الثروة المالية للجزائريين: هل من أياد تأخذ بها إلى نهضة حقيقية بالبلد؟
لا يكاد يمضي يوم في الجزائر دون أن تُسيل احتياطيات البلد المالية كثيرا من الحبر على صفحات الصحف الجزائرية، بالنظر إلى الجدل الذي أثارته تلك الثروة التي قاربت المائتي مليار دولار، وفقا لما أعلنته الحكومة مؤخرا. وما يزيد من حدة النقاش الدائر حول هذه الطفرة المالية الريعية هو توجهات الحكومة نفسها…
لا يكاد يمضي يوم في الجزائر دون أن تُسيل احتياطيات البلد المالية كثيرا من الحبر على صفحات الصحف الجزائرية، بالنظر إلى الجدل الذي أثارته تلك الثروة التي قاربت المائتي مليار دولار، وفقا لما أعلنته الحكومة مؤخرا.
وما يزيد من حدة النقاش الدائر حول هذه الطفرة المالية الريعية هو توجهات الحكومة نفسها، لاسيما بعد قرارها الأخير المشاركة بخمسة مليارات دولار في القرض الذي طرحه صندوق النقد الدولي للاكتتاب، وهي الخطوة التي تأتي في ظل مفارقة عجيبة بين هذا الغنى المشهود له من داخل البلد وخارجه، وبين بعض مظاهر الفقر لفئات مهمشة في عمق المجتمع الجزائري، والمشهود عليه أيضا من داخل البلد وخارجه. والمشكلة ليست في شراء أصول مالية بخمس مليارات، ولكن في المفارقة ذاتها.
وبالرغم من أن هذا الرقم غير المسبوق يجعل الجزائر في وضع مريح نسبيا، مقارنة بعدد من الدول الأخرى بما فيها المتقدمة والنامية، إلا أن الجهات المعنية بحسن إدارة وتدبير شؤون الجزائريين وتحسين ظروف حياتهم، تبدو كمن يرى أبواب الخلاص من أزماته ماثلة أمامه ولا يملك مفتاحا واحدا للعبور إلى ما وراء تلك الأبواب المغلقة. وإذا كانت السلطات لم تتخذ قرارات جريئة ومدروسة في آن واحد، لإنفاق جزء يسير من تلك الأموال المكدسة على مشاريع إنتاجية، وليس استهلاكية، فإن صرفها لن يكون أحسن حالا من الاحتفاظ بها كما هي في الوقت الراهن، وهو ما ثبتت عدم نجاعته سابقا في حالات مماثلة صرفت فيها الدولة الجزائرية أموالا طائلة، دون أن يشعر المواطن البسيط أن شيئا قد تغير في حياته.
عندما نتحدث عن تزايد حجم هـــــذه الثروة المنســـية شعبيا في الجزائر، أو المغـــيبة عن واقع الجـــزائري العــادي، لا بد أن نتحدث أيضا عن نقــــاط جد مــــتدنية في شــفافية البلد رصـــدتها منظمة الشــــفافية الدولية، حيث تـــحتل الجزائر المرتبة 112 من بين 182 بلدا في تصنيف عام 2011، وهي مرتـــبة أكـــثر فسادا من دولة إفريقية مثل رواندا التـــي تأتي في المرتبة 42 من حيث الشفافية، وفق تصنيف المنظمة الدولية ذاتها.
وهذا المؤشر على الفساد في الإدارة الجزائرية يعرفه القاصي والداني من الجزائريين، وليسوا في حاجة أصلا للاطلاع على هذه الأرقام حتى يدركوا واقعهم الذي يعيشون، فالفساد في يوميات الجزائريين حديث ذو شجون عن الإدارة والرشوة والمحسوبية، فضلا عن الاختلاس والطرق الملتوية..
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة في ظل هذه المعطيات، هو: إلى أين ستذهب هذه الثروة الطائلة التي تسيل اللعاب في داخل البلد وخارجه، تماما مثلما أسالت كثيرا من حبر الجدل المثار حولها؟ قد يكون الجواب عند الكثيرين أن المسؤول عن مصير أموال الجزائريين المتراكمة ليس أعلم به من السائل، وحتى أولئك الذين فرطوا في حق المواطن أن ينعم بنمط الحياة التي تسمح بها ثروة بلده الريعية، قد لا يكون لديهم جواب كاف عن مستقبل تلك الأمانة التي وجدوها فجأة بين أيديهم، وأما الذين يمثلون الشعب في منبر الحديث باسمه أمام صناع القرار، فليسوا في وارد إسماع صوته والدفاع عن مصالحه، ما دامت مصالح الكثيرين منهم أولى من الاعتراض على ما لا يخدم الشعب ومصالحه، وقد كانوا في السابق يستجدون أصواته التي أوصلتهم إلى ذلك المقام المحمود لكثرة مآربه ومنافعه.
ما نريد قوله هو أن الحكومات السابقة التي تعاقبت على السلطة في الجزائر، وهي بالأحرى أشبه بحكومة واحدة تتبدل أدوار شخصياتها الوزارية من موقع لآخر، لم يكن ثمة من يحاسبها على تقصيرها أو أخطائها، بل حتى على بعض قمم جبال الفساد التي كانت تظهر من حين لآخر، ولم نر مثلا استقالات لمسؤولين في السابق على طريقة النظم الديموقراطية، كما هو الحال مع الوزراء في بريطانيا أو دول أخرى. وقد نسمع يوما أن ما كنا نراه فائضا ماليا معتبرا وفي غاية الأهمية للبلاد والعباد، قد أصبح في خبر 'كان' أو دخلت عليه 'إن' أو إحدى أخواتها، دون أن يفهم الجزائريون أين ذهبت أموالهم، وقد يكون الجواب حينها أنها أنجزت مشاريع أشبه بالوهمية، كوضع أرصفة جديدة للطرقات مع سبق الإصرار والترصد، مع أن العملية تمت في المكان ذاته قبل عام أو أشهر من ذلك.
ومع هذا كله، نأمل في استغلال هذه الثروة في منجزات ضخمة تصنع ثروة أخرى حقيقية، بعيدا عن ريع النفط والغاز الآيلين للزوال، ومثل هذا الأمر يحتاج حتما إلى إرادة سياسية حقيقية ومساع جادة للنهوض بالبلد اقتصاديا وفكريا، بشكل يتناسب وحجم الجزائر إقليميا وقاريا، لاسيما أنها تتوفر على كثير من مقومات تلك النهضة التي تأخرت كثيرا.. بعد نصف قرن من الاستقلال.
محمد بوعبد الله
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (6)