حرب الساحل الافريقي \'مخازن البارود\'
'دماء الصحراء' للكاتب الجزائري محمد بغداد: يرى أغلب المحللين والمهتمين بالشأن المالي أو بالساحل الافريقي، أن ما يحدث هناك هو لعبة جديدة هندسها الغرب ليخلق بؤرة صراع جديدة في جسم الأمة العربية الإسلامية وتهدف هذه الحرب إلى تخلف المنطقة سنوات عدة، وتزيد في تأخر وتعطل الوحدة المغاربية، التي راح…
'دماء الصحراء' للكاتب الجزائري محمد بغداد:
يرى أغلب المحللين والمهتمين بالشأن المالي أو بالساحل الافريقي، أن ما يحدث هناك هو لعبة جديدة هندسها الغرب ليخلق بؤرة صراع جديدة في جسم الأمة العربية الإسلامية وتهدف هذه الحرب إلى تخلف المنطقة سنوات عدة، وتزيد في تأخر وتعطل الوحدة المغاربية، التي راح النظام التونسي الجديد يعمل كل ما في وسعه لدفع عجلتها إلى الأمام، وإحيائها كضرورة لا رجعة فيها، خاصة في ظل التكتلات التي تظهر في أوروبا، أو في الأمريكتين الشمالية والجنوبية وغيرها.
إن مساحة الصراع الجديدة الطبوغرافية لهذه المنطقة تفوق مليونا ومئتي كيلومتر مربع، وعدد سكانها يتعدى الـ13 مليون نسمة، تسكنها عرقيات متعددة من 'زنوج وعرب وبربر' تثير أطماع الكبار'.
صدر في الجزائر عن منشورات 'ذاكرة الأمة' كتاب حديث عنوانه: 'دماء الصحراء: حروب القاعدة في الساحل الافريقي' للمحلل والإعلامي الجزائري محمد بغداد، يقع في مئة وتسعة وستين صفحة من الحجم الكبير، إذ يحتوي على استهلال وتوطئة وثمانية فصول وخاتمة.

يستهل المؤلف كتابه بعدة أسئلة منها :
هل 'أتت الثورات العربية كبديل عن 'عمليات الجماعات المسلحة؟ وهل ستؤدي إلى تحقيق الأهداف التي عجزت عنها الهجومات الانتحارية؟ وهل سيكون الشارع بديلا عن السلام؟ وهل يمكن للأنظمة المعتدلة التي أنتجها الشارع حفر قبور الإسلاميين؟ وهل يتصالح الغرب قائد الحرب الكونية على الإرهاب مع القادمين من سجون الأنظمة المتهاوية؟'، هذه الأسئلة يطرحها المتتبعون للأحداث التي تهزّ الشوارع العربية والإسلامية، والعارفون بالواقع الموضوعي، لأننا أمام تغيرات لا نعرف أين تتجه، لكن ما يمكن أن يتولد عنها سنلمس نتائجه بعد عدة سنوات، خاصة حينما نعرف أن هذه الأنظمة التي تقودها مجموعة من العسكر والإداريين والسياسيين لا زالوا يسيّرون دفة الحكم، ولا زالت بأيديهم محابك ودواليب السلطة، فهل هم مستعدون لتغيير ممارساتهم التي تعودوا عليها منذ عقود؟ وهل فعلا سيعملون من أجل التغيير المنتظر من الشعوب العربية؟ رغم أن الاحتجاجات في الشارع العربي رمت ببعضهم إلى السجون، وبعضهم الآخر إلى المقابر..
يؤكّد الكاتب في مؤلفه أن 'القاعدة' ما هي إلا فبركة غربية استعملها الغرب من أجل مصالحه، وهي معادلة واضحة وإشكالية في نفس الوقت، لأن الأنظمة المستبدة والميتة تعمل بدون إستراتيجية واضحة المعالم لتخرج الناس من الهم، وتمنحهم أملا في الغد، فهذا الغياب أدّى إلى خلق معارضة هي الأخرى منقسمة على بعضها ولا تعمل على إيجاد قاسم مشترك لتوحيد جهودها من أجل التطلّع إلى إخراج الناس من الويلات التي يعيشونها. علاوة على أن النخبة العربية الإسلامية التي لم تستطع لم شملها، وأجبرتها الظروف السياسية على التشرذم، بحيث يعيش جزء مهم منها في الغرب، وذلك بغية الاعتماد على النفس والبحث عن بدائل تتيح لها الحرية وممارسة ما وصلت إليه من أبحاث علمية، وبعضها الآخر هُمّش وأصبحت أمواج الإسلاميين تجذبهم نحوها، ليصبح جزء منهم 'أمراء' وآخرون 'قادة' يسيرون في أمواج لا يحددون بالضبط مصادرها ومآلها، وجزء ثالث تعامل مع السلطة القائمة ليصبح جزءا منها.
انطلاقا من هذه المعادلة نتعرّف على كيفية صعود هذه الحركات، و يؤكد الكاتب أنها وجدت التشجيع من الغرب، واستخدمها من أجل إيقاف المد الشيوعي ووضع يده على مخازن الثروات التي تزخر بها هذه المنطقة، وزيادة على ذلك فهي تجد التمويل من المملكة العربية السعودية، وهذان الداعمان تركا هذه الحركة تغزو الشارع العربي، خاصة الشباب منهم الذين تنخرهم البطالة ويستعدون للسير في كل الرياح أو التوجهات التي تقدم لهم 'بديلا' عن الوضع الذي يعيشون فيه.
