الكلام عن ولاية رابعة للرئيس بوتفليقة... بين بالون الاختبار والحسابات الضيقة
بدأ الحديث محتشما خلال الأيام القليلة الماضية في الجزائر عن ولاية رابعة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ورغم أن المعني بالأمر لم يتحدث عن الموضوع، ومن المستبعد أن يفعل في المدى القريب مهما كانت نواياه، إلا أن تزايد عدد السياسيين الذين يطالبون بولاية رابعة للرئيس بوتفليقة يثير حالة من الشك في ساحة…
بدأ الحديث محتشما خلال الأيام القليلة الماضية في الجزائر عن ولاية رابعة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ورغم أن المعني بالأمر لم يتحدث عن الموضوع، ومن المستبعد أن يفعل في المدى القريب مهما كانت نواياه، إلا أن تزايد عدد السياسيين الذين يطالبون بولاية رابعة للرئيس بوتفليقة يثير حالة من الشك في ساحة سياسية مغلقة، تخشى أن يفرغ ترشح الرئيس بوتفليقة لولاية جديدة الانتخابات الرئاسية القادمة، ومن المرشحين الحقيقيين، بما يفسح المجال أمام ما يسمى بـ'أرانب السباق الانتخابي'.
الأكيد في الأمر أن 2013 ستكون السنة التي سيطبخ فيها رئيس الجمهورية القادم، لأن الانتخابات الرئاسية ستجرى في ربيع 2014، لكن المعركة الحقيقية ستدار قبل ذلك بكثير، هذا إذا تكرر سيناريو انتخابات 2004، التي أعطت الانطباع في وقت أول أن البلاد ستشهد انتخابات مفتوحة على كل الاحتمالات، قبل أن يتبين أنها مغلقة على شخص واحد، هو الرئيس- المرشح، أما إذا كان بوتفليقة قد قرر الترشح لولاية جديدة، فذلك سيجعل الكثير من الطامحين للرئاسة، ينسحبون من السباق قبل دخوله، لأن التجربة علمتهم أن دخول انتخابات للسلطة فيها مرشح، لا معنى له وأنهم يعرضون أنفسهم للحط من قيمتهم، خاصة لما يخرجون بنتائج لا تتجاوز الـ5 بالمائة.
إذا عدنا إلى الرئيس بوتفليقة فيجب التذكير بأنه وصل إلى الحكم سنة 1999، بعد انتخابات رئاسية قيل ولا يزال يقال حولها الكثير، فقد فتحت هذه الانتخابات الأبواب للكثير ممن كانوا يوصفون بأنهم من الأوزان الثقيلة من أجل الترشح، خاصة في ظل قناعة كانت لديهم أن الانتخابات لن تزور، وأن السباق سيكون نزيها، ولكن المرشحين الستة، وهم الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي وزير الخارجية الأسبق، ورئيسي الحكومة السابقين مولود حمروش ومقداد سيفي، وحسين آيت أحمد الزعيم التاريخي، والمجاهد يوسف الخطيب أحد أبرز قادة ثورة التحرير، وعبد الله جاب الله أحد أقطاب التيار الإسلامي، هؤلاء المرشحون قرروا الانسحاب من السباق الانتخابي عشية الاقتراع، قرار لا يزال يثير الكثير من الجدل حول الأسباب التي دفعت إليه، حتى وإن كان أصحاب الشأن يؤكدون أنهم قرروا الانسحاب لأن التزوير بدأ في انتخابات المكاتب الخاصة التي كان ينتخب فيها أفراد الجيش والشرطة، وأن هؤلاء تلقوا تعليمات للتصويت لصالح مرشح النظام.
ولكن هناك من يقول إن المرشحين وقعوا في فخ نصب لهم، وأن هناك من أخبرهم أنهم إذا انسحبوا فإن الجيش سيتدخل لإلغاء الانتخابات، ولكن هذا لم يحدث.
