تطورات نزاع مالي ينعكس سلبا على البوليساريو في مسعاه نحو إقامة دولة في الصحراء
النزاع المتفجر في مالي والذي امتد الى الجزائر يحمل مؤشرات لا تصب في مصلحة البوليساريو بحكم الأطروحة التي بدأت تتعزز لدى صناع القرار الدولي بأن مزيدا من إنشاء الدول الصغيرة ذات البنيات الهشة ستصبح خطرا على السلم العالمي كما يحدث الآن في عدد من مناطق إفريقيا مثل مالي. والنزاع في مالي بعد نجاح بضع…
النزاع المتفجر في مالي والذي امتد الى الجزائر يحمل مؤشرات لا تصب في مصلحة البوليساريو بحكم الأطروحة التي بدأت تتعزز لدى صناع القرار الدولي بأن مزيدا من إنشاء الدول الصغيرة ذات البنيات الهشة ستصبح خطرا على السلم العالمي كما يحدث الآن في عدد من مناطق إفريقيا مثل مالي.
والنزاع في مالي بعد نجاح بضع مئات من المسلحين في السيطرة على منطقة شاسعة من البلاد تفوق نصف مساحة المغرب يكشف عن هشاشة الدول التي تفتقر لهوية تاريخية قوية وبنيات حقيقية لمفهوم الدولة ومدى تحولها الى خطر على السلم الإقليمي والعالمي خاصة في ظل عودة حرب المواقع الاستراتيجية وضمان موارد الطاقة.
وتعتبر فرنسا صانعة الخرائط السياسية فيما يسمى بإفريقيا الفرنكفونية من خلال إنشاءها للعديد من الدول سواء التي لم يكن لها وجود من قبل أو اعتماد تقسيم ضد منطق تطور التاريخ وضد الإثنيات لكي تضمن لنفسها هيمنة مستقبلية. وعمليا، فالعديد من الدول الإفريقية وعلى رأسها مالي والنيجر لا يمكنها الاستمرار بدون مساعدة مالية فرنسية. وكتبت جريدة لوموند الثلاثاء الماضي في افتتاحيتها أن المقلق في الأمر ليس القضاء فقط على أعضاء القاعدة بل كيفية دعم الدولة المالية التي تفتقر لبنيات الدولة الحقيقية.
ويوجد ملف الصحراء في يد الأمم المتحدة التي تبث فيه منذ قرابة خمسة عقود من الزمن، ورغم تحفظ العديد من الدول الكبرى، باستثناء فرنسا، في دعم موقف مقترح المغرب المتمثل في الحكم الذاتي والاستمرار بقبول إجراء استفتاء تقرير المصير. لكن التوجه السائد في الدراسات الاستراتيجية الخاصة بالأمن والسلام على ضوء انتشار حركات تستلهم من القاعدة في عدد من مناطق العالم واحتمال ظهور حركات أخرى تحمل إديولوجيات متطرفة قومية أو يسارية يضعف موقف البوليساريو في سعيه نحو دولة مستقلة في الصحراء. ومرد هذا الضعف يتجلى في:
أولا، شساعة مساحة الصحراء مقابل نسبة محدودة من السكان لا تسمح بإقامة بنيات تحتية بشرية قوية للدولة من حيث التوفر على أجهزة أمنية وعسكرية قوية وكبيرة. فدولة مالي تتوفر على 12 مليون نسمة، ولم تستطع تأسيس جيش قوي لمراقبة حدودها لأن مساحتها تتجاوز مليون و200 ألف كلم. ولا يمكن للبوليساريو نهائيا توفير الحماية في الحدود مع موريتانيا، علما أن هذه الدولة بدورها ضعيفة للغاية، كما لا يمكنه توفير الحماية للشواطئ المطلة على الأطلسي والتي تتجاوز الألف كلم، إذ سيتكرر سيناريو شواطئ الصومال وتهديده للملاحة البحرية. فعدد الصحراويين لا يتجاوز في أحسن الأحوال 500 ألف، ويستحيل من خلال هذه النسبة من السكان إقامة أجهزة الأمنية وعسكرية لتوفير الأمن لأكثر من 300 ألف كلم مربع.
ثانيا، وفي علاقة بالنقطة السابقة، هناك عامل تماس الدولة التي يسعى البوليساريو الى إقامتها مع منطقة ذات حساسية أمنية مفرطة. فدولة أمنية بامتياز مثل الجزائر لم تنجح حتى الآن في القضاء على الإرهاب وسقطت في أول امتحان بعد تدويل الإرهاب في منطقة الساحل، وذلك بتسرب إرهابيين الى منطقة عين أمناس الأربعاء الماضي على بعد قرابة ألف كلم من شمال مالي ونهاية الأزمة بمجزرة حقيقية بعشرات القتلى الجزائريين والأجانب.
وهكذا، فرغم تقدم البوليساريو في حصد مزيد من الدعم الدبلوماسي وخاصة في أوروبا كما جرى من اعتراف البرلمان السويدي بما يسمى جمهورية الصحراء، تأتي الأزمة في مالي لتفرض برغماتية جديدة في معالجة هذا الملف الذي لن يخرج مستقبلا عن ثنائية "الحكم الذاتي" في حده الأدنى أو "الفيدرالية" مع المغرب في حده الأقصى، فالعامل الأمني أصبح معطى رئيسيا في الأجندة الدولية خاصة إذا ارتبط بضمان منابع الطاقة.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (6)