' إن الإستراتيجية التي تتبناها 'القاعدة في المغرب الإسلامي'، تعتمد بالدرجة الأولى على تلك التجارب وتراكم الخبرات التي اكتسبتها في المراحل السابقة، قبل التحاقها بالتنظيم العالمي لـ'القاعدة'، من خلال سنوات المواجهة العسكرية مع الجيش وقوات الأمن الجزائرية'، ويشير المؤلف مؤكدا أن هذا الوضع جعلها 'تستثمر ما عند أفرادها من قدرات اكتسبوها من قبل ذلك في العديد من مناطق النزاع في العالم، وفي مقدمتها أفغانستان والشيشان ولبنان، وهو الأمر الذي مكّنها من إمكانية الاستمرار في المواجهات العسكرية، إلى أمد' ( ص86).
وفي هذا الشأن تأتي أزمة منطقة الساحل التي ما هي إلا جزء في مسار دولي 'ستظهر ملامح تجلياته في المستقبل غير القريب، ولن تنحصر نتائجه على المشهد الكلي للخريطة الجغرافية، بقدر ما تنسحب إلى أعماق المشاعر والسلوكات التي يراد لها أن تغير إنسان المنطقة، كون مجالات الاختيار بدأت تضيق على صنّاع القرار في المساحات الدولية، وجعلتهم تحت رحمة مجموعة من المعطيات يصعب على الثورات التكنولوجية الرهيبة التخفيف منها، بل ربما تتسبب في الكثير من الأحيان في التعميق من ضغوطاتها' (ص21).كما يؤكد المؤلف.
يتطرق المؤلف إلى الحديث عن المجموعات الإسلامية التي تتصدر الموقف في منطقة الساحل، التي يرى أنها تعتمد على استراتيجيات الترهيب، وتملك مخزن البارود، خاصة بعد الثورة الليبية، حيث عمل النظام السابق على انتشار الأسلحة التي أصبحت متوفرة في المنطقة بكميات هائلة، وقد تم كل ذلك في إطار ما يسمى بمفهوم الأمن القومي الحديث الذي يرى الكاتب أنه 'أصبح يتجاوز التصورات العتيقة التي تحصر الموضوع في إرادة أشخاص ملهمين، أو مجموعة من المؤسسات البيروقراطية، بل يتعداه إلى ضرورة إعادة النظر في الموضوع، ليس في نتيجته المتمثلة في تلك القرارات الصادرة في النهاية، التي بقدر ما يمكن لها أن تحقق أهداف المرحلة، أو حلولا معينة، إلا أنا ستبقى مجرد حلول مؤقتة، وطرق لا تخرج عن إطار الهروب من الواقع القائم، إلى وضعيات أخرى أكثر خطورة وأكثر تعقيدا' (ص160).
يأتي المؤلف على ذكر معطيات للرهان الغربي الأمريكي الأوروبي في إعادة تشكيل خارطة سياسية جديدة، وعلى وضع استراتيجيات إضافية في منطقة الساحل ليستطيع التدخل بدون أية مشاكل، كما يحلل المؤلف ما وقع في ليبيا من تجاوزات، ونهاية حكم دام اثنين وأربعين سنة تاركا وراءه الكثير من الخراب والدمار، إضافة إلى الأعداء الداخليين والخارجيين للمنطقة، لأن الغرب لا يفكر ولا يريد أن يسمح بأن تكون هذه الدول خارجة عن حكمه، لأن ما يهمه فقط مصالحه، وهذه المصالح التي يمكن أن تخلطها ثورات الشباب في العالم العربي المتطلع إلى حياة أفضل، الذي صنع هذه الثورات بحكم مشاركته فيها، ما يطرح معطيات جديدة بفضل حراسته الشديدة على القليل من المكتسبات التي حصل عليها.
يعتبر الكتاب مدخلا لمعرفة الصراع القائم في منطقة الساحل، إلا أن المؤلف اعتمد على مجموعة من المقالات والتقارير على الأنترنت وعدد ضئيل من المراجع، وهذه نقطة ضعف لدعم المعطيات الواردة في الكتاب.
والحقيقة أنه أشار في عدة أماكن من الكتاب بأنه لم يتعمق تعمق الباحث الأكاديمي، ولم يتناول الأحداث بطريقة صحافية سريعة، بل راح يهتم بمواضيع الساعة أو بالموضوعات الساخنة من منطلق إعطاء بعض المفاتيح الأولى للولوج إلى قضايا مصيرية تخلخل أمن وسلامة المنطقة، حيث يقول 'إننا إذ نقدّم هذا العمل نود أن تكون هناك إرادة جادة من طرف كل المهتمين بالموضوع، وأن تكون لهم ردود أفعال ليس توسيعا للبحث في هذا الملف ولا لتعميق الدراسة فيه، فذلك أمل معقود على ما يتوفر من إرادة، ولكن منية النفس أن يكون هناك جدال ونقاش وحوار مسؤول...'. (ص12). ثم يواصل قائلا 'يفترض أننا نحتاج إلى دور الإعلامي، الذي يتجاوز حدود التحرير، إلى حدود التوثيق وآفاق التحليل، الذي ستنتج عنه نخبة إعلامية جديدة، تقوم بدورها في إنارة الرأي العام... ومنه جاءت فكرة كتاب يتناول قضية 'القاعدة' في الساحل الافريقي، ليكون مساهمة مني في تأسيس هذا الاتجاه الجديد، ولكني أبتعد فيه عن التحرير اليومي، بل أعتمد على منهج سلوك كل الأطراف الفاعلة في الأزمة' (ص8 و9).
الطيب ولد العروسي
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (2)