وعندما حان موعد الانتخابات الرئاسية لعام 2004، وقبلها بسنة كاملة انفجرت العلاقة بين الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وبين رئيس حكومته وذراعه الأيمن علي بن فليس، إذ أعلن هذا الأخير بعد استقالته أنه تعرض إلى مساومة من أجل البقاء في منصبه، بالتخلي عن طموح الترشح إلى الرئاسة، ودعم ترشيح الرئيس بوتفليقة، علما أن بن فليس كان أيضا زعيما لحزب جبهة التحرير الوطني ( الأغلبية) ودخلت البلاد كلها في سباق محموم نحو الرئاسة، وانقسمت المؤسسات والساسة وحتى الصحافة بين مؤيد لولاية ثانية لبوتفليقة ومساند لعلي بن فليس، الذي أصبح يظهر في ثوب زعيم المعارضة، وبقيت الأنفاس محبوسة لأشهر طويلة، خاصة في ظل التصريحات والفضائح التي كانت تنشر على صفحات الجرائد، وبدا أن الدور الثاني ضروري للفصل بين المرشحين بوتفليقة وبن فليس، وراح البعض يتحدث عن سيناريو جورجي، والآخر عن انشقاق في مؤسسة الجيش، لكن النتائج جاءت مدوية، وفاز بوتفليقة من الدور الأول بأكثر من 84 بالمائة، وهي تفوق النسبة التي سجلها في الانتخابات التي خاضها لوحده في سنة 1999، وجاء 'الآخر' ثانيا بنسبة 5 بالمائة،(علما أن وزير الداخلية السابق يزيد زرهوني لم يشأ حتى ذكر اسم علي بن فليس).
ولم يفهم أحد ( أو الأغلبية الساحقة) ما حدث بالضبط، هل كان الجميع ضحية مخادعة كبرى، وهل الصراع الذي كان قائما لأشهر طويلة وحبس أنفاس البلد كان حقيقيا أو مفتعلا، أم أن أيادي خفية لعبت بنتائج الانتخابات لصالح مرشح واحد، و'حوّلت' أصوات الجماهير التي كانت تقف مع بن فليس لمصلحة غريمه ومنافسه، أم أن الجماهير عندما حان موعد الاختيار غيرت رأيها وانتخبت بوتفليقة الذي فاز بولاية ثانية، وانفتحت أبواب جهنم على الذين ساندوا بن فليس، مهما كانت درجة المساندة، واصطف الكثيرون طوابير يطلبون العفو والمغفرة.
ولاية فوق الحاجة
لم يخف الرئيس بوتفليقة يوما نيته ورغبته في تعديل الدستور، وذلك منذ وصوله إلى الحكم، ولكن عدم تعديله خلال الخمس سنوات الأولى من حكمه، وحتى في بدايات ولايته الثانية، جعلت البعض يميل إلى فرضية أن بوتفليقة لم يشأ أن يقلد سابقيه، الذين تنطبق عليهم قاعدة 'لكل رئيس دستوره'، ولكن أيضا كان هناك قناعة لدى الكثيرين أن بوتفليقة لن يكتفي بولايتين، وأنه سيقدم حتما على تعديل الدستور، لإلغاء المادة التي تحدد الولايات الرئاسية بواحدة قابلة للتجديد مرة واحدة، ورغم أن بوتفليقة أدخل تعديلات أخرى على الدستور، إلا أن إجراء هذا التعديل قبل أقل من
ستة أشهر عن موعد الانتخابات الرئاسية، أكد الشكوك حول رغبة الرئيس في إلغاء المادة المانعة، وهو ما حدث فعلا.
وجرت الانتخابات الرئاسية لـ 2009، دون أي تشويق، لأن الجميع كان يعرف من سيكون الرئيس الجديد ــ القديم، والذين خاضوا تلك الانتخابات وجدوا صعوبة في التخلص من وصف 'الأرانب' الذي ظل يطاردهم، إلى درجة أن الداخلية توعدت بمعاقبة الصحافيين الذين يصفونهم بهذا الاسم، ونجح بوتفليقة دون أي عناء في الفوز بولاية ثالثة.
