متى سنصحو ؟

سؤالٌ بعمق المحيط يطرح نفسه عليَّ منذُ عقودٍ ، وكمْ حاولتُ تَجَاهُلَهُ وبَاءَتْ مُحاولاتي كلُّهَا بأنْ زَادَتْ حِدَّتهُ عليَّ حتى صار يُؤَرِّقُنِي ويُحِيلُ صمتي شكوى فقدتْ منْ يستمعُ إليْهَا.. متى سنصحو لنرى نتائج تجاهلنا وسكوتنا عن كلِّ شيءٍ إلا عن الثرثرة التي نتقنُها ونَغْلِبُ في ميادينها…

أغسطس 13, 2013 - 16:56
تم التحديث: 13 سنوات منذ
0 1.7ك
متى سنصحو ؟

سؤالٌ بعمق المحيط يطرح نفسه عليَّ منذُ عقودٍ ، وكمْ حاولتُ تَجَاهُلَهُ وبَاءَتْ مُحاولاتي كلُّهَا بأنْ زَادَتْ حِدَّتهُ عليَّ حتى صار يُؤَرِّقُنِي ويُحِيلُ صمتي شكوى فقدتْ منْ يستمعُ إليْهَا.. متى سنصحو لنرى نتائج تجاهلنا وسكوتنا عن كلِّ شيءٍ إلا عن الثرثرة التي نتقنُها ونَغْلِبُ في ميادينها الأمَمَ والشعوبَ مجتمعة.

غادرتنا سِنُو السبعينات على وقع حرب الإخوة الأعداء في لبنان ، ولم تلتئم جروحُ الجولان حتى كانت أرضُ سوريا مسرحاً لقوات الأسد تعيثُ في حماة وقراها المتاخمة فساداً وتذيقُ المسالمين بأساً كان الأولى أنْ يصطلي أوارَهُ من غزا فلسطين وبنى فيها المستوطنات ، وما شارفت النهاية إلا وأنور السادات قتيلٌ على الملإ من قومه وهم يتفرجون ، وحبلت لنا الثمانينات بكلِّ عجيبة ، فمن مؤتمر بيع أرض فلسطين مقابل السلام مع المحتل برعاية الأمريكان في مدريد وأوسلو ، إلى حرب الرُّوس في أفغانستان ، إلى جملة بشعةٍ من الاغتيالات في حق المعارضين المنضوين تحت حركة الإخوان وغيرهم في غير ما قطرٍ عربيٍّ ، إلى الحرب التي عاقب بها جنرالاتُ فرنسا الشعب الجزائري على انتخاب مشروع جبهة الإنقاذ ، إلى حرب البلقان التي سكتت عنها أوروبا وتدخلت فيها أمريكا لوقف حملات الإبادة الجماعية ضدَّ مسلمي كوسوفا والبوسنة ، إلى تأسيس الجبهة العالمية لجهاد اليهود والنصارى التي ظهرت رداً على تضييع الأمة الإسلامية لواجب نصرة الشعب الفلسطيني ، وردِّ الكيل لقواتِ أمريكا التي تدخلت مباشرة في الصومال ، وأرسلت صواريخها على السودان ، وخاضت حربين متتاليتين في الخليج العربي بعدما حطمت الجيش العراقي بطائراتها وقنابلها العنقودية ..

    لا تكادُ تخرجُ الأمة من حربٍ إلا لتدخلَ في أخرى ، وما تخمدُ فيها فتنةٌ إلا لتشتعل نيرانُ فتنٍ متلاحقةٍ كقطع الليل المظلم تأتي على نُخَبِ المسلمين ومقدَّراتِ الأمةِ بالهوان وبالتضييع.

    وها هي بداياتُ سني هذه العشرية قد أتت على رؤوس أنظمةٍ بالإزالة والدَّمار ، وسالتِ الدماءُ - ولا تزالُ – فيها غزيرةً من شعوبٍ قامت تتظاهرُ مطالبة بجملةٍ من الحقوق المشروعة بدساتيرها التي بقيت معطّلةً إلا عن زيادة عدد عهداتِ من يحكمُها ، وترصّد لها من سدنة الحكام جيشٌ ممّنْ باعُوا ضمائرَهم فقتلوُا باسم حماية الوطن وتوفير الأمن للمنشآت ، ووقف من يحرِّك كثيراً من الدُّمى في هذه المشاهد المخزية بعيداً ينظرُ ويستمتعُ بمشهد الدّماء القانية التي سالت رخيصة في شهور العبادة التي لم تراع فيها حقوق المخلوق ولا أوامرُ الخالق سبحانه وتعالى ..

