قراءة في سيناريو \"الترحيل التدريجي\" لرؤساء الأحزاب الجزائرية

تجدّد الصراع بين جناحي حزب جبهة التحرير الوطني، الحاكم في الجزائر، بعدما أقدمت «الحركة التصحيحية» المطالبة برحيل الأمين العام للحزب عبد العزيز بلخادم وسحب الثقة منه. هذه الخطوة لم تنه أزمة جبهة التحرير في الجزائر لكنها أدخلت الحزب الحاكم فصلا آخر أكثر تشنّجا. في هذه الأيام بدأت النكتة ترفع…

فبراير 11, 2013 - 05:30
تم التحديث: 14 سنوات منذ
0 1.8ك
قراءة في سيناريو \"الترحيل التدريجي\" لرؤساء الأحزاب الجزائرية

تجدّد الصراع بين جناحي حزب جبهة التحرير الوطني، الحاكم في الجزائر، بعدما أقدمت «الحركة التصحيحية» المطالبة برحيل الأمين العام للحزب عبد العزيز بلخادم وسحب الثقة منه. هذه الخطوة لم تنه أزمة جبهة التحرير في الجزائر لكنها أدخلت الحزب الحاكم فصلا آخر أكثر تشنّجا.

في هذه الأيام بدأت النكتة ترفع عقيرتها في الجزائر خلافا للتقاليد القديمة لشعبها المعروف سابقا بالصرامة والجدية الأكثر تطرفا وبالزهد عن تعاطي الكلام الهزلي إلا نادرا. تقول إحدى النكت المتداولة والتي يرويها الجزائريون صغارا وكبارا بأن المجتمع الجزائري منذ الاستقلال إلى يومنا هذا قد تمكن مهندسوه الذين حكموه من تحقيق طفرة فريدة من نوعها وتتمثل في إحداث تغيير راديكالي في المعمار البيولوجي للسياسيين الجزائريين حتى أصبح يتطابق كلية مع نظيره عند الأسماك بكل فصائلها مع فارق بسيط وهو أنَ الأسماك يبدأ تعفَنها من الرأس بمجرد إخراجها من الماء وشروعها في الموت في حين تبدأ رؤوس هؤلاء السياسيين في التعفَن فور دخولهم إلى الساحة السياسية. إن هذا الوضع الغرائبي هو الذي دفع شاعرا جزائريا معاصرا كان يسمي نفسه في يوم من الأيام باسم "أبو سفود" ليكتب قصيدة جاء في أحد مقاطعها: "ما أوسع ساحة الشهداء وما أضيق شوارع الاستقلال" !.

إن هذا المناخ الذي يفرخ النكت هو من صنع الوضع السياسي الجزائري السلبي الذي يثير امتعاضا واستهجانا مستمرين في الشارع الجزائري دون أن يتحول إلى فعل مادي ملموس في شكل هبة شعبية سلمية أصيلة ودائمة أسوة بما حدث في تونس و في ليبيا و مصر و في بعض الدول الأخرى في الفضاء المشرقي العربي.

ينبغي الآن أن نتساءل: كيف يمكن أن نقرأ سيناريو هذه البدايات الأولى للترحيل التدريجي لزعماء الأحزاب السياسية التقليديين من الساحة الجزائرية و هل يعني هذا الترحيل بالتقسيط تنقية البيئة السياسية من هؤلاء عقابا لهم على انفرادهم بالسلطة فيها لمدة طويلة تصل أحيانا إلى عشرين سنة ونيف ولكي يتم فتح المجال للعناصر المثقفة والوطنية الحداثية الشابة أيضا؟ لكي يجيب المرء عن هذا السؤال لابد من القراءة النقدية الصريحة لواقع خريطة التعددية السياسية في الجزائر منذ أحداث أكتوبر عام 1988 التي أطاحت بالأحادية الحزبية إلى لحظة إلغاء المرحلة الثانية من الانتخابات التشريعية وإقصاء جبهة الإنقاذ الإسلامية من العمل السياسي مما أدى إلى الصراع المسلح طوال العشرية الدموية.

