النخب العربية بين الخيانة والجهل بقيمة الأوطان.. مصر والجزائر نموذجا

بات الأمر استثناء وجود علم (ديني- سياسي- فكري - إعلامي) ينظر لتطورات العالم العربي، جملة أو تفصيلا، بغير معزل عن العالم؛ ولا يبالغ المرء إذا قال أن معظم الوجوه التي تتصدر الآن المشهد في مصر كما هي الحال في الجزائر، تغفل -عن علم- قاعدة بديهية، وهي أن العمل السياسي والأمني، لا يمكن بحال أن تضبطه…

ديسمبر 18, 2012 - 17:01
تم التحديث: 14 سنوات منذ
1 2.7ك
النخب العربية بين الخيانة والجهل بقيمة الأوطان.. مصر والجزائر نموذجا

بات الأمر استثناء وجود علم (ديني- سياسي- فكري - إعلامي) ينظر لتطورات العالم العربي، جملة أو تفصيلا، بغير معزل عن العالم؛ ولا يبالغ المرء إذا قال أن معظم الوجوه التي تتصدر الآن المشهد في مصر كما هي الحال في الجزائر، تغفل -عن علم- قاعدة بديهية، وهي أن العمل السياسي والأمني، لا يمكن بحال أن تضبطه الحدود الجغرافية المعلومة، كما لا يمكن البتة تجريده من المقومات العقائدية أو المادية لشخصياته الفاعلة. يقول المرء هذا الكلام وفي حلقه غصة، بعد أن تابع ردود الفعل في مصر، حول عبارة تضمنها حوار الرئيس محمد مرسي: 'مصر تتعرض لمؤامرة'.


واستخف بها كبار الإعلاميين -دون ذكر الأسماء-، ولاكتها ألسن قادة سياسيين ومفكرين وكتاب، كأنما الرجل قال كفرا، لا تكمن الخطورة في هذا الموقف فحسب، وإنما كل الخطر وأجله، في طرح هؤلاء الذي يبطن بكل وضوح وهما غير معقول، مفاده أن حدود مصر الجغرافية تمنع أي تدخل سياسي أو أمني بشؤونها، ولعل هذا التدخل لن يتأتى إلا بموجب تأشيرة 'فيزا' يصدق عليها هؤلاء السادة.


بهذا المنطق المتعامي عن الواقع، تصبح سياسة الولايات المتحدة من عام 1946 إلى غاية تحرير فلسطين، مجرد هذيان وهي التي تقوم أساسا على القاعدة الآتية، والتي بات العوام منا يعرفها: إسرائيل هي الخط الأول والأحمر للأمن القومي الأمريكي. هذا ما تكرر على ألسنة رؤساء الولايات المتحدة مذاك. مع أن الكيان الإسرائيلي يبعد آلاف الكيلومترات عن الولايات المتحدة جغرافيا، وأما معتقدا وتاريخا فلا علاقة هناك إلا الصهيونية الوليدة.


لست هنا أدافع عن طرح الرئيس محمد مرسي و مناصريه، وإنما أحداث مصر والمناكفات السياسية، التي تستعرض أقبح صور التمترس البليد وراء شعارات، تستنفر بطبيعتها غرائز العوام، ويغري مظهرها المطلي وجهها بمراهم زينة الحرية والديمقراطية وحرية التعبير وما إلى ذلك، عادت بالكاتب لحقبة ما قبل انقلاب 1992 في الجزائر، حينها قلنا كما يقول البعض اليوم تماما، ليس معقولا تصور الحراك السياسي والشعبي بمعزل عن سياسات إقليمية ودولية، واستنكر القوم حينها هذا الطرح، متهمين أصحابه بعرقلة الحراك، بل ابعد من ذلك قرئ على أنه دعم للنظام الحاكم، لكن بعد مضي المرحلة الأخطر والتي تمددت لعشر سنوات من القتل والتدمير، كشف كل طرف من أطراف التنازع، تواصله بل وارتباطه الوثيق بأطراف خارجية فعلا.


هنا لا أريد كذلك الاستدلال بوثائق وشهادات للدخول في جدل مع من يخالف هذا الرأي، سواء فيما تعلق بالجزائر (شهادة قادة جبهة الإنقاذ أنفسهم - شهادة قادة المؤسسة العسكرية الجزائرية كذلك، على تواصلهما الوثيق بأجهزة استخبارات أجنبية أيام صناعة الأزمة)، ولا قبلها واليوم في مصر (الوقائع التي تضمنها كتاب 'ميراث دماء..تاريخ وكالة المخابرات الأمريكية' التاريخ الرسمي للوكالة لكاتبه تيم وينر. التي تؤكد تمددها عبر وسائل إعلام وشخصيات مرموقة، لصناعة الرأي العام، وتوجيهه نحو ما تقتضيه المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة.(
و إنما أطرح الموضوع من زاوية أخرى وهي: هل يتوهم العقل العربي، أن الأقطار العربية تستمد قيمتها من أنظمتها ؟ أم العكس هو الصحيح؟


