره على المستوى الشخصي بقاء هذه العصابة على رأس الجزائر ولا سقوطها سيعود عليه بأية منفعة شخصية. لكن حاله هو حال كثير من النخب المخلصة التي يحز في أنفسها ما آلت إليه جزائر اليوم وتأمل أن تسلم الجيل الحالي والأجيال القادمة جزائر أفضل وأن تعيش هذه الأجيال في كنف دولة تصون كرامتهم وتحفظ حقوقهم. هذه الدولة التي طالما كانت ومازالت حلما لأجيال متعاقبة.
القارئ لمقالة عادل حريك يلمس حالة من اليأس بدأت تتسرب لكثير من أنفس النخب المخلصة في الجزائر من إمكانية إحداث تغيير سلمي في الجزائر، تغيرا ينقذ هذا الوطن من كبوته ومن حالة الصعود إلى الهاوية التي يسير فيها، في ظل غفلة السواد الأعظم من الشعب.
أعتقد أنه لا أحد يتمنى أن يرى يوما ما نفس المشاهد التي تحدث في سوريا، أو التي حدثت في ليبيا، ولا تلك التي شهدها ويشهدها اليمن، ولا أن تسترجع الجزائر سنوات القتل الجماعي. لكن السؤال الذي ربما يساور الكثير من النخب الجزائرية، وربما قطاع عريض من الشعب هو مدى إمكانية إحداث تغيير جذري في الجزائر وبشكل سلمي يعيد للشعب حقه المسلوب في اختيار من يحكمه ويرسي قواعد حكم ديمقراطي، وعدالة اجتماعية طالما أفتقدها هذا الشعب وحلم بها، بعيدا عن السيناريوهات الدموية وحالة الفوضى؟
المشكلة ليست في زوال هذا النظام فهو حتما سيزول ويسقط... لأن أنظمة الاستبداد تحمل بذور فنائها معها، ولكن ما يشغل البال فعلا هو متى، وكيف، وما تبعات ذلك؟
في الحقيقة، توقيت سقوط العصابة التي تحكم الجزائر سيحدد بشكل كبير الكيفية التي سيحدث بها ذلك وتبعاتها وحجم الفاتورة، وهي النقطة التي يجب أن تحظى باهتمام وتحليل كبيرين، ويجب أن يعيها المجتمع الجزائري.
الأكيد أن أغلب الجزائريين يرغبون في التغيير نحو نظام حكم وتوزيع للثروات عادلين، لكنهم في نفس الوقت يخشون فاتورة التغيير لما يشاهدونه من دماء في بعض الثورات، وكذلك حالات الفوضى والانفلات الأمني في ثورات أخرى، ويفضلون التعايش مع الوضع الحالي على الرغم من سوءه خوفا من وضع أمني أسوأ. وقد ساعد في ذلك ما عرفوه عن دموية أطراف عدة في السلطة الجزائرية، وربما يراهن آخرون على تحسن الوضع بشكل تدريجي. زاد الأمور تعقيدا انتشار نظرية المؤامرة الغربية واتهام الثورات أنها مجرد مخطط غربي لإعادة رسم خريطة العالم العربي بنفس طريقة سايكس بيكو، وخاصة بعد تدخل الغرب في الثورة الليبية وما يحدث في سوريا اليوم.
في الحقيقة، نظرية المؤامرة هذه تجعل من الشعوب وكأنها محكوم عليها إما بالعيش في ظل الاستبداد، الذي هو في ذاته أداة من أدوات الغرب راعي مصالحها، أو الوقوع في شراك المؤامرة الغربية... وكأن هذه الشعوب لم تعد تستحق الحرية وتقرير مصيرها بأيديها أو أنها لا تستطيع. سيناريو المؤامرة وتشبيهها بسايكس بيكو يستحق تحليلا منفردا ومفصلا بذاته.
الحالة الجزائرية مازالت تمثل استثناءً وسط الجمهوريات العربية، وربما أصحاب القرار في الجزائر يعتقدون أنهم أصبحوا في منأى من أية انتفاضة شعبية وأن السحابة مرت دون أن تمطر، وأن حالة التعثر والفوضى في الثورات الأخرى ستساهم في بقائهم دون الحاجة إلى تقديم أية تنازلات أو حتى إصلاحات شكلية... فما بالك بإصلاحات جذرية.
قد يعتقد الكثيرون أن مرور هذه السحابة قد جنب الجزائر الفوضى والصدام، لكن للأسف فالذي يحدث قد يكون العكس تماما إن نحن قرأنا الوضع قراءة جيدة.