إن التعددية الحزبية الجزائرية التي شهدتها ولا تزال تشهدها البلاد ليست إلاَ مجرد غطاء لإعطاء الشرعية للأجنحة التي تحكم البلد سواء كانت في الواجهة أم خلف المتاريس المدفونة في الرمال. فالأحزاب الجزائرية الكبرى وفي صدارتها حزب جبهة التحرير الوطني، و حزب "حمس" بقيادة أبو جرة سلطاني، و التجمع الوطني الديمقراطي بزعامة الدكتور سعيد سعدي سابقا لم تكن على مدى سنوات طويلة في المعارضة الحقيقية بسبب كونها تشكل في مجموعها التحالف الرئاسي الذي يكتفي بتطبيق و تفعيل ما يسمى ببرنامج رئيس الجمهورية. وهكذا وجدنا رؤساء هذه الأحزاب إما في منصب رئاسة الوزراء أو في منصب وزير الدولة الملحق مباشرة بقصر المرادية الرئاسي، و يعني هذا في المنطق السياسي أن هذه الأحزاب الكبرى لم تعد في صف المعارضة وبذلك انسلخت عن الشعب و لم تعد ناطقة باسمه أو مدافعة عن حقوقه.

أما الأحزاب التي تحتل الدرجة الثانية في المشهد السياسي، مثل حزب العمال برئاسة "لويزة حنون" لمدة عشرين سنة حتى الآن، و حزب القوى الاشتراكية (الأفافاس) الذي أسسه عرَابه الروحي "حسين آيت أحمد" و ظل يسيَره عن بعد من موقعه بسويسرا لأكثر من عقدين من الزمان، و حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (الإرسيدي) لم تشكل مجتمعة أو منفردة قوة معارضة حقيقية. من الملاحظ أيضا أن الأحزاب الكبرى وأحزاب الدرجة الثانية وكذلك الأحزاب الصغيرة المجهرية لا تظهر إلى العلن إلا في المناسبات الانتخابية أو عند تشييع جنازات السياسيين والمسؤولين التنفيذيين في الأجهزة الإدارية التابعة للدولة. إلى جانب ما تقدم فإن أغلبية هذه الأحزاب قد تعرضت للتفكك الداخلي الذاتي مما أدى إلى انقسامها و بالتالي إلى اختلال هياكلها بالدرجة الأولى. فضلا عما تقدم فإن اللافت للنظر هو أن الأحزاب الجزائرية بكبيرها ومتوسطها وصغيرها يجمعها قاسم مشترك وهو الغياب الكامل لأية هوية إيديولوجية خاصة بها ما عدا توحدها المثابر والبراغماتي حول "النهج الرأسمالي" الذي اختاره الجهاز الرئاسي الجزائري منذ عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد وورثته مرحلة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة دون أي تغيير يذكر. لعل التعليق الذي خص به المحلل السياسي الجزائري المعروف السيد محمد شفيق مصباح "يومية الشروق"، التابعة للقطاع الإعلامي الخاص، حول هلامية حزب جبهة التحرير الوطني تنظيميا وفكريا وثقافيا وعقائديا وتماسكا أخلاقيا ينطبق على جميع الأحزاب السائدة في المشهد السياسي بالبلاد إذ يقول السيد مصباحي عن هذا الحزب و[لجنته المركزية] الذي يفاجئ الجزائريين باستمرار باختراعاته "للانقلابات" على أمنائه العامين كمنهج ثابت وعنيف وغير عقلاني: "ينبغي أن نوضح أولا، أن التركيبة الحالية للجنة المركزية مشكوك في أمرها بسبب المحسوبية و المحاباة التي أشرنا إليها. و مع ذلك فاللجنة المركزية تنقسم إلى جماعتين رئيسيتين. هناك جماعة موالية للسيد بلخادم تضم أيضا مجموعة سعيداني الذي يعتبر أحد مواليه، أما الجماعة الثانية فتضم التقويميين ومجموعة وزراء الغرب الجزائري. هاتان الجماعتان تضمان أعضاء، بعضهم عن قناعة و بعضهم يسعى لمصالحه، لكن لا تحمل أي من الجماعتين مشروعا جريئا عقائديا أو تنظيميا".