   ولو عددنا المرَّاتِ التي قامت فيها العداواتُ بين أبناء الوطن الواحدِ أو بين بلدين جَارَيْنِ لأجلِ مباراةِ كرةٍ أو مشهدٍ ساخرٍ أو تصريحٍ سفيهٍ لوقفنا مشدوهين أمام ضحالة تفكير الأفرادِ ، وفسادِ تقدير من وقفوا على رؤوسهم بالعصا وبالقوانين الجائرة.

    يحدثُ هذا ويتكرّرُ في دولٍ نسيتْ أنَّها قد استقلت ، وأنّهُ فاتَ زمانٌ كثيرٌ على اللحاق بركب دولٍ قامت محطمَّةً من الحرب العالميّة الثانية ، وهي اليومَ تعدُّ في مصافّ الدول التي تتحكمُّ في مصيرها بقوةِ منظومتها القانونية وبسواعد المخلصين من أبنائها الذين يحرصون على أمنها كحرصهم على شروط عزَّتها ومنعتها.

   إنَّ من ما جملة ما تعلّمُه الدّراساتُ الإنسانيّة أنَّ فهم ظاهرةٍ تاريخية موقوفٌ على استخلاص العبرة منها ، واجتنابِ ما كان فيها من خطلٍ وخطإٍ عسى أنْ يكونَ المستقبلُ صناعةً من حاضرٍ حكيمٍ قد أشكمت حلقاتُ نصرهِ من ماضٍ مدروسٍ بعنايةٍ ، ولكنَّ شيئاً من هذه الدراسة الواعية لم يحدث أبداً ، بل لا تزيدنا التجاربُ المريرة إلا إصراراً على الخطيئة ورغبة في رُكوبها على مرآى ومسمع العالم...

   منذ أكثرَ من عقدين من الزمان وُئِدَتْ تجربة الوحدة بين أقطار العرب والمسلمين مشرقاً ومغرباً ، وقامت في أراضيهم حكوماتٌ تأكلُ خيراتِ البلاد ، وتتفكهُ بالعباد ، وفشلَ فيها كلُّ شيءٍ إلا اليأسُ والإحباطُ ، وتكرَّرت فيها الانقلاباتُ فصارت سنَّة محترمةً ، وأفرغت فيها القوانين من معنى القدسيّة إلا من مبدأ تقديس الحاكم ، وَدِيسَ فيها على كرامة المواطن حتى قيل أنَّ الموت أحبُّ إليه من عبء الحياةِ ..

   كلُّ هذا ، وشعوبُ هذه الأقطار تنتفضُ وتحتربُ ، وتنتخبُ وتسرقُ أصواتُ المتكلّمين فيها ، ويعودُ قاتلها إلى منصبهِ الذي تظاهرَ بالخروج منه ، ويباركُ منافقوها من يسرقهمْ ، ويتآمرون على من يأمنهم ويحفظهم ، وهم في مجموعهم يسرقون بيوتهم ، ويخربون أوطانهم ، ويوادّون من يعاديهم ، ويبغضون من يوادُّهم ..

    إنَّ الرضى بالظلم والهوان ليس من طبع الأحرار قطعاً ، وتخريبَ الأوطان واستباحة الدماء المعصومة من المحرَّمات شرعاً ، والسكوتَ على المنكرات وإشاعة الانقلابات من الباطل حكماً وعقلاً ، وليس من القوانين ولا من الأعراف أن يقوم للإفك دولةٌ ، فإن قامت فالبشرى بالسقوط عاجلة... ولا يعلّم التاريخُ شيئاً غيرَ أنَّ العدل بين الخلق ضمانُ بقاء الملكِ ، والعبرةُ كلُّ العبرة في أن نصحوُ ونفيقَ من وهدة الموت ..

   وحينما تعرفُ الشعوبُ أنَّ واجبَ الانتباهَ يعادلُ واجبَ رعاية الحقوق السَّليبة ... حينها يمكنُ الحديثُ إلى غافلٍ لتوّه انتبهَ .. فمتى سنصحو ؟

 

 

الأستاذ لخضر تومي        

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (0)

User