ذاكرة الجزائر الثورية ونفوذ فرنسا الاستعمارية

حديث الإعلام والسياسة في الجزائر هذه الأيام يثير كثيرا من الأسئلة عن الوطنية والسيادة والاستقلال والذاكرة، وأي إجابة عن تلك الأسئلة لا تنفك عن النظر إلى موطئ قدم فرنسا في صناعة القرار الجزائري، أو التأثير فيه بشكل أو بآخر. ونحن هنا نضع نصب أعيننا معيارا واحدا على الأقل من بين عدد آخر من المعايير…

يونيو 03, 2013 - 18:21
تم التحديث: 13 سنوات منذ
9 2.9ك
ذاكرة الجزائر الثورية ونفوذ فرنسا الاستعمارية

حديث الإعلام والسياسة في الجزائر هذه الأيام يثير كثيرا من الأسئلة عن الوطنية والسيادة والاستقلال والذاكرة، وأي إجابة عن تلك الأسئلة لا تنفك عن النظر إلى موطئ قدم فرنسا في صناعة القرار الجزائري، أو التأثير فيه بشكل أو بآخر. ونحن هنا نضع نصب أعيننا معيارا واحدا على الأقل من بين عدد آخر من المعايير التي تحدد درجات السلم السيادي للأوطان، فنفوذ ‘المستعمر’ السابق مؤشر في غاية الأهمية للحكم على مدى سيادة واستقلال أي بلد في العالم، بما في ذلك علاقة الجزائر بباريس، التي مارست الإجرام في حق الجزائريين قرنا واثنين وثلاثين سنة، وأي تبعية سياسية أو اقتصادية أو ثقافية للمستدمر (وهكذا ينبغي أن يوصف اصطلاحا) الذي سعى بكل ما أوتي من بطش لتدمير الإنسان الجزائري، لا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال إلا أحد أوجه الاستقلال الناقص، أو المغيب بفعل فاعل داخلي أو خارجي، ما دامت التبعية ارتباطا بالآخر على عكس استقلالية القرار البعيدة عن الوصاية، أيا كان شكلها أو لونها أو ثقلها.

ومن الأسئلة أو التساؤلات التي تبعث على الاستياء، غياب الرئيس لأكثر من شهر، وللأسف الشديد في فرنسا تحديدا، وكأن خمسينية الاستقلال التي لا تزال السلطة تذكر بها الجزائريين على شاشات تلفزيونها الرسمي، ليست كافية لتشييد مستشفيات تقينا شر طلب العلاج عند المستدمر السابق، على الرغم من البحبوحة المالية التي وفرها الريع النفطي، وأتى على كثير منها تغول الفساد الإداري والاقتصادي، أو كأن باريس، دون غيرها من العواصم الغربية والشرقية، هي الوحيدة التي تمتلك من دون منازع ناصية التقدم الطبي والخدماتي في مجال الاستشفاء، ولا حرج أن يقصدها المسؤولون ويجعلوها قبلة لعلاجهم من الحالات المرضية، وليذهب بعدها مواطنوهم البسطاء إلى جحيم مستشفيات الوطن البائسة، بؤس استجدائهم للعلاج في الخارج، فهكذا لسان حالهم يقول بشكل صريح وجلي. ومع هذا كله، تبدو المسألة أكثر تعقيدا بسوء تعاطي السلطة مع الرأي العام الجزائري، ففي الوقت الذي تستمر فيه الحكومة بتوجيه رسائل التطمين التي يشكك في صحتها كثير من السياسيين والإعلاميين، تنبعث من باريس أنباء تبدو أكثر تماسكا وتبريرا لعدم ظهور الرئيس لفترة طويلة أو عودته رسميا إلى القصر الرئاسي، وهنا ينبغي أن نطرح تساؤلا آخر حول خلفية استئثار الحكومة الفرنسية بإطلاع الرأي العام الجزائري بحقائق عن بلادهم، كما فعلت قبل أشهر بإفشاء سر الأجواء المفتوحة على مصراعيها لطائراتها الحربية، في الوقت الذي تكتمت فيه الجهات الجزائرية المعنية عن هذه الحقيقة المخزية لبلد المليون ونصف المليون شهيد ثوريا، أو أيضا حديث فرانسوا هولاند الئيس الفرنسي عن تعديل دستوري في الجزائر خلال زيارته لها، كما لو أنه رئيس للجزائريين والجزائر التي يتعامل معها كما لو أنها فرنسية.