و في الحقيقة فإن البدايات المبكرة لترحيل زعماء هذه الأحزاب قد بدأت بالسيد سعيد سعدي الذي أبعد عن رئاسة حزب "التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية" منذ عدة أشهر علما أنَ رئيس هذا الحزب الذي حشر نفسه، على مدى سنوات طويلة، في زاوية "الجهوية الإثنية" الضيقة قد كان يقدم نفسه، أمام الرأي العام وعلى مرأى المواطنين والمواطنات في المنطقة القبائلية (الأمازيغية) التي لها طابع إثني حساس، كحافظ أختام الحق اللغوي والثقافي الأوحد للبربر "الأمازيغ" وأنه المناوش والمتمرد المعزول خارج بيت السلطة الحاكمة. من الناحية العملية فإن السيد سعيد سعدي قد وجد نفسه دون شغل عندما تم الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة وطنية في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة علما أن رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية قد رفع (شماعة الحقوق اللغوية والثقافية للبربر) ولكن بمجرد مصادقة البرلمان الجزائري ومجلس الأمة على هذه الحقوق وأصبحت رسمية و جدنا منطقة القبائل الكبرى خاصة تلجأ إلى حضن اللغة الفرنسية وأصبحت تستعمل هذه اللغة أكثر من ذي قبل في المحيط العام على حساب اللغة العربية و الأمازيغية معا وطبقت عليها الشرعية باعتبارها "غنيمة حرب".

أما حزب "حسين آيت أحمد" الذي رفع شعار الاشتراكية فإنه لم يدافع عن خياره إطلاقا سواءً على مستوى دوائره الانتخابية التي فاز فيها بأغلب ببلدياتها و مجلسها الولائي أو على المستوى الوطني ككل و أخيرا قبل هذا الحزب الانضواء تحت سقف بيت الطاعة (النظام) مما أدى به إلى الانقسام و الضعف. ونتيجة لوضعه هذا صممت دوائر النظام بطريقتها الخاصة مسرحية استبداله بحزب آخر جديد و أسندت قيادته إلى السيد عمارة بن يونس المحسوب على المنطقة القبائلية والذي أسندت إليه من بعد حقيبة وزير ومن ثمَ تحصل الحزب الذي يرأسه على المرتبة الثالثة على المستوى الوطني فور إعلان نتائج الانتخابات البلدية والولائية الأخيرة. هكذا تم القضاء على أحلام حزب التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية و حزب القوى الاشتراكية المتمثل في الاستحواذ على الدوائر الانتخابية بالمنطقة التي تسكنها الأغلبية الإثنية الأمازيغية والتوسع إلى الولايات (المحافظات) في شرق وغرب وجنوب ووسط البلاد.

على ضوء هذه القراءة الأولية لواقع حال الأحزاب الجزائرية يمكن لنا أن نستخلص أن النظام الحاكم الفعلي في الجزائر قد تمكن دون صعوبة تذكر ولا ردود فعل جدية من "حلق" ذقون الأحزاب أولا وها قد حان الأوان الآن للشروع في الترحيل التدريجي لهذا الزعيم الحزبي أو ذاك كخطوة ثانية لتليها الخطوة العملاقة التي ستكون ثمرتها كما يقول مهندسو الزراعة نقل البلاد من طور زراعة الحزب الواحد والأحزاب التي تفكر التفكير الواحد إلى عصر الرجل الواحد. تلك هي الحرب الاستباقية الناعمة التي يبدو أنها مرشحة أن تكون البدايات الأولى لـتحقيق ـ"ربيع السلطة الجزائرية السلمي" من أجل الحيلولة ـــ كما يظن ــ دون زحف صقيع الشتاء العربي إلى قلعة النظام الحاكم.


أزراج عمر

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (0)

User