شعاب مكة في ميادين مصر
نفحة من السيرة في العشر الاواخر يستميت السفهاء في فرض الطابع الكهنوتي على الاسلام و اعتباره مشروعا دينيا صرفا يختزلون آفاقه الرحبة في المواجهة بين الكفر و الايمان في حين أنه مشروع إنساني يستوعب كينونة البشر في كل ما يتعلق بحياتهم من مقدماتها السابقة عن وجودهم الى نتائجها الممتدة الى ما بعد مماتهم و…
نفحة من السيرة في العشر الاواخر يستميت السفهاء في فرض الطابع الكهنوتي على الاسلام و اعتباره مشروعا دينيا صرفا يختزلون آفاقه الرحبة في المواجهة بين الكفر و الايمان في حين أنه مشروع إنساني يستوعب كينونة البشر في كل ما يتعلق بحياتهم من مقدماتها السابقة عن وجودهم الى نتائجها الممتدة الى ما بعد مماتهم و يُحَكِّمهم إلى إرادتهم الحرة في عواقب الأمور. و آفة السفاهة ليست مقصورة على أعداء الاسلام و الفضيلة وحدهم و انما يغرق فيها كثير من المسلمين المتنطعين في الدين أيضا. فالسيرة النبيوية في نظري ليست تراثا يعني المسلمين وحدهم و إنما هي تجربة انسانية نموذجية في التدافع بين الحق بكل ما يمثله من القيم و الباطل و ما يتظاهر به من الآفات.
وهذه التجربة الواقعية جديرة بالاهتمام و التأمل من طرف كل من يتلمس طريق الحق من العقلاء سواء كانوا من المؤمنين بالله او الجاجدين لربوبيته سبحانه و تعالى او المشركين به من عباد البشر و البقر و الحجر. و عندما تأملت اعتصام المواطنين المصريين في شهر رمضان احتجاجا على الانقلاب الذي قاده وزير الدفاع الفريق السيسي ضد الرئيس المصري الشرعي الذي انتخبه المواطنون بكل حرية و علقوا عليه أملهم في الخروج من النظام البوليسي الفاسد الى النظام الوطني المدني، وجدت أن مشاهد الحق متعددة و متكررة في حياة الناس و لكن موقف الباطل فيها واحد رغم اختلاف المعطيات البشرية و الجغرافية و تباعد الحقبة الزمنية الفاصلة بين تلك المشاهد.
فالنبي صلى الله عليه و سلم و المستضعفين العزل من اتباعه كانوا يمثلون الحق في مكة و لم تكن لهم سلطة و لا قوة مادية و لا معنوية تمكنهم من الدفاع عن انفسهم من بطش أئمة قريش الذين كانوا يمثلون الباطل في طغيانه و همجيته. و كان أول مشهد رائع و مروع من المواجهة بين الحق المستضعف الاعزل و الباطل المتسلط المغرور بكل اسباب الطغيان و القوة ذلك الحصار الانتقامي الغاشم الذي فرضه اهل الباطل على اهل الحق في شعب ابي طالب و الذي دام ثلاث سنوات عجاف تسببت في موت العديد من انصار الحق جوعا و عطشا و تعذيبا، رغم أنهم لم يكونوا مسلمين و لم يكونوا من قبيلة النبي صلى الله عليه و سلم...... إن رفضهم للاسلام و بقاءهم على الشرك لم يشفع لهم عند اهل الباطل و لم يعفهم من الانتقام و لكنه لم يمنعهم من الوقوف إلى جانب النبي و اصحابه المستضعفين في مواجهة المشركين الذين يدينون بدينهم رغم أن الحصار المضروب عليهم دام اكثر من ثلاث سنوات و حتى بعد أن تسبب لهم ذلك في الموت عطشا و جوعا و قهرا...... ذنب المحاصرين في الشعب الوحيد هو أنهم اعترضوا على ظلم قريش للنبي و اصحابه بغير وجه حق و انما لانهم اقتنعوا بأن عقيدة التوحيد حق فاعتنقوها و دعوا إليها غيرهم بكل سلمية و موضوعية و عقلانية دون أن يفرضوها على أحد بدليل ان ابوطالب اكبر الانصار لم يكن مسلما و لذلك رفضوا المساومة عليها و العودة الى الجهل الذي عاشوه من قبل رغم الترغيب و الترهيب الذي تعرضوا له....إن أولئك الناس المعتصمين في شعب ابي طالب لم يستمدوا قوة الصمود من ايمانهم بالله لأن أغلبهم لم يكونوا مسلمين و لا من قوة عسكرية تحميهم لأنهم كانوا عزلا و لا من أجر ينالهم من النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه فقد كانوا افقر الناس و لا حتى من طمع في نصرة المجتمع البشري المحيط بهم لأن خصومهم هم أئمة الكفر الذين لا يجرؤ أحد على مخالفتهم.
