الإخوان المسلمون الجزائريون بين \'حماس\' الماضي و\'تغيير\' الحاضر و\'بناء\' المستقبل
الإخوان المسلمون في الجزائر، لا زالوا يبحثون عن "شمالهم" بعد سلسلة الهزات الارتدادية التي لحقتهم بعد وفاة الشيخ الراحل محفوظ نحناح عام 2003، والذي يعد تاريخا محوريا في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين الجزائرية المنضوية تحت إمرة مكتب الإرشاد العالمي للإخوان المسلمين. أقول ذلك، لأنه يوجد في الجزائر…
الإخوان المسلمون في الجزائر، لا زالوا يبحثون عن "شمالهم" بعد سلسلة الهزات الارتدادية التي لحقتهم بعد وفاة الشيخ الراحل محفوظ نحناح عام 2003، والذي يعد تاريخا محوريا في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين الجزائرية المنضوية تحت إمرة مكتب الإرشاد العالمي للإخوان المسلمين.
أقول ذلك، لأنه يوجد في الجزائر الكثير من التنظيمات الإسلامية التي تعتبر نفسها من الإخوان إلا أنها ليس لها صفة تنظيمية رسمية مع الجماعة الأم، مثل حزب العدالة والتنمية للشيخ عبدالله جاب الله، أو حركة الإصلاح وحركة النهضة، منذ 2003 بدأت بوادر الانشقاق في الجماعة بعد تربع الأستاذ أبو جرة سلطاني، حيث لم يستسغ الكثير من الإخوان القدامى هذا "الاستيلاء القصري" أو "الانقلاب العلمي" على موقع قيادة الإخوان في الجزائر، من طرف عناصر ليست الأقدم وليست الأوفى لجماعة الإخوان المسلمين، سيما أن الإخوان المسلمون يحرصون على مبدأي الوفاء والأقدمية في إعطاء الرئاسات، علما أن أبو جرة سلطاني قد سبق وأن ترشح في صفوف الجبهة الإسلامية للإنقاذ، فمنهم من هضم الأمر على مضض والتزم الشرعية الجديدة، ومنهم من انسحب في صمت وأناة، ومنهم من خرج بضجيج.
واعتبرت مرحلة 2003 إلى 2008 تاريخ انعقاد المؤتمر الرابع لحركة مجتمع السلم (حمس) بعد أن كانت حركة المجتمع الإسلامي (حماس)، الفترة الأصعب في تاريخ الجماعة، حيث شهدت شعبية الإخوان تدحرجا ملحوظا في الأوساط الشعبية، عبر المشاركة في تحالف رئاسي عقيم، لا دور للتيار الإسلامي فيه سوى شكلية الحضور، ولا وقع للتغيير سوى اقتسام ريع المناصب الإدارية، حيث أبان أداء الكثير من النواب الآتين من صلب الأحياء الشعبية، الذين صاروا يعرفون جيدا أروقة البرلمان والصالونات الراقية أكثر من شوارع أحيائهم ومدنهم، كما أبان عمل المدراء التنفيذيين المحسوبين على الحركة عن دور هزيل، وفي بعض المرات مسؤولية مشبوهة في الاستفادة من المنصب لأغراض شخصية بحتة، بعيدة عن رسالة الخدمة العمومية، حيث كان لا بد للإسلاميين الواجب على أن يكونوا مثالا طيبا لما يقولون أنه مشروعهم.
شهد ذلك المؤتمر أكبر انشقاق، وأخطر نزوح شهدته جماعة الإخوان الجزائرية أو حركة مجتمع السلم (حمس)، وتذكرت حينئذ قول الإمام أبي حامد الغزالي: "آخر ما يخرج من قلوب الصديقين، حب الزعامة"، قلت: هؤلاء الصديقون، فما بال الآخرون؟ وقد رأيت صدق المقولة مجسدا، حيث انشق الوزير السابق للصناعة السيد عبدالمجيد مناصرة عن الحركة مع جمهور عريض من الإخوان المسلمين "التقليديين"، وأسس فيما بعد حركة الدعوة والتغيير، التي استقر على تسميتها حركة التغيير، ثم تبعه وزير الأشغال العمومية، السيد عمار غول، بتأسيس حركة جديدة حركة تجمع أمل الجزائر (تاج)، مع بعض من الإخوان "التقدميين"، الذين أغلبهم هم جمهور المعينين في المناصب الإدارية إثر تقاسم ريعها بين مكونات التحالف الرئاسي، هؤلاء يكونون قد انخرطوا في حراك مؤيد لرئيس الجمهورية السيد عبدالعزيز بوتفليقة، ويعملون على شحذ وامتصاص قوى متنوعة، إسلامية ووطنية وحتى علمانية في مشروعه.
لقد تكرس الانقسام التنظيمي في جماعة الإخوان المسلمين بالجزائر بشكل علني، لأول مرة، جماعة حريصة على الانضباط، والطاعة، ولا يدخل فيها حقيقة إلا ببيعة، تتحول إلى طرائق وتكتلات عدة، ولقد حاول مكتب الإرشاد العالمي، لم شملهم بكل صبر وحرص، إلا أن محاولته كلها باءت بالفشل، وهذا ما أدى بمكتب الإرشاد أن ينزع الغطاء الإخواني التنظيمي عن الأطراف كلها، حيث صرح آنذاك (2009) المرشد العام السابق، السيد محمد مهدي عاكف: "لقد أوقفت كل مساعي المصالحة بين الطرفين حتى يعودوا إلى الصلح... إنهم الآن لا يمثلون جماعة الإخوان ما داموا على خصومة، لا أحد منهما يمثل فكر وتنظيم الإخوان منذ اليوم في الجزائر".
