قادم الجزائر ينسينا محنة سورية اليوم

لن أنسى جدتي عائشة بنت عبد الله رحمها الله، واضعا رأسي في حجرها تمرر أصابع يدها بلطف تداعب فروه شعري، ذات ليلة شتاء وأنا ابن أربع سنين، تروي لي قصصا تنوم الجسد ولكن تغرس ذات الوقت حياة في الضمير، كان من بينها قولها: يا بني لا تكذب فانك إن فعلت ستغرق، تساءلت ببراءة عن علاقة الكذب بالغرق، قالت: كان…

أبريل 01, 2013 - 19:01
تم التحديث: 13 سنوات منذ
3 2.9ك
قادم الجزائر ينسينا محنة سورية اليوم

لن أنسى جدتي عائشة بنت عبد الله رحمها الله، واضعا رأسي في حجرها تمرر أصابع يدها بلطف تداعب فروه شعري، ذات ليلة شتاء وأنا ابن أربع سنين، تروي لي قصصا تنوم الجسد ولكن تغرس ذات الوقت حياة في الضمير، كان من بينها قولها: يا بني لا تكذب فانك إن فعلت ستغرق، تساءلت ببراءة عن علاقة الكذب بالغرق، قالت: كان صبي في مثل سنك يكذب كثيرا، وذات مرة وهو يسبح في شاطئ البحر، ادعى كذبا بأنه يغرق، فهرع إليه أهله والناس، فسخر منهم وضحك قائلا لهم: كنت أكذب عليكم فقط. ثم كرر فعلته ثانية وهرعوا إليه مرة أخرى، وكان منه ما كان في الأولى، لكن ثالث مرة تصلبت عضلات الطفل فعلا، وشرع في الصراخ وطلب النجدة من الغرق، في هذه كان صادقا، ولكن أهله وما كانوا على الشاطئ لم يعيروه اهتماما ظنا منهم بأن الولد يكذب كما عودهم، فغرق الصبي فعلا ولم ينقذه أحد. ولم ينفعه صدقه في الثالثة، بعد أن كذب مرتين. أتذكر هذه القصة، كلما عرض نظام عربي معلومات حقيقية حول خطورة الوضع ولا يصدقه شعبه، ليس لأنها غير واقعية أو غير صحيحة، وإنما لأن النظام العربي وممثلوه عودوا مواطنيهم الكذب، بدل المرة آلاف المرات، فأصبح المواطن يكذب وبشكل 'بافلوفي' أي معلومة صادرة عن دوائر السلطة العربية، سلوك الكذب هذا أصاب الأمة في مقتل.
حين قرأت مقال الكاتب السوري ميشال كليو في صحيفة السفير اللبنانية 30/03، حول المعارضة السورية تفصيلا، وهو من هو قامة فكرية، ومساحة معرفية واسعة، وليس لأحد أن يزايد عليها بشأن معارضة النظام السوري، وصادف ذلك لقاء مع المعارض البارز والمتميز هيثم مناع في قناة الميادين، الذي شرَح فيه وضع المعارضة في الخارج والداخل بشكل ومعلومات، تبدو صادمة لمن كان يعيش حالة 'تخلي' بشأن عسكرة المعارضة، وحالة 'تواجد' بخصوص انفصال سورية وحراكها عن مؤثرات خارجية فاعلة وجدية، فضلا عن تصريح وبيان فهد المصري مدير إعلام الجيش الحر، الذي صب فيه جام غضبه على أهم مكونات الإئتلاف، متهما إياها بسرقة الثورة وتجييرها لغير الأهداف التي رسمت لها، مستعرضا كذلك شواهد ومعطيات تتطابق مع الآخرين، والحال كل منهم في موقع وله خصوصيته. كل هذا جعلني أتذكر ما كان يستعرضه النظام السوري عبر وسائل إعلامه، وتصريحات ممثليه بداية الأزمة السورية، وهو لا يكاد يختلف في شيء على الأقل من ناحية العناوين والخطوط العريضة، من بينها اتهام دول عربية بعينها باختطاف الشارع السوري، وأيادي بذاتها ونفسها بعسكرة الحراك، لكن لا أحد صدق النظام السوري حينها، مع أنه واقع يقر به اليوم أبرز وأشرف رجال المعارضة السورية، هنا لست أبرئ النظام وإنما أقف على حالة انتهت بالأمة لهذا الوضع، من بين أهم عواملها 'الكذب' وأخطر حصادها ما نراه اليوم من مآسي تتفطر لها القلوب. المأساة السورية ترخي بظلالها على أطراف العالم العربي، ومن بينها الجزائر التي اكتوت بذات النار، وذاق شعبها ويلات التقتيل والتنكيل والتهجير، وحتى 'جهاد المناكحة' أو الاغتصاب المشرعن الذي يصدم اليوم الرأي العام، كل هذا عاشته الجزائر بتفاصيله الدرامية، فضلا عن فتاوى القتل من كبار العلماء التي كانت تغطي سماء الجزائر وتغرق شعبها في بحر من الدماء، وتدمير للبنية التحية من جسور ومدارس وغيرها؛ هذا الواقع المأساوي السوري اليوم، والذكريات الأليمة لجزائر الأمس يعيدني لحصة تلفزيونية جزائرية أواخر عام 1990 قبيل 'عاصفة الصحراء' استضاف منشطها دكتورا في العلوم السياسية وخبيرا في الدراسات الإستراتيجية، القامة الفلسطيني 'وحيد سيف'، وكان السؤال حول الحرب التي دقت طبولها على العراق، وهل يمكن للأخير أن ينتصر أو يصمد، كان جواب الرجل حقيقة صادما للمتابع، فقد نفض يده من مسألة العراق بجملة واحد 'العراق انتهى'، واستطرد الرجل تعبر تقاسيم وجهه عن فزع من القادم، قائلا بالمعنى: يا سيدي السؤال الآن ليس بخصوص العراق، وإنما ما يفزعني هو علمي بأن الدولة التي يستوجب تدميرها بعد العراق هي 'الجزائر'، فإن كانوا قد وجدوا مبررات لاحتلال العراق، واختاروا الأداة العسكرية لبلوغ هدفهم وتحقيق مصالحهم، فما هي المبررات التي سيختلقونها لضرب الجزائر، وبأي أداة؟. لا يتسع المقام لوصف الصدمة أو استعراض تحليل الرجل، الذي ثبتت صحته عاما بعد ذلك. فقد دمرت الجزائر فعلا على أيدي أبنائها بحرب أهلية امتدت لعقد كامل، تحت شعارات لا أحد ينكر واقعيتها، شعب انتخب وانقلبت على خياره سلطة ظالمة، وتعسكرت المعارضة، ودخلنا في نفق مازلنا فيه إلى اليوم، فمن يعتقد أن أزمة الجزائر قد انتهت، لا شك أنه واهم، إنما هو مخدر المال وألم المأساة أسكنها قليلا، ومؤشرات الانفجار ومفاعيله لا يخطئها إلا أعمى البصيرة.
كذب السلطة الجزائرية وممارستها لهذا الفعل السياسي المخل بالحياء، واحد من أخطر أدوات هدم الوعي المجتمعي، وتفكيك أصوار حمايته، ولم يعد اليوم بمقدورها ولا بمقدورنا نحن أن نقنع الشعب بواقع ملموس يتهدد الجزائر وطنا وشعبا، والحال أن بالفعل هناك دول عربية وغربية، تتربص اللحظة المناسبة لتفجير الوضع، يساعدها في ذلك التربة الخصبة التي أشبعها الحكم في الجزائر بالفساد والمظالم، وسوء التسيير والعجز الكلي المتعمد على بناء اقتصاد دولة، ووهن فاضح في مفاصل الإدارة، تسقى هذه الأرضية بماء آسن من الدجل والتدليس، كل هذا يحفز 'عدو' الجزائر التاريخي، في غياب معارضة جادة وطنية واعية وفاعلة، على النفخ في رماد المأساة ليلتهب من جديد الجمر المدفون تحته، حينها -لا سمح الله- سننسى مأساة سورية، وسيكتشف الوطنيون المخلصون، ما اكتشفه اليوم المعارضون السوريون الصادقون... ورحم الله جدتي التي علمتني خطر الكذب، فإني أرى أنظمة تغرق حتى وإن صدقت في الأخير.


