\'نساء الجزائر في بيتهن\'.. لدولاكروا: التعرية بوصفها فعلا كولونياليا
سنة 1834، أي أربع سنوات فقط بعد دخول الاستعمار الفرنسي إلى الجزائر. وهي مدةٌ كافية بالنسبة لعين هذا الفنان الفاحصة من أجل ترسيخ أنموذج المرأة الشرقية الجزائرية التي تظهر تحت حركات ريشته من زاوية ضوء لم يعهدها في حياته من قبل، وأَسْرِ زاوية الضوء العاكسة لأبهى ما يمكن أن تكون عليه المرأة الشرقية في…
سنة 1834، أي أربع سنوات فقط بعد دخول الاستعمار الفرنسي إلى الجزائر. وهي مدةٌ كافية بالنسبة لعين هذا الفنان الفاحصة من أجل ترسيخ أنموذج المرأة الشرقية الجزائرية التي تظهر تحت حركات ريشته من زاوية ضوء لم يعهدها في حياته من قبل، وأَسْرِ زاوية الضوء العاكسة لأبهى ما يمكن أن تكون عليه المرأة الشرقية في مرآة النفس الغربية المتعطشة إلى تعرية الآخر بالنظر إلى الواقع المعاش الذي يعرفه الفنان الغربي في هذه الفترة عن الشرط الأنثوي للمرأة الغربية.
لقد كانت لوحة أوجين دو لاكروا تمهيدا استشراقيا غاية في الإبهار لما ستصبح عليه المجتمع الجزائري مباشرة بعد استقرار الفعل الكولونيالي في باحة الأرض الجزائرية وتوطيد دعامة الرؤية الغربية في إعادة تشكيل المجتمعات ما قبل الكولونيالية من خلال ترسيخ ما توارثه هذا المجتمع من تراكمات التجربة العثمانية المنزوية إلى جغرافيتها الأورو- أسياوية بعد استنفاد حمولتها الحضارية الحالمة بتمديد مساحة الامبراطوية العثمانية إلى أقصى المغرب العربي.
لقد كان أوجين دو لاكروا، باكتشافه للضوء المبهر المنبعث من الشمس الجزائرية، إيذانا بميلاد ما ستكون عليه منظومة إعادة التشكيل الغربية للجسد الشرقي في تعامله مع الإنسان الجزائري ومحو الأسس الثقافية التي طالما دافع عنها بقوة ودفع من أجلها النفس والنفيس. ولم تكن هذه اللوحة من وجهة نظر هذا الفنان غير تلك الصورة العالقة في المخيال الاستشراقي للمُعمِّر وهو يستقوي على (الأهالي) بقوة الشرط الاستعماري ويحاول تدجين الأنساق الشرقية غير الخاضعة لمنطق الاندراج داخل المقترح الغربي للحضارة. ولذلك كان الفعل الكولونيالي نافذا في محاولة التدجين من خلال تفكيك هذه الأنساق وإعادة ترتيب ما يصلح منها لرؤيته وفق آلية التطهير الثقافي والمعرفي وترسيخ صورة الثواء القابعة في الذات الشرقية منذ العهد العثماني كمعطى جوهري في الذات الشرقية بناء على ما سيقوله (لوتسكي) وهو يصف أحوال المغرب العربي في أعوام 1868/ 1870'،أي بعد أقل من ثلاثين سنة من بداية العدّ التنازلي الذي حمله الفعل التنفيذي للرحى الكولونيالية. ولعل هذا ما لم تستطع تجسيده الرؤية الفنية الاستشراقية بدافع التعالي أو بدافع التستر- وهي تحاول انتقاء الصورة المثلى للجسد الشرقي كما حلم به الغرب وهو يقرأ كتاب (ألف ليلة وليلة) ويبني مجموع التسييجات الوهمية للثنائية السحرية (شهرزاد/شهريار) التي صنع من خلال اقتراحاتها السردية مجده الفني في العصر الرومانسي. غير أنه كان يجب على التصور الغربي للجسد الشرقي أن ينتظر أكثر من قرن من الزمن قبل أن يتفطن إلى مكابدات الجسد الشرقي تحت الريشة الاستشراقية للفنانين الأوروبيين، وذلك من خلال إعادة رسم اللوحة نفسها من طرف الفنان بابلو بيكاسو(1881-1973) الذي سيجد في لوحة أوجين دولاكروا (نساء الجزائر في بيتهن) من ضمن كل أعماله الفرصة الحقيقية لتحقيق البعد التراجيدي الذي عاشه الإنسان الغربي في حروبه العالمية المحلية وتجريبه لما يمكن أن يكون للجسد من دلالة تعكس الطباع الغربية العنيفة المتخفية من خلال التعبير عن سقوط الملايين من البشر جراء الرؤية الشمولية للفكر الغربي وهو يحاول أن يعيد زراعة آلة الحرب في عقر داره ويحصد من خلال الاستقواء بها ما جنت يداه.