الإجابة الموضوعية عن هذين السؤالين تقول لا هذه ولا تلك، وإنما هناك تقاطع في التقييم لدى الخبراء الغربيين، بمعنى أن كل قطر عربي له قيمته الإستراتيجية بناء على موقعه الجغرافي وتاريخه، ومقدراته السكنية وثرواته الطبيعية، بمعزل تام عن السلطة التي تحكمه، وقيمة الأخيرة تعتمد على مدى تحكمها في هذا القطر، ومدى توظيف إمكاناته لمصلحة الغرب، والتقاطع في التقييم يرتسم في الجمع بينهما، وبتبسيط أكثر نجيب عن السؤال التالي على سبيل المثال لا الحصر: هل قيمة الجزائر في تقدير الغرب قائمة على قيمة السلطة ؟ قطعا الإجابة بالنفي، فالجزائر موقعا جغرافيا، ومساحة بالغة السعة، وثروات طبيعية مترفة الغنى، وقوة بشرية لا يستهان بها، هذه قيم ثابتة خلاف السلطة المتغيرة بالضرورة، كل هذا لا يعني لدى الغرب إلا توصيف الجزائر بقوة عظمى، تهدد بشكل جدي تهديدا وجوديا لأوروبا.


أعلم أن هناك من يسخر من هذا العرض، غافلا عن واقع يثبته التاريخ المعاصر ووقائعه، فلو عاد بذاكرته إلى ثلاثة قرون خلت، لوجد الجزائر هذه بعينها، وبذات خصائصها كانت تسيطر على كل البحر الأبيض المتوسط، فضلا على أنها كانت المخزن الغذائي الممون للقارة العجوز.


هذه الإمكانيات والطاقات والخصائص لم تتغير، إذن متى وظفت بشكل سليم تعود الجزائر حتما إلى ما كانت عليه. هذه هي القاعدة التي يعتمدها العقل الغربي في تقييم الجزائر، (تاريخ وجغرافيا) وعلى أساسها يتعامل معها، ولا يغفلها إلا مكابر أو جاهل.
فهل يستقيم أن يتركها وشأنها، لتستعيد ببناء محكم تلكم المكانة؟، هكذا بكل بساطة. ولننتبه إلى أن العمود الفقري لوجود العدو الإسرائيلي في الفكر الغربي هو التاريخ أساسا، وإن كان مزورا.


أعود لمصر اليوم لأطرح تساؤلا مشروعا، على من يتصدرون المشهد، وهم ينكرون ويستنكرون التدخل الأجنبي في الحراك الحالي: هل يدركون جيدا أبعاد قيام نظام ديمقراطي في مصر؟ إذا كان سفير الولايات المتحدة، وتقارير وكالة الاستخبارات الأمريكية، ووزير الأمن الإسرائيلي، ومعظم مراكز الأبحاث والدراسات الإستراتيجية المعتمدة، تجمع على أن قيام دولة قوية في مصر، تهديد خطير لمصالح الغرب، ما يعني ضمنا واجب الوقوف ضده، والعمل بشتى الوسائل على تعطيله، في ظل هذا الطرح العلمي والواقعي، هل يستقيم لدى وطني مصري، أن يغفله أو ينكره، ويتمسك بصراع حول جزئيات، ولو كانت الدستور من عدمه، لينتهي عمليا إلى الزج ببلده في فتنة لا يعلم مدى خسائرها إلا الله؟ هل يعقل هذا ؟!... لنتأمل المشهد العربي قليلا، اليمن-ليبيا-السودان-الجزائر-تونس-العراق-سورية، ومصر اليوم، هذه اللوحة الفسيفساء من التدمير والتخريب السريالي، ترسم بأيدينا نحن فقط، وتصب فعلا في مصلحة الشعوب.


ما لم تقر النخب مترفعة عن صالحها الذاتية، بخطر داهم على العالم العربي، يستوجب توضيح الصورة، والعمل بجدية على تحقيق الأهداف العليا...فلا شك لدي أنها ترتكب خيانة في حق الأمة.



إسماعيل القاسمي الحسني

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (1)

User
pop
pop 14 سنوات منذ
<strong>صدقت</strong> لقد أصبت عين الحقيقة و لكن ما يخدع الطغاة شيء ما تخدعهم غفلة الجماهير، وذلتها، وطاعتها، وانقيادها، وما الطاغية إلا فرد لا يملك في الحقيقة قوة، ولا سلطانًا، وإنما همي الجماهير الغافلة الذلول، تمطي له ظهرها فيركب&nbsp;! وتمد لها أعناقها فيجر، وتحني لها رؤوسها فيستعلي&nbsp;! وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغى&nbsp;! والجماهير تفعل هذا مخدوعة من جهة، وخائفة من جهة أخرى، وهذا الخوف لا ينبعث إلا من الوهم، فالطاغية - وهو فرد - لا يمكن أن يكون أقوى من الألوف والملايين، لو أنها شعرت بإنسانيتها، وكرامتها، وعزتها، وحريتها