المتأمل في الشأن الجزائري يلاحظ أن الوضع العام في البلاد بلغ حالة من التعفن غير مسبوقة ويسير نحو تشكل نموذج سياسي هو أقرب في تجلياته إلى خليط بين الحالة المصرية والليبية. فالنظام الجزائري لم يعد نظاما عسكريا إستخباراتيا كما عهدناه ، بل تحول إلى زواج بين المال والسلطة بشكل عضوي وتجليات هذا الزواج العضوي لاحت منذ فترة، إلا أن هذا التزاوج أحكم في السنوات الماضية قبضته على الاقتصاد الجزائري بشكل يوحي أن الجزائر تسير نحو الوضع المصري حيث سيطر تحالف من رجال الأعمال والساسة على الاقتصاد المصري تحت حماية أمن الدولة والمخابرات وتواطؤ العسكر، لكن مع اختلاف جوهري بين النموذجين. ففي الحالة المصرية كان هناك دائما حراك سياسي فكري وثقافي والعديد من الوجوه والمراجع الفكرية. والأهم من ذلك وجود عدد كبير من القضاة المستقلين وإن لم يكن القضاء نفسه مستقلا، فضلا عن وجود العديد من النقابات القوية والمستقلة وبعض الجماعات المنظمة والمتجذرة في المجتمع.
من ناحية أخرى لعب الجيش المصري من خلال ضغط قيادات الصف الأول والثاني ( التي كشفت عنها الأحداث مؤخرا) دورا حاسما في كبح جماح عصابة نظام مبارك التي لم تكن لتتوانى في إدخال البلاد في الفوضى التامة من أجل الحفاظ على مصالحها، وهو الأمر نفسه الذي حدث في تونس، بينما يصعب في الجزائر تصور وجود أية قيادات عليا في الجيش مؤثرة يمكنها التدخل بسرعة وتوقف آلة الموت، بل ليس من المستبعد أن يتم الزج بالجيش، ولو لفترة قصيرة، في صدام مع الشعب.
من الناحية الفكرية والثقافية وغياب المراجع تسير الجزائر نحو الوضع الليبي، ففي ظل الهدم المنظم للتعليم وحالة التجريف الفكري والسياسي والتضييق عن الحريات تم فيه كتم كل صوت شريف وعزل الشعب والشباب عن النخب فإن المجتمع الجزائري في بضع سنين لن يكون مختلفا كثيرا عن حالة المجتمع الليبي، وقد تواجه الجزائر نفس التحديات التي تواجهها ليبيا بل قد تكون بصورة أعنف لاختلاف طبيعة وتركيبة الشعبين.
الأمر الآخر، وربما من مفارقات الحالة الجزائرية، فإن الحالمين بالتغير والحاملين لهذا المشروع في الجزائر هم من جيل ينتمي معظمه إلى الكهول والشيوخ، وهي الأجيال التي تلقت أفضل تعليم وتشبعت بقيم الوطنية وتدرك أبعاد المأساة الجزائرية. غير أن نقطة ضعف هذا النوع من الأجيال تكمن في افتقادها لحماس واندفاع الشباب، وذلك لأسباب بعضها يرجع لاعتبارات إنسانية، وأخرى فكرية وسياسية. حدوث تغيير في الجزائر في فترة يستطيع فيها هذا الجيل أن يساهم في التغيير، وربما يكون في الصدارة، سيسهل كثيرا عملية التحول وبناء دولة القانون في بلد تم فيه تجريف وهدم جميع معالم وأركان الدولة ولم يبقى فيه أية مؤسسة رسمية في البلاد يمكن اليوم البناء عليها أو اعتبارها مرجعية، في وضع أشبه بالوضع الليبي.
ما يجب أن يدركه الشعب الجزائري، وخاصة الشباب، أن تأخير التغيير لا يعني أبدا تجنب دفع الفاتورة، بل قد يساهم في تضخيم فاتورة وضريبة التغيير في ظل نظام يفتقد لأية رؤية سياسية ويدفع الوضع نحو المزيد من التعفن بشكل جعل أية عملية إصلاح من الداخل ضربا من ضروب الخيال.
ما ينبغي على الجميع إدراكه هو أن أنظمة الاستبداد لا تزول دون ضريبة، ضريبة وثمن تدفعها الشعوب قبل المستبدين، ليس كثمن لانعتاقها فحسب، بل أيضا كثمن لطول استكانتها وتنازلها عن حريتها. وربما يدفعها المستكين قبل الثائر، وأن الأفراد والجماعات أو قطاعات الشعب التي تقايض حريتها بأمن زائف لن تستطيع توقيف عجلة التغيير والتحرر، غير أنها تساهم حتما في رفع ضريبة التحرر والانعتاق.
في الحقيقة أفضل من وصف نهاية دولة الاستبداد هو عبد الرحمن الكواكبي منذ أزيد من قرن، حيث قدم وصفا بليغا موجزا لهذه النهاية يلخص ما جاء في هذا المقال وما حدث ويحدث وسيحدث في دول عربية عدة.
يقول الكواكبي: إن فناء دولة الاستبداد لا يصيب المستبدين وحدهم بل يشمل الدمار الأرض والناس والديار، لأن دولة الاستبداد في مراحلها الأخيرة تضرب ضرب عشواء كثور هائج، أو مثل فيل في مصنع فخار، وتحطم نفسها وأهلها وبلدها قبل أن تستسلم للزوال، وكأنما يستحق على الناس أن يدفعوا في النهاية ثمن سكوتهم الطويل على الظلم وقبولهم القهر والذل والاستعباد، وعدم تأملهم الآية الكريمة : " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة وأعلموا أن الله شديد العقاب ".
الجزائر تايمز / س.ج
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (5)