إن هؤلاء الناس الذين بقوا محافظين على آدميتهم رغم كفرهم انما استمدوا صمودهم من اقتناعهم بأن الظلم وجه من أوجه الباطل الذي لا يجوز لمن يحمل ذرة من الانسانية أن يقبله ففضلوا الحفاظ على انسانيتهم على الحياة كالقطيع في حظيرة الباطل......إن هذا الاقتناع الراسخ هو الذي جعل انصار الحق يتزايدون رغم اشتداد المحنة عليهم، فلم يسجل في صفوفهم تراجع رجل واحد و لا امرأة لا من المسلمين و لا من غيرهم بل تعاظم التعاطف معهم و زاد انصارهم. فهل دام صبرهم إلى الأبد؟ و هل تراجعوا عن تمسكهم بسلمية نضالهم تحت الضغط و انزلقوا الى العنف؟ بالطبع هذا لم يحصل و انما الذي حصل ثباتهم على الحق بقوة الذاتية القائمة على السلم ابتداء مما تسبب في تصدع حلف الباطل و تراجع عزيمته بعد أن ظهر من داخل صفوف أهل الباطل من استنكر الهمجية و الوحشية التي تعاملوا بها مع من كانوا الى وقت قريب جزءا من مجتمعهم الانساني الصغير و ثاروا على الوحوش البشرية في معسكر الباطل و تم فك الحصار على أهل الحق من حيث لم يحتسبوا دون أن يحتاجوا الى خوض معركة دامية مع اهل الباطل قد تجرهم الى مستنقع الظلم الذي يشكون هم انفسهم منه.
إن المعتصمين في مختلف ميادين مصر احتجاجا على الانقلاب على الشرعية ليسوا جماعة الاخوان و انما هم ممثلوا الحق من مختلف شرائح الشعب المصري و هم مستضعفون عزل يطالبون بحقهم بطريقة سلمية و لا يملكون من اسباب القوة المادية شيئا و انما معولهم على التمسك بحقهم و الاحتجاج السلمي على الظلم المسلط عليهم من طرف السيسي و من ظاهره من البغاة الذين يمثلون الباطل في أبشع صوره. انها صورة طبق الاصل للحصار في شعب ابي طالب و على المعتصمين في مصر أن يتعلموا منها كيف ينتصر الحق عندما يثبت أنصاره على التمسك به.
أما ما يمكن أن يلحقهم من الأذى في سبيل ذلك فهو قدر منفصل على ما هم فيه و لن يؤخره عنهم التراجع عن حقهم لأن النبي صلى الله عليه و سلم الذي كان مؤيدا بقوة الله التي لا تغلب ابتلي في الشعببالحصار ثلاث سنوات فقد فيها اعزة الناس عليه. فحذار من الانهزام أمام الحرب النفسية التي يشنها عليكم الباطل و أعوانه فأنتم في اعتصامكم لا تمثلون الاخوان و لا المسلمين حتى و ان لم يكن بينكم من غير المسلمين احد و انما تمثلون الانسانية في صورتها الأصيلة المفطورة على الحق و السلم و خصومكم يمثلون الانسانية في انتكاستها العارضة بكل جهلها و ظلمها. فانتم في مقام الابتلاء الرفيع و ليس بينكم و بين الفوز بالجائزة سوى جولة من الصبر و الثبات. فو الله ما ينهزم الحق أمام الباطل أبدا و إنما تخور عزائم الناس فينهزموا. فاصبروا و صابروا و رابطوا و اتقوا الله لعلكم تفلحون.
بقلم النقيب أحمد شوشان
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (1)