حكمة جزائرية

يطلُّ شهرُ رمضان لهذا العام على المسلمين بجملة من التحديات الخطيرة التي تستهدف وجودهم أمة وشعوباً في ظلّ استعداد قوى الاستكبار العالمي ممثلة في أمريكا وحلفائها لتصفية هذا الوجود تارة بتمويل الحرب على ما يسمى الإرهاب ،وتارة بدعم أنظمة انقلابية شديدة العداوة لمصالح شعوب المنطقة العربية وموالية للقوى…

أغسطس 01, 2013 - 15:59
تم التحديث: 13 سنوات منذ
0 4.4ك
حكمة جزائرية

يطلُّ شهرُ رمضان لهذا العام على المسلمين بجملة من التحديات الخطيرة التي تستهدف وجودهم أمة وشعوباً في ظلّ استعداد قوى الاستكبار العالمي ممثلة في أمريكا وحلفائها لتصفية هذا الوجود تارة بتمويل الحرب على ما يسمى الإرهاب ،وتارة بدعم أنظمة انقلابية شديدة العداوة لمصالح شعوب المنطقة العربية وموالية للقوى التي طالما تبجحت بمعاداتها..

  إنّ من يتأملّ في سموم قنوات الفتنة يدرك محتوى الخطاب التي يرادُ له أن يستقر في أذهان الشعوب : يجب أن ينصرف الأفراد إلى شؤونهم اليومية بدل الخروج إلى التظاهر والتنديد بهذه الأنظمة ، وأيًّا كان شكل الحكم القائم فهو خيرٌ لهذه البلاد من دولةٍ تقام على أسس يرضاها الأفراد عبر صناديق الاقتراع العام. وتخيير الشعب بين الانتخاب أو الانقلاب طريقة أخرى للاستبداد السياسي والفكري فضمان بقاء الطغاة كان دوماً عبر دبابة مأجورة و أقلام مسعورة.

  تعزى الأحداث التي تهز الشأن المصري أيام هذا الشهر الفضيل إلى طائفة من المشاكل الحقيقية والمفتعلة ، وهي في جملتها لا تخرج عن قطاعين من الأمور التي تمس الحياة الفردية والاجتماعية في أرض الكنانة.

  أول هذين القطاعين ما يتعلق بنتائج فترة حكم الرئيس الدكتور محمد مرسي الذي انتخب من عامة الشعب ، واعتلى سدّة الحكم بقوة الصندوق بعد أن أجبرت ثورة الشعب الدكتاتور مبارك على النزول من كرسي شغله بالقهر والغلبة واستأثر بخيرات الشعب والأرض لأغراضه الفردية ومصالح المقربين من دائرته الفاسدة. فنزول مبارك عن الحكم بعد سقوط بن علي في تونس نتائج حتمية كان على كل عاقلٍ التأملُ فيها منذ مدةٍ ، ذلك أن سياسة الشعوب بالقهر والفساد أقل مخاطره ثورة تحطم كل مقاييس التقدير وتخرج عن سيطرة المتنفذين على اختلاف مستوياتهم في المسؤولية.

  وأقل ما يقال عن فترة الرئيس الشرعي الدّكتور مرسي أنها فترة مشوبة بالترقب وتهدئة غضب الجمهور في العلن، وإعداد العدة بالتآمر عليه مع القوى الاقليمية والعالمية المعنية بهذا التغيير المفاجئ لقواعد تسيير الشأن العام في مصر. بل إن التفكير في الانقلاب على الشرعية بدأ عشية تسليم المقاليد الظاهرة إلى الرئيس المنتخب ، ذلك أنّ السماح للمصريين بتسيير شؤونهم بإرادتهم سيجعل منهم قدوة لبقية الشعوب التي ما تزال ترزح تحت نير الاستبداد الداخلي وتئنّ من تدخل القوى الاستعمارية القديمة في إدارة شؤونها الخارجية والداخلية على السّواء.

  وبرغم ما تصفه به أبواق النظام البائد وقنوات الحكم الاستبدادي الحالي فإنّ الرئيس الدكتور مرسي يعدّ على ضيق تجربته الميدانية أول رئيس مسلم منتخب يصل إلى الحكم بنزاهة الاستحقاق وبرضى الشعب - على اختلاف توجهاته الدينية والحزبية - . إنّ هذا اللون من الممارسة السياسية قد غيّب عن حياة الأمة المسلمة منذ أكثر من قرنين من الزمان أو يزيد ..