إسماعيل القاسمي الحسني

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (3)

User
B.N
B.N 13 سنوات منذ
<strong>الحكمة ظالت المؤمن اين ما وجدها فهو احق بها.</strong> لاداعي للتكبر يا حكام الجزائر،عليكم بارسال وزراءكم ومسؤوليكم الى كل من: تركيه او ايران او ماليزيا او او..ليتعلموا من هناك كيفية رفع الافتصاد بعيدا عن ريع البيترول والغاز،حينها نستطيع القول ان نظام الجزائر قد استفاق من نومه ومشى في الطريق الصحيح .اما ما نشهده من انجازات فوق الارض الان فلاشكر لهذا النظام فلوصرفنا هذه العائدات الى الصومال لاصبحت دوله كاملة السياده.الناريخ لايرحم ياحكام.
B.N
B.N 13 سنوات منذ
<strong>الحكمة ظالت المؤمن اين ما وجدها فهو احق بها.</strong> لاداعي للتكبر يا حكام الجزائر،عليكم بارسال وزراءكم ومسؤوليكم الى كل من: تركيه او ايران او ماليزيا او او..ليتعلموا من هناك كيفية رفع الافتصاد بعيدا عن ريع البيترول والغاز،حينها نستطيع القول ان نظام الجزائر قد استفاق من نومه ومشى في الطريق الصحيح .اما ما نشهده من انجازات فوق الارض الان فلاشكر لهذا النظام فلوصرفنا هذه العائدات الى الصومال لاصبحت دوله كاملة السياده.الناريخ لايرحم ياحكام.
شاوي امازيغي من باتنة الثورة الجزائر
شاوي امازيغي من باتنة الثورة الجزائر 13 سنوات منذ
<strong>ثوري وافتخر</strong> تحيا القيادة العامة للجيش الجزائري الحر في باتنة الاوراس الجزائر وتحيا القيادة العامة للجيش السوري الحر ببريف دمشق وتحيا الثوزار ويسقط النضام الجزائري السراق ..................شاوي امازيغي من جيال الحرية ولن اركع للنضام لص جبان مجرم