وحسب كثير من المراقبين، فإن هناك تخبطا إعلاميا وسياسيا من السلطة، يصل إلى حد ضرب سيادة البلد في صميمها، وهو ما تعكسه المراسيم الرئاسية التي أظهرتها جهات إعلامية نافذة على أنها تحمل توقيع الرئيس نفسه، بما يؤكد أنه يمارس نشاطه بشكل عادي، عكس ما يذهب إليه المطالبون بتفعيل المادة 88 من الدستور الجزائري، وهذا التسرع في مجاراة المشككين في الرواية الحكومية حول صحة الرئيس بهذه الطريقة، أوجد إشكالية أخرى، هي أن رمزا من رموز السيادة الجزائرية، وهو رئيس الجمهورية المستقلة، يصدر قرارات من داخل مركز استشفائي عسكري تابع لوزارة الدفاع الفرنسية، التي حاربت الجزائريين وسعت لإبادتهم، ولا تزال رمزا لجرائم سابقة وجراح عمقها تمجيد باريس لحقبتها الاستدمارية البغيضة، فكيف لقرارات تخص الجزائر، دولة وشعبا، أن تصدر من مكان غير رمز سيادتها، بل أكثر من ذلك أن تكون فرنسا هي التي يتم منها إدارة البلد وتسييره، كما يجزم المسؤولون الجزائريون في تصريحاتهم التي تؤكد أن الرئيس يتابع يوميا من باريس شؤون الدولة الجزائرية.

وإذا كان يحق لأي مواطن، سياسيا كان أو ناخبا، أن يسأل عن الحالة الصحية لرئيس انتخبه أو شارك في انتخابه، بما أنه رئيس لكل الجزائريين، وأن يحرص على ضمان احترام السلطة جميع مواد الدستور الذي وافق عليه الشعب وتبنى بعض تعديلاته نوابه في البرلمان، فمن حقه أيضا أن يتساءل عن مدى تمتع بلاده بالسيادة عند اتخاذ القرارات في فرنسا، التي أصبحت للأسف مستودعا لكثير من أسرار الدولة الجزائرية، وربما تحشد طاقاتها الاستخباراتية لصنع الرئيس الجزائري المقبل الذي يخدم مصالحها، كما يعتقد بعض المراقبين. والغريب في الأمر، أو من مفارقات الممارسات السياسية، أن كثيرا من المسؤولين الجزائريين كانوا يحاججون كل من يخالفهم رأيا في السياسة أو التسيير بالإشارة إلى ‘ما وراء البحار’، يريدون بذلك أن هناك وصاية من أطراف خارجية على ما يقول خصومهم، وهو خطاب تخويني للآخر وطعن في وطنيته، بغض النظر عن مدى صحته أو كونه مبيتا لتحقيق غايات سياسية، ولكن بعضا من هؤلاء، أو كثيرا منهم، لا ينبسون ببنت شفة ليتباكوا على الوطنية الحقة، وقد بدت خاضعة للوصاية الفرنسية بشكل علني وواضح من تدخل سافر لباريس في الشؤون الجزائرية، بل حصولها أيضا في المقابل على تنازلات سياسية وأمنية واقتصادية أثارت دهشة الجزائريين والفرنسيين على حد سواء.