  وعلى قصر مدة حكمه سيكون من المستحيل أن يحكم عليه بشيء يخل بمبادئ الحكم الراشد ، ذلك أنه اعتلى كرسي الرئاسة وارثاً المصاعب الاقتصادية والاجتماعية من الدكتاتور الذي لم يكن يفكر في أي حلٍّ سوى في الاعتماد الكلي والمباشر على المساعدات الامريكية للجيش المصري مقابل التخلي عن جملة من القضايا العربية والإسلامية أخطرها قضية فلسطين.

  فمن غير المعقول أن يحاكم الرئيس المنتخب على ما يجب أن يحققه للشعب وهو قد ورث هذا الوضع العفن إضافة على تألب الأعداء في الداخل وفي الخارج ومشاركتهم الفعلية في تزكية الانقلاب عليه.

  القطاع الثاني يتصل مباشرة بقوى الاستكبار العالمي ممثلة في أمريكا وحلفائها في المنطقة العربية وهي ثلاثُ دولٍ بالتحديد : السعودية ،و الإمارات ، وقطر. ومن المفهوم أن تدافع أمريكا عن إسرائيل شريكها في استعمار الشعوب وامتصاص خيرات العالم ، بل لا نتوقع من أمريكا سوى الوفاء لهذه العهود التي أبرمت منذ قرنين على الأقل ، وتعاقبُ الرؤساء وتنافسهم على خدمة الشريك المدلل استمرارٌ بيّنٌ لهذه الشراكة المنظمة ، ولا ينفع أبداً القولُ بأنّ تغيير جلد الرئيس ضمانٌ بتغيير سياسات البيت الأبيض ، فإنّ سياسة أوباما واضحة المعالم وليست سوى استمرارٍ لسياسة عائلة بوش آباءاً وأبناءاً..

  إنما يعسر الفهم أن يخرج من عباءة الخليجيين سوءٌ يحرق أرض العرب ويهدم ما بقي من بلاد المسلمين ..

  الآن ظهر سرُّ إمداد السعودية وقطر والإمارات للسيسي بالأموال مقابل الانقلاب على الرئيس المنتخب ووأد تجربة المصريين في التحرر من ربقة الاستبداد كما ظهر سرُّ سكوت حكومات الأوروبيين والأمريكان وحلفائهم عن الانقلاب لما في ذلك من تطمينات على مصالحهم وامتيازاتهم في المنطقة ، وهم على أحسن الأحوال لن يدخلوا في حرب مباشرة ما دام يقوم بها عنهم السيسي بالإنابة والدعم والتمويل ..

  وقد ينطرح سؤال سريعٌ على سكوت المتنفذين في الشأن الجزائريّ وهم الذين ظلوا يردّدون بأنّ ما يحدث في دول الجوار بل وفي دول العالم شؤونٌ داخلية لا ترقى إلى الاهتمام الجزائري خصوصاً في عهد وزير غبيٍّ يرجُو أن يشرح دورة التاريخ للفرنسيّين ولا يرى ضرورياً أن يطمئن الشعب على صحّة رئيسه.

  فالحيادُ الجزائريُ في الشأن التونسي والليبي والمصري والسوريّ بل وحتى المالي يقول عنه وزير الخارجية بأنه من عيون الحكمة الجزائرية.  

  الآن يفهم كلُّ عاقلٍ صيغة اللعبة السياسية المقترحة في مصر وفي غيرها ، فمنذ أكثر من عشرين سنة خلت أمدّت السعودية في حكم فهد مجلساً يسمى بالمجلس الاعلى للدولة في الجزائر بالأموال والدّعم من أجل أن يقوم نزار وعصابته بوأد التجربة السياسية الجزائرية التي تطلعت إلى الانعتاق من حكم المستعمر عبر بوابة الانتخاب ..

  ذلك الانتخاب الذي ألغي ليعيد طائرات فرنسا اليوم تحلق وتتجسس على الجزائريين بمباركةٍ من فخامته الذي نجح في تسليم البلاد والعباد إلى المجرمين وفشل في بناء مستشفى يتعالج فيه من نوبة إقفارية ..

فإلى كل حرٍّ شريفٍ : هل تحب أن تعرف ما ستؤول إليه الأوضاع في البلدان الدكتاتورية ؟ لا تفكر كثيراً فالمثالُ مكرورٌ.

 

 الأستاذ لخضر تومي   

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (0)

User