الإدارة الأميركية وصناعة التوترات الأهلية
لا تصدقوا ما تزعمه الإدارة الأميركية بأنها تريد خروجاً آمناً لجماعة الإخوان المسلمين من قيادات وزعامات حزبية، ولا أنها صادقة بحق في حق الرئيس السابق محمد مرسي في إخلاء سبيله من محبسه غير الاختياري، وأخيراً لا تؤمنوا بأن إدارة أميركية يتحكم فيها اقتصاد صهيوني يسعى لمصالحة وطنية بين طوائف الشعب…
لا تصدقوا ما تزعمه الإدارة الأميركية بأنها تريد خروجاً آمناً لجماعة الإخوان المسلمين من قيادات وزعامات حزبية، ولا أنها صادقة بحق في حق الرئيس السابق محمد مرسي في إخلاء سبيله من محبسه غير الاختياري، وأخيراً لا تؤمنوا بأن إدارة أميركية يتحكم فيها اقتصاد صهيوني يسعى لمصالحة وطنية بين طوائف الشعب المصري وقواه السياسية المتناحرة حالياً، فتاريخها السياسي الضارب في الصفقات والاتفاقيات السرية كفيل بعدم تصديق مطامحها المعلنة والتي قد تراها هي مشروعة، وخير دليل على ذلك ممارساتها غير الديموقراطية في دولة العراق وأفغانستان ومساعيها التي لا ولن تتوقف عن عرقلة التجربة الإيرانية. واليوم تبدو الولايات المتحدة متخبطة بعض الشيء، لأنها أدركت فقدان رصيد تاريخي لها في منطقة الشرق الأوسط، وأن التصريحات التي كانت تطلقها منذ سنوات مفادها دعم إسرائيل وأن علاقتها بهذا الكيان الصهيوني علاقة أبدية متينة في الوقت الذي كانت فيه معظم الحكومات العربية بل جميعها تدعي مساندة ومناصرة القضية الفلسطينية، لكن هذه المرة يبدو أن الشوارع العربية الممتقعة أعلنت رفضها الصارخ للتغلغل الأميركي السافر في شئونها الداخلية من جهة، وكراهيتها لهذه المناصرة والتأييد المطلق لسياسة الكيان الصهيوني من جهة أخرى، الأمر الذي يقلق الإدارة الأميركية ويجعلها تعيد حساباتها السياسية والاقتصادية في المنطقة. مما ترتب أيضاً على تعليق العمل بعدد من مكاتب السفارات الأميركية في بعض بلدان الشرق الأوسط لعدة أيام تحسباً لأية هجمات محتملة على هذه المكاتب. وها هي أميركاً مجدداً تحاول ممارسة بعضاً من إجراءاتها التقليدية التي كشفتها الشوارع العربية الثائرة وهي إشاعة التوترات الأهلية بين أبناء الشعب الواحد، وهي بالطبع تلجأ لمثل هذه الممارسات من أجل وجود شرعي لها، لأنها من غير المنطقي تواجدها بصورة طبيعية في مناخ معتدل سياسياً ويمارس المجتمع فيه حقوقه الديموقراطية بغير وسيط أو قناة اتصال خارجية. ونجد اليوم الإدارة الأميركية بكافة مؤسساتها تدعو الحكومة المصرية في ظل الظروف التي لم تعد عصيبة فحسب بل شائكة ومائجة تموج بصراعات سياسية عميقة، للعجلة في تطبيق حزمة الممارسات الديموقراطية وتمهيداً لنقل السلطة من رئاسة وحكومة مؤقتة إلى رئيس شرعي دائم وحكومة شبه مستقرة، لذلك نجد دعوات من وزارة الخارجية الأميركية ومن الكونجرس ومن السفيرة الأميركية في القاهرة معلقة العمل لحين تولي السفير الجديد مهامه، حتى رئيس هذه الإدارة الأميركية الذي نجده كل ليلة يطل علينا بمقولة تفيد ضرورة البدء في الإجراءات الديموقراطية من انتخابات رئاسية وبرلمانية، كل هذا يجعلنا نشير إلى أن هذه الإدرارة وأجهزتها الاستخبارية وصلت إلى نقطة فاصلة في عملها بشأن دول المنطقة العربية بصفة عامة ومصر قلب المنطقة وبوصلتها، هذه النقطة من أبرز ملامحها الغموض والتشويش، الأمر الذي يدفعها إلى ضعف استقراء المستقبل القريب لها وللكيان الصهيوني الذي تدعمه. وعلى الحكومة المصرية والمرابطين بالميادين المطالبين بالشرعية وكذلك كافة الحركات والائتلافات الثورية أن تعي جيداً هذا الموقف الأميركي المنتظر، وأنها اليوم صارت مرتقبة للقرار المصري سواء كان عسكرياً أم مدنياً أم شعبياً مصدره الشعب نفسه، وهي في انتظارها هذا تسعى إلى توتر المنطقة ودفعها إلى مزيد من الصراعات السياسية والمذهبية والطائفية لتجد لنفسها موقعاً ومكاناً في ظل أحداث تجيد الحياة فيها بكفاءة وقدرة عالية. وكثيراً ما قام المفكرون والنشطاء والسياسيون أيضاً بتحذير المصريين من الدور الأميركي وأنها في حرب مستدامة خفية مع هذا الشعب لأنها مدفوعة في ذلك من قبل الكيان الصهيوني، ولكن المصريين آنذاك كانوا مهتمين أكثر بحياتهم الاجتماعية والاقتصادية ومشكلات تعليم الأبناء والمسكن والملبس والحصول على وظائف مناسبة، ولكن اليوم ومصر كلها تعيش حالة سياسية استثنائية أصبح كل فرد فيها ناشطاً سياسياً وخبيراً في الشئون السياسية وكادت المسألة السياسية حديث الكل بغير استثناء، لابد من إدراك المساعي الأميركية التي تستهدف تفتيت وتقويض وحدة الوطن واستقراره وأمنه. وأميركا التي أطلقت منذ سنين مصطلح الفوضى الخلاقة لم تكن تفكر يوماً أن هذا المصطلح من الصعوبة تطبيقه أو تكريس مضامينه الخفية في وطن كمصر، لأن بياناتها المكرورة والمملة اعتادت أن الشعب المصري يعيش بمعدته قبل عقله وفراشه الذي ينام عليه أهم من حقوقه القانونية والدستورية، لذا فهي عمدت منذ إطلاق شعار الفوضى الخلاقة على دغدغة مشاعر وعقول وبطون المصريين بحياة استهلاكية تضمن لهم قدراً مؤقتاً من الرفاهية، واستيقظت منذ ثورة يناير وما تلتها من أحداث على حقيقة شعب لا يرتضي للفوضى أسلوب حياة وإن كانت هناك بعض التجاوزات لكنها من نتائج فلسفة الزحام. وتجديد للتذكرة من أجل توعية أبناء شعب عظيم، فإن الإدارات الأميركية المتعاقبة أصبحت تدرك أهمية العقل المصري الذي يفكر بغير إملاءات ويشارك برغبة حقيقية في البناء والتغيير، وبات لزاماً على طوائف وفصائل هذا الشعب العظيم أن يدرك خطورة أية تدخلات أجنبية في وقت تمر مصر فيه بعملية قلب مفتوح، وأن التكاتف والمصالحة الوطنية أكبر وأهم بكثير من إعلاء المصالح الفردية والنعرات الحزبية. د. بليغ حمدي إسماعيل
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (1)