النفوذ الفرنسي وتغلغل أدواته لخدمة مصالح باريس ليس قدرا محتوما على الجزائريين، ولكنه نذير شؤم بأن دماء الشهداء وتضحيات الشعب ذهبت هدرا، مع أن التغني بالثورة ومبادئها ورجالاتها هو من أبجديات خطاب السلطة منذ الاستقلال إلى يوم الناس هذا، ولا يمكن درء مخاطر العبث الخارجي بسيادة الجزائر إلا بكبح عجلــــة الفساد الذي يضــــرب بأطنابه سياسيا وإداريا واقتصاديا، وما لم يتم وقف دوران تلك العجلة فإنها ستتعاظم ككرة الثلج كلما تحركت إلى الأمام.. ولكن بلون أسود قاتم ينسف كل ما تحقق من إنجازات، ولو على قلتها، مقارنة بحجم الجزائر في محيـــطها الإقليمي العربي والإفريقي، وبالنظر إلى ثرواتها التي استنزفت لعقود من دون تحقيق نهضة حقيقية خارج مجال المحروقات، مع أن السنوات الأخيرة كانت فرصة جيدة لذلك لو توفر شرط الإرادة السياسية والحكم الرشيد.


محمد بوعبدالله

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (9)

User
جزائرى
جزائرى 13 سنوات منذ
<strong>رد على اليبي</strong> انا اعرفكم انتم كلكم تعملون عمل قوم لوط القدافي حرما عليكم الخمر والعلم وقفى معكم لي انكم خونه اخنتم الاسلام وانتم كفره يا فوم لوط اسالو اجدادكم عن عملكم اصبحتم متلا ايطاليا في عملكم الوطي يا عطاين
ياسر الفايدي ليبيا
ياسر الفايدي ليبيا 13 سنوات منذ
<strong>ثوار الناتو</strong> يا جزائر نحن ثوار الناتو تخلصنا من القردافي وانتم ثوار تقبيل الايادي نحن احفاد المختار نموت ولا نستسلم قرارنا الثورة يوم 17 فبراير ضد اكبر الطغاه بدون امر من احدالا الله ولكن الله وقف مع الشعب الليبي الطيب ولهذا وقف معنا العالم وهذا امر من الله سبحانه وتعالى لان الله يعلم بأن القرد يأتي بالمرتزقة من كل مكان حتى من بعض الخونة الجزائريين من احفاد الجنرالات الطعنون في العمر نتمنى من الشعب الجزائري الاسف للشعب الليبي الكريم اسألوا اجدادكم عن وقوف اجدادنا مع ثورتكم ضد الاستعمار الفرنسي وهذا ليس بعيب فلمسلم اخ المسلم وللحديث بقية
الوهراني
الوهراني 13 سنوات منذ
<strong>رد الفعل المناسب</strong> علئ كل حال فهذا هو رد الفعل المناسب ..من شعب مغلوب علئ امره ...يستنجذ بالفرنسيين ليعيدو له كرامته المسلوبة من طرف جبهة التحرير الوطني و المخارات العسكرية الحاكمة بالجزاير
علي
علي 13 سنوات منذ
<strong>مواطن</strong> في احدىالجرائد بسطيف نشر ان الساسي الدي قبل يد هولند دخل السجن بقضيه نصب وسرق لقد عرفت انه من ااصحاب العفوالرئاسي لطاب جنانواالدي فعل بالجزائر مالم ييفعل اي رئيس حتىالاستعمار بوقته كانت تصدر الزراعه والصناعه واسست البنيه التختيه للجزائريارب ان يحكم هدا الوطن المسكين ابنه وليس الوجدي
Ahmed
Ahmed 13 سنوات منذ
<strong>اللوحة الثالثة: مواطن جزائري يقبل يد رئيس أجنبي على أرض الجزائر</strong> لا يمكن وصف تقبيل يد رئيس دولة أجنبية على أرض الجزائر , كانت دولة هذى الرئيس تستعمر أرض الجزائر بالأمس ، إلا بالذل زيادة، لا هي من بروتوكولات و تقاليد أو عادات الفرنسيين أن يقبلو يد رئيسهم لا داخل فرنسا و لا خارجها أهذه هي الجزائر العظمى ؟ و التي تريد فرض رأيها على الصحراء المغربية ؟ أم هذى نفاق ؟ ما هو مستوى ذكاء الجزائر ؟