العفو الملكي : مابين تكريس الملكية المطلقة وعدم استقلالية القضاء
قد يقول قائل أن هناك أنواع عديدة من المخدرات وتتفاوت خطورتها حسب كل نوع منها ومن يتناولها. أقول له قد صدقت في ذلك وأضيف له أن أخطر أنواعها هي مخدرات رائحة أفواه بعض المسؤولين أصحاب عبارة دولة الحق و القانون وقنواتهم الإعلامية المعروفة بقنوات الصرف الصحي لدى عامة الشعب ، و التي تجرع منها الكثير…
قد يقول قائل أن هناك أنواع عديدة من المخدرات وتتفاوت خطورتها حسب كل نوع منها ومن يتناولها.
أقول له قد صدقت في ذلك وأضيف له أن أخطر أنواعها هي مخدرات رائحة أفواه بعض المسؤولين أصحاب عبارة دولة الحق و القانون وقنواتهم الإعلامية المعروفة بقنوات الصرف الصحي لدى عامة الشعب ، و التي تجرع منها الكثير حتى أصبح بعضهم يردد هذه العبارة - دولة الحق و القانون - دون شعور وكأننا نعيش في ألمانيا مثلا .
فهؤلاء المسؤولين يطمسون حقوق الشعب ويقولون دولة الحق و القانون ، أقصوا أجيالا وقمعوا آخرين لا لشيء سوى لأنهم في فلك الظلم ماضون ، يتبجحون بالمغرب دولة إسلامية ويطردون المعتكفين في المساجد و الدعاة الصادقين ويغلقوا دور القران ، ويرخصون لبيع الخمر و فتح الحانات و تمرير إشهارات القمار على قنواتنا ، يدعون أن القانون إعطاء كل ذي حق حقه ثم يفضلون هذا و الآخر يقصون ، فقد جعلوا كتاب الله وراء ظهورهم ويصرخون بدولة الإسلام و الحق و القانون ، ففعلا عندما نسمع كل هذا ونشاهد مغتصب شرف المغاربة حرا طليقا ، فإنها دولة الإنصاف و العدل و الإسلام و الحق و القانون.
فحقيقة الكلام بداخلي كثير ، لكن يعجز اللسان عن الكلام ومثله يعجز القلم عن البيان ، وأعتذر منكم لأنني في خواطري وضعت صورة في بداية المقال ليكتمل بها قصدي وهو تبيان حقيقة دولة الحق و القانون و العدل و استقلال القضاء ،و الأهم فوق كل هذا هو الدقة في استعمال اللغة لتنصيب المعنى المقصود لهذه المفاهيم.
فما يهمني بداية هو العفو الملكي عن المجرم السفاح دانييل وقبل التطرق له وجب التذكير ببعض الأنظمة الإسبدادية التي تمارس هذا الحق حتى تتضح الصورة أكثر ، ففي النظام السعودي مثلا نرى أن العفو الملكي فيه يصدر وفق شروط وضوابط وينفذ وفق هاته الشروط و الضوابط ، من بينها ألا يتم العفو عن القاتل عمدا إلا إذا وافق أهل الذمة عليه وكذا لا يسمح بالعفو عن المغتصبين ومن قام بسب الذات الإلهية والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وامتهان المصحف الشريف ، إلى جانب من ارتكب جريمة الاعتداء على احد الوالدين ما لم يحصل التنازل، وتعنيف ذوي الاحتياجات الخاصة، والتغرير بالقصر أو فاقدي الأهلية أو المعاقين أو التحرش بهم حتى لو كان برضاهم ، و الأهم فوق كل هذا أن العفو لا يناله إلا من تجاوزت عقوبته السجنية النصف ، لكن في حالتنا المغربية الأمر جد مختلف إذ يمكن أن يصدر العفو عن أي كان دون قيد أو شرط وخير مثال على ذلك هو العفو عن الإسباني دانييل الذي هتك بأعراض أطفال مغاربة و الذي لم تتجاوز فترة سجنه السنة و النصف من حكم بلغ 30 سنة ، وهذا ما أثار سخطي وزاد من جرعات الخجل لدي من انتمائي لهذا الوطن الذي أصبحنا نحس فيه بأننا غرباء أو نكرة ، فلحوم المغاربة أصبحت شيئا بدون قيمة خصوصا اللحم الفتي ، فأين أولئك القوم الذين ينددون ليل نهار بزواج القاصرات ، هل صمت آذانهم وعميت بصائرهم ؟
فكلنا نتذكر بعض الأبواق و الجمعيات المسماة زورا " بحقوق الإنسان " و " ماتقيش ولدي " كيف خرجت وملئت قنوات العالم سواء منها قنواتنا الوطنية أو القنوات الإعلامية الخارجية تندد وتشجب وتطالب بأقصى العقوبات في حق المجرم دانييل حتى نقل بعضهم إلى المستشفيات ليس لتعرضهم من طرف المخزن وزرواطته ، وإنما فقط لعلاج حناجرهم التي ذبحت من جراء كثرة الصراخ ، فأين هما اليوم من هذا القرار ؟ فلم نرى منهم إلا التبرير و التزويق لموقف العفو الملكي على دانييل ، فلا غرابة فقد كان الأحرى بهم تسمية جمعياتهم بجمعيات تبرير مواقف المخزن ، لأن من يعزف على أوتار النفاق لن يستطيع قول كلمة حق لدى قائد في المقاطعة فما بالك بملك البلاد ، فمثل هذه الجمعيات ليس همها نحن بل همها استعمالنا لإرضاء القمة.