ولكن الولاية الثالثة التي عمل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على الظفر بها، بدت وكأنها 'ولاية فوق الحاجة'، وقيل ان بوتفليقة نفسه أسر لبعض مقربيه أنه ندم لأنه ترشح لها، وأنه تعرض لضغوط من محيطه ليبقى في الحكم، وتخللت هذه الفترة اضطرابات عنيفة، خاصة وأن الجزائر كانت أول بلد تحرك في نفس الوقت مع الثورة التونسية، ففي شهر يناير/ كانون الثاني2011 التهب الشارع من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، واستمرت هذه الاحتجاجات أربعة أيام بلياليها، واستمرت حالة الغليان عدة أشهر، قبل أن يظهر الرئيس في أبريل/ نيسان ليعلن في خطاب تلفزيوني بدا فيه متعبا عن حزمة من الإصلاحات السياسية.
وجرى تعديل مجموعة من القوانين المنظمة للممارسة السياسية بسرعة فائقة، لتحضير الانتخابات البرلمانية، وعشية إجرائها قام بوتفليقة بزيارة إلى ولاية سطيف ( 300 كيلومتر شرق العاصمة) وقال في خطاب أصبح شهيرا:' طاب جناني' ( تجاوزني الزمن)، ورغم أن بعضا ممن كانوا في القاعة راحوا ينادون:' ولاية رابعة'، فإن بوتفليقة رد عليهم قائلا:' رحم الله من عرف قدره'.
وراح الجميع بعد هذا الإعلان يعد العدة إلى تغيير مرتقب في الرئاسة، وتوارى بعض الساسة الذين كانوا قد بدأوا قرع طبول 'الولاية الرابعة' خوفا من رياح الربيع العربي، ولكن هدوء الغليان الذي كانت تعيشه البلاد، وتوقف الحركات الاحتجاجية، فضلا عن المخاض الذي تمر به الدول العربية التي عرفت ربيعا تحول بسرعة إلى شتاء ورعد وبرق، جعل الذين كانوا يستحون من الحديث عن الولاية الرابعة يجاهرون بها، وينشرونها كصفحات إعلانية عبر الصحف، لاستجداء الرئيس للترشح مجددا والبقاء في الحكم إلى غاية 2019.
الشيء اللافت للانتباه أن أعداد المطالبين و'المطبلين' لولاية رابعة تزايد بشكل لافت، فبالإضافة إلى عبد العزيز بلخادم أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني،الذي يعلم الجميع أن بقاءه على رأس الحزب مرتبط باستمرار بوتفليقة في الحكم، انضم إلى القافلة نائب بالبرلمان انشق عن حزبه لينضم إلى جبهة بلخادم، هذا النائب المثير للجدل، والمتهم في وقت سابق من طرف حزب العمال ( التروتسكي) بأنه بارون مخدرات، دفع من ماله ثمن صفحة إعلانية يستجدي فيها بوتفليقة الترشح.
والتحق بهما في هذه الدعوة عمارة بن يونس وزير البيئة ورئيس حزب الحركة الشعبية الجزائرية، الذي ارتفعت أسهم حزبه في الانتخابات المحلية الأخيرة، والذي أكد على أنه يدعم ترشح بوتفليقة لولاية جديدة، وهي دعوات أثارت جدلا بخصوص الهدف منها، فهل الأمر يتعلق بمحاولة تموقع من طرف بعض الساسة، وتصفية حسابات داخلية في أحزابهم، والحصول على مكاسب آنية، أم أنه بالون اختبار للطريقة التي سيتم التعامل بها مع الموضوع، في حالة ما إذا طرح بطريقة جدية.
كمال زايت
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (12)