إنها نفسها اللوحة التي حاول الفنان بابلو بيكاسو أن يعيد تشكيلها ثانية من خلال لوحته المشهورة (نساء الجزائر) (Femmes d'Alger) سنة 1954 من زاوية سريالية تعتمد أساسا على تعرية المتعري وكشف المكشوف من خلال اختراق الوعي المستور الذي ألمحت لوحة دولاكروا إلى كمونه في عبقرية توصيفه الرسومي لطريقة ظهور المرأة الشرقية للآخر، وذلك من خلال إضافة البعد السريالي الذي أسس من خلاله الفنان بابلو بيكاسو رؤيته الخاصة للعالم المُحترق تحت وطأة الحروب المدمرة التي أنتجتها الآلة الفكرية والحضارية الغربية وهي تحاول أن تجد لها في النظر إلى الآخر واختراقِ جسدِهِ المستورِ المبررَ العقلاني الوحيد للبقاء في واجهة الفعل الحضاري حتى ولو كلفه ذلك قلب المفاهيم الفنية والجمالية من خلال إعادة التدليل على ما أكد عليه من انهيار للمفاهيم الفكرية والجمالية الغربية أثناء الحرب الأهلية الاسبانية في لوحته المشهورة (الجيرنيكا).
لم يكن من باب الصدفة إذن أن تؤرخ لوحة أوجين دولاكروا لبداية استعمار وأن تؤرخ لوحة بيكاسو المستوحاة منها لبداية ثورة. الأكيد أن الفنان بابلو بيكاسو المنهوك بمعايشته للحرب الاسبانية المتزامنة في جزء منها مع حربين عالميتين مدمرتين للكينونة الغربية،لم يكن ليرى غير ما تراه الرؤية الباريسية المتولدة عن جلسات السرياليين الحميمية، وعن بياناتهم المتجاوزة لآفاق ما كانت تنظر له الرؤية الهايدجيرية من صرامة فكرية من جهة، وما كانت تدعو إليه السارترية من التزام وجودي بقضايا الإنسان المعاصر من جهة أخرى، حتى ولو أدى ذلك إلى اتهامه بحمل حقائب المجاهدين/الفلاقة الجزائريين أثناء الثورة التحريرية.
ربما كان التاريخ في حد ذاته مجرد صدفة رقمية أضاف لها التنسيق حمولة فكرية لازمة بأصحابها، غير أن رمزية التاريخين لا تخبر عن دلالتهما الحسية المتفجرة من الجسد الشرقي بوصفه أداة للاستهلاك البصري من وجهة العين الغربية المسترقة للنظر فحسب، ولكن بوصفها مُولِّدا متجددا للشحنة الشرقية القابلة للانفجار في وجه التصور الغربي المأسور داخل الآليات الإيديولوجية التي تضع الجسد الشرقي في دائرة التهويل المؤدي إلى ترسيخ الصورة من خلال تشكيلها بأدوات العصر وإعادة تحيين أيقوناتها الفكرية والجمالية وفق ما تقتضيه مقترحات المرحلة التاريخية من تمزق في البنية الفكرية والجغرافية للجسد الشرقي. ولعله من هنا كذلك، كان استغلال الغرب لهذا التصور من خلال ما شهدته وما تنبيء عنه- بداية الألفية الثالثة من:
- تفجير الجسد (الفلسطيني) في وجه المحتل الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عن طريق ما اختُلف حول تحديد منطلقاته الإيديولوجية المُراوحة بين المنطق الانتحاري والمنطق الاستشهادي ودلالاتهما المتخفية في الأنساق المعرفية للخطاب والخطاب المضاد.
- حرق الجسد في وجه الدكتاتور المحلي المالك للدولة المناولة للاستعمار من خلال تفجير الغضب الكامن في الذات الشرقية التي طالما اتصفت بالصبر على الأذى وتحمل المكابدات عن طريق أنموذج محمد البوعزيزي فيما أحدثه فعل الحرق من غليان أدى إلى تحولات اجتماعية وسياسية في خارطة الشرق (العربي) لم تتضح معالمها ومآلاتها بعد.