ثم بدأت قبل أحداث الربيع العربي تبين مؤشرات مشروع تنظيم إخواني جديد، بعد اجتماع لجنة المنازعات لمكتب الإرشاد بإسطنبول، حيث تقرر البدء بحل كل التنظيمات المحسوبة على الإخوان (حمس والتغيير) وتحوليها إلى تنظيم جديد يتفق عليه ويكون للشيخ مصطفى بومهدي دور الإشراف، إلا أن الأجندات الوطنية (الانتخابات التشريعية) تكون قد أجلت الموضوع، ولكن منذ أغسطس 2012، بدأت فكرة تنظيم سياسي جديد تابع للإخوان المسلمين تتبلور، حول الشيخ مصطفى بلمهدي، وهو حركة البناء الإسلامي، التي أعطت وزارة الداخلية لها حق عقد مؤتمرها التأسيسي، والذي يكون قد تقرر انعقاده أواخر مارس أو بداية أبريل، وقد كان الوزير السابق عبدالمجيد مناصرة محرجا من بداية تحرك بعض المنضوين في حركة التغيير كالنائب عن ولاية بومرداس الأستاذ سالم شريف، وغيره كأمثال عبدالقادر بن قرينة وسليمان شنين وفريد هباز دون تفويض ودون إعلام ودون مشورة، ويقول مقربون منه، أنه يلتزم الصمت، لأنه يعترف بشرعية الشيخ بلمهدي، في إطار لم الشمل وتحقيق الوحدة، وليس في تأسيس حزب قد بني على الإقصائية من أول وهلة، وأوكلت مهام قيادية لأشخاص ليس عليهم الإجماع وتم إقصاء غالبية مؤسسي حركة التغيير من المشروع، ويواصل المصدر، أن حزبا لم يحقق تأطيرا، في غالبه شكلي، إلا في 16 ولاية، كيف له أن يعقد مؤتمرا تأسيسيا لحزب وطني.
تعيين الشيخ مصطفى بلمهدي مراقبا عاما رسميا لجماعة الإخوان المسلمين الجزائرية، يكون قد أبان عن حسم تم داخل مكتب الإرشاد العالمي للإخوان المسلمين، حيث نقلت صحف جزائرية تصريحا لنائب المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ جمعة أمين، المؤرخ الرسمي للجماعة: "تعيين مصطفى بلمهدي مؤقت، إلى حين استكمال جمع الصف الإخواني في الجزائر، الكيان نفسه هو الذي سيختار عن طريق الانتخاب مراقبا"، فالتعيين خطوة لن تحل مشكلة لم الشمل، وتوحيد الصفوف بسرعة ودون أضرار جانبية عديدة، وأظن أن تعيين المراقب العام بشخص الشيخ بلمهدي، أمر يكاد يكون عليه إجماع. الذي ليس عليه الإجماع، هو موقع "البطانة" التي يقول البعض أنها، كان الاستيلاء عليها بعملية "بلطجة" موصوفة، كل هذا الواقع والجو المشحون، سيكرس الانتحار السياسي للجماعة، والتي اعتبرت نتائج الانتخابات التشريعية السابقة جرس إنذار، هذا الانتحار السياسي "المعلن"، وعلاماته المنذرة، الظاهرة للعيان والتي تتلخص في الأسباب التالية:
1) الانضواء، علنيا، في تنظيم خارجي: وهذا بحد ذاته خرق للدستور، ووصمة شبهة عمالة، والدخول في أجندات خارجية، وهبوط في بورصة الشعب الحساس جدا لمسألة "الوطنية".
2) تغليب مقاربة الأمر الواقع "العلني" على المشورة "السرية": إن عدم تقدير الشخصيات، والتعامل معها كرقم من الأرقام، يحدث دوما إحراجات تتحول إلى تشطرات عميقة، يصعب بعد ذلك لملمتها.
3) هجران الميدان الاجتماعي والتربوي والثقافي: وهذا يعد أكبر سبب لشبه اندثار الإخوان، على مستوى الأحياء الشعبية، والجامعات، والعمل الجمعوي، الذي كان ميدان اختصاصهم.
4) غياب القيادات ذات الكاريزما: فلقد كان الشيخ الراحل محفوظ نحناح بشخصه وحده، يمثل مشروعه، وكان له من الثقل والحضور ما كان يفرض الانضباط والنجاحات، غياب البديل القيادي، سرع من هوان القيادات الجديدة أمام أعين السلطة والمناضلين، وعموم الشعب على حد سواء.
الإخوان المسلمون في الجزائر، فقدوا الكثير من رونقهم، بدخولهم في العملية السياسية. شيخهم الراحل محفوظ نحناح دخلها متسلحا آنذاك بكل الضوابط والمميزات، لكن يبدو أن سر نجاحهم في تلك الحقبة، يكون قد دفن معه، نفهم أكثر الآن لماذا ردد الأستاذ الراحل حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، قولته الشهيرة، والتي رواها من بعد الشيخ الراحل الغزالي: "وددت أن أعود بالإخوان إلى عهد المأثورات"، وهي مرحلة كان الإخوان يتربون فيها، على طريقة الصوفية، ويرددون أذكارا من القرآن والسنة، مثل الورد على شاكلة الطرق الصوفية، وهي مرحلة تعبر عن مرحلة نقاء السريرة، وصدق النية، وغياب المآرب الشخصية.
عبد الكريم رضا بن يخلف
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (8)