كما قد يقول قائل : أن هذا العفو له أبعاد سياسية واقتصادية تهم بلادنا ، أقول له : الاغتصاب جريمة ضد الطفولة و العفو عنه جريمة ضد الشعب بأكمله ، فعندما نشتري ببراءة أطفالنا و أجسادهم ثمن العلاقات مع الحكام الإسبان فاعلم أننا أمة تستحق الذل أبد الدهر و لا خير فينا ، فيكفينا استخفافا بعقولنا ويكفينا الثمن البخس لكرامة المغاربة ، فلو كان المغتصب مغربي و الضحايا إسبانيين كيف سيكون الأمر ؟ و إذا كان قد تم اغتصاب ابن أمير خليجي أو غيره في وطننا الحبيب هل كان العفو سيشمل هذا المجرم سهوا أو عمدا ؟
أقولها و بصراحة بل لقطع عنه الماء و الكهرباء ولعاش على الضس لبقية حياته في غياهب السجون ، هذا إن كان قد بقي حيا أصلا ، فعزاؤنا في صغارنا أنهم ليسوا من تلاميذ المدرسة المولوية وليسوا بأبناء أمراء أو نافذين في السلطة، فهذا العفو لن يحقق عدلا و لا استقلالا للقضاء و لن يرجع للمتضرر حقه ، بل سيرفع نسبة اغتصابنا من الجارة الشمالية التي اغتصبتنا في سبته و مليلية و في جزرنا و بحارنا وثرواتنا السمكية ، وهاهي اليوم تغتصب وتنتهك أعراضنا ، فكيف لنا أن نربي أطفالنا على حب وطن وملك لم يحميهم ؟
فملك إسبانيا قام باعتذار للشعب الإسباني لا لشيء سوى أنه ذهب في رحلة صيد إلى أدغال أفريقيا بينما تعيش بلاده أزمة اقتصادية ، فشتان بين ملكية نسبية تقر بالخطأ وملكية مطلقة تجرم حتى تقديم النصح لها فكيف لا وهي حرمة لا تنتهك ،فعض المسؤولين وبعض الجمعيات إن لم نقل جلهم سامحهم الله لكي ينجحوا في فرض سلطتهم وإصباغ مواقفهم بالشرعية يلخصون قرارات الملك وإن كانت خاطئة ومشينة في ثلاث جمل : أولها أن طاعة ولي الأمر منصوص عليها في القران ، وثانيها أن قرارات الملك لا يتم الطعن فيها لأن في ذلك مس بحرمته المنصوص عليها في الدستور ، وثالثها أن القضاء و العفو يشرف عليه الملك وذلك طرق الخلفاء و الصحابة رضوان الله عليهم.
فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم " أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم " ، ومن خلالها ما دمنا دولة إسلامية منصوص عليها في الدستور نفسه ، لم يجعل الله لولي الأمر طاعة مستقلة ، لأنه لم يقل : أطيعوا الله و أطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم ، بل قال سبحانه : " أطيعوا الله و أطيعوا الرسول..." دون أن يكرر الطاعة لولي الأمر ليدل على أن طاعة ولي الأمر من باطن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ، فقرار العفو عن هذا المجرم الذي أجرم في حق الدولة و المجتمع و الدين و الهوية وفي حق الضحايا وصمعة البلد مستمد من أي طاعة ؟ هذا من جانب.
أما من جانب آخر نجد أن أهم المبادئ الدستورية في البلاد قاعدة أن الملك يمارس حق تعيين القضاة و حق العفو ، وهو غير مسؤول ولا يحاسب ، فالملك يعين القضاة و بالتالي لا يمكن للأدنى - القضاة - أن يحاسبوا من هو أعلى منهم - الملك - لأنه بالأول و الأخير حرمة لا تنتهك ، والجمع بين هذه القواعد هي ما تجعل القضاء غير مستقل و لن يستقل مهما أوهمونا بذلك ، وإذا أردنا استقلال القضاء فلابد لنا من الفصل بين من يمارس القضاء ومن يمارس حق العفو وفق شروط وضوابط محددة مسبقا ، لأن الجمع بينهما فيه استبداد وتداخل في السلط ومخل بميزان الحق و العدل ، وهذا ما تسير عليه أغلب الدول الديمقراطية المتقدمة كفرنسا مثلا التي تعطي حق العفو لرئيس البلاد بشرط ألا يضع يده على القضاء.