- تفجير الجسد في عمق التصور المعاصر للدولة الشمولية التي تنطلق من القوة لتسخير الإرادة بوصفها فعلا كولونياليا مسيطرا لا على حاضر الآخر (العدو) فحسب، وإنما على مستقبله كآخر قابلٍ للتمرد، وذلك فيما أحدثه الحادي عشر من سبتمبر من تغييرات جيوسياسية وتحولات إستراتيجية أيقظت عديد المسلمات النائمة في عمق الإنسان الشرقي عن التصور الغربي للجسد الشرقي بوصفه كيانا جغرافيا.
ذلك أن 'تصوير عدو مجهول في صورة شيطان وإلصاق صورة 'الإرهابي' به كي يضل الناس على غضبهم وحماسهم كلها أمور تمنح الصور الإعلامية قدرا هائلا من الجاذبية والإثارة، وبالتالي يسهل استغلال ذلك التأثير الإعلامي في زمن الأزمات والإحساس بعدم الأمان، أي على النحو الذي شهدناه في أعقاب اعتداءات 11 سبتمبر'كما يقول إدوارد سعيد. وهي حالات يحملها الجسد الشرقي جرحا نازفا في وجه الرؤية الاستعمارية للاستشراق التي طالما شكلت المخيال البصري للإنسان الغربي في سعيه الدائم نحو قضم التفاحة الديونيسية للتخفيف من النهم المادي المسيطر على التصور الغربي للوجود المفضي في متنه الفلسفي إلى العدم حسب التعبير السارتري. ولعله السبب نفسه الذي جعل (إتيان دينيه) (1861-1929)، وهو ينتقل من حالة التعميم إلى حالة الاستثناء في المتن التشكيلي الغربي، يحوّل اسمه إلى (نصر الدين) بدخوله الإسلام ويكتب سيرة متكاملة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم من وجهة نظر العين المبهورة بما وراء الصورة كذلك، ليخبر عن إمكانية تجاوز الرؤية الغربية المنغلقة في طرحها الاستعلائي من خلال انتقاله من مرحلة الاستشراق إلى مرحلة الإشراق، وتكذيب استحالة تحقيقه سدّا منيعا في وجه كل محاولة لتطبيق نظرية التعرية في الاتجاه المعاكس.
لقد تم التأسيس للتعرية بطرق ومناهج مختلفة لمنظومة استغلال الطاقة واستعباد الجسد واستغفال العقل من خلال ترحيل(D'localisation) كل ما لم يعد ترحيله خطرا على الذات المركزية الغربية، وكل ما لم يعد لبقائه جدوى في صلب الذات المركزية الغربية من مرتجعات فكرية ومادية، وذلك من خلال تغليف هذه المرتجعات في الصورة المؤنسنة تلعب فيها الدعاية الممنهجة دورا مركزيا في إقناع الآخر بتفتح الذات الحضارية الغربية على الجرح الشرقي المتخلف. ويتم بذلك ومن خلاله تشغيل آلية إبهار الذات الشرقية بأهمية الدور الذي يلعبه الغرب في إخراج الإنسان الشرقي من براثن التخلف والجهل والأصولية، حتى ليبدو لأبسط من يتعامل مع واقع المجتمع الشرقي المُنتج للتخلف ـ وهو جزء منه- أن هذه الصورة هي عين ما يمكن للشرقي أن يتبعه إتباعا ولا عيب، ويتأثر به تأثرا ولا عقدة. ذلك أن الخلاص في نظره لا يمكن أن يكون في هذه الحالة إلا بيد من بيده مفاتيح التطوير والتعمير والتنوير. وهي 'تفاعيل' لا حيلة للشرقي في توليد مفاهيمها، ولا دور له في التأسيس لمضامينها نظرا لانشغاله الحضاري بالنظر إلى نقطة انجازاته السابقة وابتعاده المنطقي عن دائرة الفعل الحضاري النافذ في آنية تحققه المادي المتولد من المنظورات العقلانية للفلسفة الغربية.
