امن واستقرار ومصالحة ليبيا الوطنية في مهب الريح
يتدافع الكثيرون من هُواة السياسة في ليبيا اليوم إلى الإسهام في إقرار قانون الاستئصال الديمغرافي في ليبيا، والاجتثاث السياسي لما يقارب على ثلث الشعب الليبي، من خلال عرض مسوّدات قانون العزل السياسي، أو إبعاد من شارك في إفساد الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية في ليبيا، وفق زعم…
يتدافع الكثيرون من هُواة السياسة في ليبيا اليوم إلى الإسهام في إقرار قانون الاستئصال الديمغرافي في ليبيا، والاجتثاث السياسي لما يقارب على ثلث الشعب الليبي، من خلال عرض مسوّدات قانون العزل السياسي، أو إبعاد من شارك في إفساد الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية في ليبيا، وفق زعم المناصرين لهذا القانون.
من بين تلك التصورات، كان الأول موروثاً عن مقترح قُدم للمجلس الوطني الانتقالي آنذاك، ويأتي ثاني التصورات مما نسجه حزب العدالة والبناء في تطيرز أُحبك بما لا يدع مجالاً للخصوم أن يشاركوا في حكم ليبيا مستقبلاً، إذ كانت الرؤية الدينو غرافية ظاهرة، ناهيك عن إمكانية تواجد أنصار النظام السابق على رأس أي من مؤسسات الدولة.
أما التصور، أو المقترح الثالث، والذي قد شعر أنصاره بأنهم المستهدفون من عملية إقرار قانون العزل السياسي، فهو ما تقدم به تحالف القوى الوطنية، بمنطق (عليّ وعلى أعدائي)، حيث تقدم هذا التحالف الأكثر مدنية وديمقراطية في نظر الكثير من الليبيين بتصور السياسة المحروقة التي لا تبقي ولا تذر، فأصر على أن العزل ينطبق منذ أول بدايات حكم القذافي لليبيا في الأول من سبتمبر 1969، ويعزل كذلك من بقوا خارج ليبيا حتى تاريخ التاسع عشر من مارس 2011، شاملاً كل فئات المجتمع.
والأكثر غرابة ما تقدمت به مؤسسات المجتمع المدني، حيث طالبت بأسوأ ما طالبت به الأحزاب، والقوى السياسية داخل المؤتمر.
إن قراءة متأنية، أو حتى على عجل في كل تلك التصورات، التي يصعب التمييز عن أي منها هو الأسوأ، يكوّن لدى القارئ قاسماً مشتركًا، يُمكنه من خلاله الحكم المسبق على أن الهدف من إقرار هذا القانون لا يتمثل في حماية الدولة الليبية، وليس الهدف هو منع الفساد السياسي، والاقتصادي، مستقبلاً، بقدر ما هو تراشق سياسي، بين المناصرين لهذا القانون بُغية تبيان من يَعزل من، كي يستأثر بحكم ليبيا الديمقراطية. ونتساءل هنا: أما وضع المناصرون لهذا القانون في حسبانهم ما يلي:
- إن توظيف الدين الإسلامي الحنيف لأجل إصدار هذا القانون لا يستقيم البتة، حيث إن كل مناصرينه يستشهدون بواقعة وحشي رضي الله عنه، وكيف إن النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه أن ينحجب عنه كي لا يراه، وهنا نقول إن هذا قياس مع الفارق، واستشهاد في غير محله، مما يمكن معه الحكم بصحة الدليل وبطلان الاستدلال، ذلك أن الحالة الليبية ليست انتقال من دين إلى دين، بقدر ما هي انتقال من نظام سياسي، إلى نظام سياسي آخر، أضف إلى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعزل وحشي رضي الله عنه، حيث لم يمنعه حقه في المواطنة، ولا العمل، ولا تولي الوظائف، ومن بينها وظيفة الجهاد، إذ نعلم أنه جاهد في سبيل الله تعالى، وقتل مُسيلمة، وإن طلب النبي صلى الله عليه وسلم من وحشي رضي الله عنه أن يحتجب عنه كان مطلبًا مؤسسًا على النفس البشرية، والنبي صلى الله عليه وسلم بشر، ولا يرغب رؤية قاتل عمه، والممثل بجثته.
- إن النظر في الفئات المستهدفة بقانون العزل السياسي، وعلى مدى أربعة عقود ونيف، يوحي بأن ما عدده 2 مليون مواطن ليبي هو خارج اللعبة السياسية، والإدارية، وبعيد عن تأسيس الأحزاب، والجمعيات، والمنتديات، وحتى عضويتها، يعني إقصاء لا مبرر له لثلث الشعب الليبي.
- إن إقصاء مليونين من الشعب لا تقف آثاره عندهم، كما هو الشأن في المجتمعات الأوروبية التي لا ترابط أسري فيها، فيكون بالإمكان عزل الوالد، ولا علاقة للولد بأبيه، أما مجتمعنا الليبي فإن عزل 2 مليون يعني عزل بنيهم، وأسرهم، وقبائلهم، مما سيصبح عدد المستهدفين بالعزل متجاوزًا خمسة ملايين مواطن ليبي على الأقل.
- إن عزل 5 مليون مواطن بحكم القانون، سيقود حتما إلى الانفلات الأمني، في ظل هشاشة الأمن اليوم، وسيجعل من الاستقرار حلمًا صعب المنال، وسيقود حتما إلى تكوين ردة فعل حادة ستطبع بميسمها قادم الأيام.
- نعلم سلفًا أن النظام السياسي الناجح هو ذلك النظام الذي لا يُخوّن المعارضة، بل ويعمل على احتوائها، أو تحييدها، أو إضعافها، أما ما نراه في ليبيا فقد قام بخلق معارضة حتماً ستكون قوية، ذلك أن أنصار السابع عشر من فبراير ممّن شملهم العزل السياسي هم أعداء لها اليوم بامتياز، وإن أنصار النظام السابق لن يركنوا لنظام حكم عليهم بالفناء وهم أحياء.
- إن المصالحة الوطنية، والسلم الاجتماعي، في ظل هشاشة الأمن، والانفلات، وبوجود قانون العزل السياسي لن يُلتفت لها، إذ لا طائل من ورائها.
ولذا فإن تبعات إصدار هذا القانون خطيرة جدا، حيث إن كل المعطيات الآنف ذكرها ستجعل من ليبيا دولة هشة، وسيُبقيها في النفق المظلم الذي ربما لا نور بعده، من خلال تصاعد نبرة الانتقام، والثأر، والتشفي، وستخضع ليبيا للتحارب، والتذابح بين أبنائها.
وإن مما يؤسف له أن المؤتمر الوطني، والحكومة الليبي في حالة حمق سياسي، وسبات عميق، والشعب الليبي الموعود سلفًا بالديمقراطية، والتداول السلمي على السلطة، لن يرى من ذلك إلا ما رآه من وُعود في غابر الأيام.
عبدالسلام جمعة زاقود
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (2)