\"مذكرات حول أحداث أكتوبر 1988\"

حدثنا الدبلوماسي الجزائري القدير صالح بلقبي الذي كان يدرسنا مقياس الميثاق الوطني بالمدرسة الوطنية للإدارة أيام كان الميثاق الوطني يمثل مرجعية الدولة الجزائرية , و يحتل قمة هرم النصوص القانونية فيها. أنه لما كان سفيرا للجزائر بليبيا . كان كثيرا ما يسمع العقيد الليبي معمر ألقذافي يذكر الشعب الجزائري…

أكتوبر 03, 2013 - 17:26
تم التحديث: 13 سنوات منذ
1 2.3ك
\"مذكرات حول أحداث أكتوبر 1988\"

حدثنا الدبلوماسي الجزائري القدير صالح بلقبي الذي كان يدرسنا مقياس الميثاق الوطني بالمدرسة الوطنية للإدارة أيام كان الميثاق الوطني يمثل مرجعية الدولة الجزائرية , و يحتل قمة هرم النصوص القانونية فيها. أنه لما كان سفيرا للجزائر بليبيا . كان كثيرا ما يسمع العقيد الليبي معمر ألقذافي يذكر الشعب الجزائري بشعب المليون شهيد. و في أحد لقاءاته معه قال قلت للعقيد الشعب الجزائري لم يدفع فداء لحريته بمليون شهيد فقط , و إنما مليون و نصف مليون شهيد. فأجابه القذافي بسليقته البدوية المعهودة : نعم لكن النصف مليون أنتم الذين قتلتموه.

مع بداية شهر أكتوبر 1988 بدأ لهيب الثورة يلوح في أفق الجزائر...اندلعت الشرارة الأولى بمصنع رويبا للعجائن بطريقة رمزية حيث قام العمال بإنزال العلم الوطني و رفعوا مكانه كيس دقيق فارغ تعبيرا عن سخطهم من الوضع الاجتماعي و الاقتصادي المزري الذي يعيشه العامل الجزائري .
الشيوعيون عادة ما يرجعون أسباب الثورات إلى الظروف الاجتماعية (ثورات جياع) متناسين أن هذه الأخيرة تأتي كنتيجة حتمية لفشل الساسة في تسيير البلاد. كما أن الشعوب الواعية تثور دفاعا عن حريتها, و ليست حيوانات لا تحركها سوى شهواتها. لهذا عمد بعض اليساريين في الجزائر و منهم الهاشمي الشريف , و لويزه حنون إلى الاجتهاد في حصر ثورة أكتوبر في هذه الزاوية الضيقة, و بالتالي إفراغها من محتوياتها القيمة و أبعادها السياسية , و هذا ازدراء للشعب الجزائري و انتقاص من قيمته.

هذه القراءة الخاطئة و المضللة للأحداث ذكرتني بكسرى ملك الفرس حين ثارت عليه بعض القبائل العربية , و جاءته بجحافلها لتنتقم لكرامتها , فأعتقد بأنها ثارت بسبب الجوع , فأرسل لها عيرا من الرطب معتقدا بأنها ستأكل حتى تشبع ثم تعود لديارها - تماما كالأنعام - فأخطأ في فهم العقلية العربية و وعاها متأخرا بعد أن أذاقوه هزيمة نكراء .

بدأ الشباب في التجمهر في الأحياء و رفع الشعارات المنادية بسقوط النظام و رحيل رموزه , و على رأسهم رئيس الجمهورية , و مسئول الأمانة الدائمة للجنة المركزية للحزب المرحوم محمد الشريف مساعديه , و شرعت قوات الأمن في التدخل بعنف لتفريق المتظاهرين مستعملة جميع الوسائل بما فيها الذخيرة الحية التي لم تتردد طويلا في استعمالها لتعطي للأحداث صبغة درامية و ترفع عدد الضحايا إلى رقم مخيف في فترة وجيزة , وهذا ما زاد في لهيب الثورة التي عمت تقريبا جميع أحياء العاصمة في وقت قياسي لتصل إلى الأحياء الراقية كحيدره و الأبيار و بن عكنون حيث تقع معظم سفارات الدول الأجنبية .

كان رد الشباب أعنف من خلال أعمال التخريب و الحرق التي طالت الكثير من المرافق العمومية و مقر بعض الوزارات على غرار وزارة الشبيبة و الرياضة التي أحرقت بكاملها . و قد بلغ الأمر حد الاشتباك المسلح بين قوات الأمن و بعض المواطنين الذين استعانوا ببنادق الصيد كرد فعل عن الإسراف في القتل الذي مارسته قوات الأمن بأسفل حي القصبة و باب الوادي.

في اليوم الرابع من شهر أكتوبر كانت كل العاصمة في حالة غليان حقيقي...كنا في جماعة نتجمهر أمام بيت الروائي "الطاهر وطار" بحي حيدرة – أمام المدرسة الوطنية للإدارة- حين لمحنا هذا الأخير يخرج من بيته متكئا على عكازه و هو يجر نفسه بعناء . إذ كان يعاني على ما يبدو من مرض في قدميه.. أقترب منا و هو يحملق في الفضاء يتابع مروحية عسكرية و هي تجوب الأجواء ذهابا و إيابا, ثم قال و هو يخاطبنا بأسلوب أختلط جده بهزله...ننتظر لمن تكن الغلبة فنميل حيث تميل .
قلت في قراره نفسي إن كان يقصد بكلامه المزاح فتلك مصيبة. لأن الجو العبوس المخيم يستدعي العويل, و ليس المزاح... و إن كان يقصد ما يقول فالمصيبة أعظم.

الأنظمة الاستبدادية تصنع دائما نخبة من المثقفين و الفنانين و الرياضيين تزين بها حدائقها البشعة.لكنها ورود بلاستيكية مزيفة تبهرك بمنظرها من بعيد. لكن كلما اقتربت منها يتلاشى بريقها و تكشفت لك عن وجهها القبيح...

أغلبية المثقفين الجزائريين اختاروا التخندق في صف النظام. يقتاتون من فتات موائده. مديرين ظهورهم لتطلعات الشعب, و آماله. و من جهته قام النظام بتضخيمهم, و الرفع من شأنهم ليروج بهم لمشاريعه, و نسوا الدور ألطلائعي الذي من المفروض أن يقومون به. و المتمثل في وضع معالم الطريق الذي تسلكه الأمة.

فالثورة الفرنسية لم تأت من فراغ, بل هي ثمرة أفكار بذرها فلاسفة و مثقفون على مر السنين. من أمثال "مونتيسكيو" صاحب كتاب روح القانون و مبتدع مبدأ الفصل بين السلطات الذي اعتمدته كل الدساتير الديمقراطية الحديثة , و "جون جاك روسو" صاحب العقد الاجتماعي . الذي قلب به كل المفاهيم السياسية البالية ليؤسس لعصر جديد...هؤلاء العمالقة هم الذين هيئوا الأرضية التي انطلقت منها الثورة الفرنسية , و غيروا بفكرهم مجرى التاريخ.‬
 

مراد أبوعبادة

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (1)

User
حياة
حياة 13 سنوات منذ
<strong>الجزائر يحكمها حركى طغاة</strong> يسقط يسقط حكم العسكر الجزائر دولة ماهيش معسكر ،الإنقلاب هو الإرهاب ـ الإنقلاب هو الإرهاب ، والحركى الأشرار أذناب الإستعمار يحكمون بالحديد والنار بتزوير الإنتخاب من وراء الستار.