ذلك أن القنوط العام الذي يستولي على تفكير المثقف الشرقي (العربي الإسلامي خاصة) لا يبدو في تأكيده على أحقية البحث عن الجسور الوهمية في المدونة الاستشراقية وإعادة ترميم ما خلفه الدافع الكولونيالي للاستشراق من أثر بالغ في الجسد الشرقي المستور بوازع 'التعرية' المتعمدة، فذلك أصبح أمرا واضحا للعيان بعد النتيجة الحتمية التي أدت إليها منطلقات الفعل الاستشراقي ذي النزعة الكولونيالية في خريطة الكيان الشرقي، وإنما في ضرورة تغليب الرؤية العقلانية في التعامل مع خطاب الآخر لا بوصفه غربا باحثا عن زوايا النور المتخفية في سماء الشرق الزرقاء كما تظهر رد الفعل الشرقي المبهور بإنجازات الاستشراق، ولكن في تجاوز المفهوم المصلحي للشرق الذي يجيد الغرب استعماله في كل مرحلة تحت غطاءات حوار الحضارات مرة والتثاقف مرة والعولمة مرة أخرى من دون أن يكون للشرق القدرة الواعية على تفكيك توجهات النزعة الكولونيالية الغالبة والمهيمنة على المشاريع الغربية وهي تحدد المنطلقات والمآلات التي يجب أن يكون عليها الشرق من وجهة نظر غربية. وهي الرؤية التي من المفروض أن تدرك أن 'مفهوم الشرق مفتعل ويخدم أغراضا سياسية أكثر منها علمية'، وأن الشرق كما تريد تكريسه النظرة الاستشراقية من خلال إعادة تشكيل الجسد الشرقي' ليس شرقا فقط، بل الأصح ليس شرقا على الإطلاق، وإنما هو مجاز للتابع الذي يشكله القاهر. ولهذا نجد آليات الاستشراق مستخدمة في تعالي البيض على السود وفي استغلال الرجال للنساء' كما تقول فريال جبور غزول.
ربما كان الجسد هو الدليل المادي الوحيد على تمرير فكرة الاستيلاء على أيقوناته الفلسفية من أجل تجهيز خرائطه غير المكتشفة بما سيتعرض له من 'تدنيس' بالمفهوم الشرقي لا يطال بنياته المادية باعتباره (الموديل) القابل للبقاء طويلا أمام الفنان وهو يحاول إعادة تشكيل فضاءاته العذراء، ولكن يطال كذلك الذات الشرقية بوصفها جغرافيا قابلة في أية لحظة للتعرض لما تسميه الفلسفة الكولونيالية الغربية الجديدة بـ'الحق في التدخل' (Le Droit a ling'rence)نظرا لما يعتري الجسد الشرقي من سكون، وما لحق به من تجمد جراء الثواء الحضاري المتوقف بعيدا عن عجلة التاريخ كما تحركها النزعة الكولونيالية المعاصرة وفق المقتضيات المصلحية والضرورة التاريخية والإستراتيجية. 'و لما كانت استراتيجية الغرب تقوم على أساسا على فهم واستيعاب (المغزو) فإن ما سبق وقاله أحدهم عن الاهتمام بالشرق كوسيلة ...(و ليس بذاته) يصبح مفهوما على صعيدين، الصعيد الاستشراقي- المعرفي والصعيد العسكري- الاستلائي' كما يقول خيري منصور.
لقد كان الجسد الشرقي في صورته المثلى (موديلا) ساحرا شكل تحديا بارزا بالنسبة للرؤية الاستشراقية الفنية التي سادت طيلة القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وقد تزامنت هذه الرؤية الاستشراقية مع بداية المد الكولونيالي الذي استعمل في محاولة تصفيته للذات الشرقية الاساليب الترويضية نفسها تجاه الشعوب ذات (القابلية للإستعمار) من دون مراعاة خصوصية هذه الذات في ما هو أكثر حميمية بالنسبة لها وهو الجسد. وربما كان هذا التزامن مطية لتبلور كثير من الأفكار الكولونيالية في ترسيخ الوجود الاستشراقي في المساحة المكانية والزمنية لفضاءات الانسان الشرقي. غير أن الفعل الكولونيالي، ومن خلال تحوله إلى سلطة تنفيذية قاهرة، لم يكن لينتج في الواقع الشرقي غير ما أنتجته لوحة(نساء الجزائر في بيوتهن) لأوجين دو لاكروا في الامتداد الباطني الذي تعبر عنه لوحة 'نساء الجزائر' لبابلو بيكاسو بعد ما يزيد عن القرن من الزمن. وهي المدة التي قضاها الفعل الكولونيالي الفرنسي في ضيافة الشرق (الجوائر) المستعد للثورة.
عبد القادر رابحي
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (1)