لكن مادامت المغرب دولة إسلامية منصوص عليها ضمن بنود الدستور ، فلا حاجة لنا بتجربة فرنسا أو غيرها ، لأنه ينبغي القول أن القضاء النزيه مستمد من الإسلام الذي لا يفرق فيه بين حاكم أو محكوم و الكل فيه مسؤول" كلكم مسؤول.." ، ولا عصمة لأي مخلوق فيه من الخطأ و لا تفضيل لأحد على آخر لقوله صلى الله عليه وسلم : " يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل خال رسول الله ، فالخلق كلهم عند الله سواسية ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم " ، فالإسلام الذي يتبناه المغرب كدين للدولة فيه من الضوابط ما يمكن من استبيان الحقائق وتبرير المواقف وفصل الحق عن الباطل ، فهذا هو الإسلام وهذا هو مبدأ فصل السلطات وهذا هو مبدأ الكل سواء أمام القانون ومبدأ القانون يعلى و لا يعلى عليه ، فلا نريد تلفيقا ، فإما خذوا الإسلام كما هو وعدم حصر قوانينه في المساجد و القراءة على الأموات ، أو ابتعدوا عن الاستدلال ببعض الآيات التي توافق هواكم وتشرحونها وفق أهواء علماء آخر الزمان الذين لا يهمهم من الحق إلا مبلغ نقوده ، و أعلنوها دولة علمانية ، فليس الإسلام و لا عقول الشعب المغربي من يتم التلاعب بهما ، فقد ملئت بطوننا وعقولنا من تمثيليات مسرحكم السياسي ودولة الحق و القانون واستقلال القضاء و العدل و المساواة.....
فللأسف فالملك يمارس حق العفو في أية قضية رغم حساسيتها لمشاعر المواطنين أو أسر الضحايا دون أي اعتبار للسلطة القضائية واستقلالها في مجتمع تتردد فيه أنه في تحول نحو الديمقراطية ، ودون أي اعتبار للقصاص في الإسلام وربطه بإمارة المؤمنين ، فقد بدأت ثغرات الدستور التي من شأنها أن تطمس أي محاولة للانجرار نحو بلد يسود فيه العدل بدل إهداره و الرجوع إلى التاريخ الاستعماري لربح المصالح ، فلقد تبين أن مشرعي الدستور كانوا أذكى في عدم التحديد وعدم حصر العفو في قضايا معينة ، و كانوا أذكى من الأحزاب و المنظمات الحقوقية المسرعة نحو مصالح بعينها بدل إنتاج دستور يحتوي على عدة ثغرات تمس بشرف وكرامة المواطنين ، لكن لا يسعنا إلا أن نتأسى على مثل هذه الإجراءات التي يغيب فيها العدل واستقلالية القضاء لأنه و للأسف دستوري بامتياز مارس الملك فيه حقه.
وفي الختام : فالملك خوان كارلوس توسط لأبناء وطنه في غير بلده و إن كانوا مجرمين تعدى إجرامهم العرض و الشرف ليس المغربي فقط و إنما الإنساني في كل بقاع العالم ، فمن ذا الذي يتوسط لنا في بلادنا من أجل أن نتمتع فقط بحقوق الأقلية المسلمة في المغرب و الالتفاتة إلى المضايقات التي تتعرض لها في معتقداتها و أعراض أبنائها ، أما الأغلبية فلم تعد بأيدينا .
وعلى قول الشاعر: العدل لا تمطره السماء، و الجور قد يرفعه الدعاء، وبطش الله ليس له مرد، وبطش العبد أقصاه انتهاء، وحكم الظلم ليس له دوام، وحكم الحق شيمته البقاء، فجاهر بقول الحق واصبر، وعند الله في ذاك الجزاء.
فلا أعرف كم ستطول مدة سجني لقولي كلمة حق؟ لكنني على علم تام أنني لن أنال عفوا ملكيا ، لأنني بالأول و الأخير لست أجنبيا منتهكا لأعراض الطفولة المغربية و الشعب المغربي ، و إنما أنا قلم حر ينزف ألما من إلهام ضميري بعيدا عن الجبن و النفاق و الرياء ، فاغفروا لي حزني وغضبي وكلماتي القاسية إن تطاولت على فئتكم الأغلبية ، فبعضكم سيقول كلماتي بذيئة ، لا بأس .. فأروني موقفا أكثر بذاءة مما نحن فيه.
طارق البياري / الجزائر تايمز
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)