الطوراق و دولة \" أزواد \". عوامل الانفصال وتحديات الاعتراف
جاء إعلان طوارق مالي بالانفصال، وتأسيس دولة أزواد في السادس من أبريل 2012، ليزيد من حدة الوضع المتدهور في مالي عقب الانقلاب العسكري، الذي أطاح بالرئيس "أمادو توماني"، وليلقي بظلال من الخوف على وحدة وانسجام دول الجوار الإقليمي، خصوصا الجزائر والنيجر، نظراً للتواصل الجغرافي لمناطق الطوارق، بين مالي…
جاء إعلان طوارق مالي بالانفصال، وتأسيس دولة أزواد في السادس من أبريل 2012، ليزيد من حدة الوضع المتدهور في مالي عقب الانقلاب العسكري، الذي أطاح بالرئيس "أمادو توماني"، وليلقي بظلال من الخوف على وحدة وانسجام دول الجوار الإقليمي، خصوصا الجزائر والنيجر، نظراً للتواصل الجغرافي لمناطق الطوارق، بين مالي وهاتين الدولتين.
- تاريخ من التمرد
الطوارق شعب من الرحل يقطنون في مساحة شاسعة من الصحراء الافريقية الكبرى، ويتوزعون بشكل أساسي بين النيجر ومالي والجزائر وليبيا، حيث تستحوذ مالي والنيجر فقط على 85% منهم. ويتركز طوارق مالي في شمالها في ثلاث مناطق هي: أزواد - والمعروفة داخليا باسم كيدال - وغاو وتمبكتو.
وقد اتسمت العلاقة بين الطوارق في شمال مالي والحكومة المركزية، بالطابع الصراعي تخللتها فترات هدوء متقطعة منذ استقلال مالي في عام 1960، حتى إعلان انفصال أزواد. فعقب استقلال مالي لم يبد "مودي بوكيتا" أول رئيس للبلاد، أي اهتمام بتنمية مناطق الطوارق، والتي عانت من فقدان مقومات البنية الأساسية، ومارس سياسة تعسفية تجاههم، مما ولد لديهم شعوراً بالغبن والتهميش، وهو ما جعلهم يعلنون عن تمردهم ضد الحكومة المركزية في عام 1963 انطلاقا من كيدال، مطالبين بحقوقهم السياسية، إلا أن القوات المالية تمكنت من قمع تمردهم بشدة. وسرعان ما ثاروا مرة أخرى للأسباب ذاتها في عام 1990، لكن تم قمعهم بشدة أيضاً. وقد ظلت المناوشات بين الطرفين تندلع من حين لآخر، إلى أن تطورت إلى عملية تمرد واسعة في مايو 2006، رفع خلالها الطوارق مطالب بالحكم الذاتي لمناطقهم. وقد انتهى هذا التمرد بعد الوساطة الجزائرية والتي أسفرت عن توقيع اتفاق بين الحكومة المالية ومقاتلي الطوارق في يوليو 2006، نص على " ان يتخلى المقاتلون الطوارق عن المطالبة بالحكم الذاتي لمنطقتهم، في حين تتعهد الحكومة المالية بالتسريع في تنمية مناطق الطوارق". ورغم ذلك ظلت الأسباب المحركة للتمرد كامنة لدى الطوارق تتحين الفرص للإعلان عن نفسها، لكنها بمرور الوقت تطورت للمطالبة بالانفصال وتأسيس دولة لهم، على غرار جنوب السودان.
- الحركات المسلحة بأزواد:
قادت ستة تنظيمات طوارقية مسلحة عمليات المواجهة مع النظام الحاكم في مالي خلال مراحل التمرد المتقطعة، والتي يمكن ذكرها فيما يأتى:
1- الحركة الشعبية لتحرير أزواد: وهي التنظيم الرئيسي الأول الذي مثل تاريخيا - إطارا جامعا لتمرد الطوارق السياسي والعسكري ضد الحكومة المركزية في باماكو.
2- حركة أنصار الدين السلفية: ويعرّفها مؤسسوها بأنها "حركة شعبية جهادية سلفية" تلبي البعد القبلي والقومي والانفصالي لدى الطوارق، وتتناغم مع الدعوة الجهادية المنتشرة هناك، حيث تدعو لتطبيق الشريعة «بواسطة الكفاح المسلح، ويتردد ارتباطها بـ"بتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي".
3- الجبهة العربية الإسلامية لتحرير أزواد: تأسست عام 1989، وهي إطار سياسي يعكس الهوية العربية الإسلامية للإقليم بصفة خاصة.
4- الجيش الثوري لتحرير أزواد: وهو فصيل مسلح حمل السلاح في وجه الحكومة المركزية.
5- الجبهة الشعبية لتحرير أزواد: يقودها "غيسي أغ محمد" ولم توقع أي اتفاق مع الحكومة المالية، ولذلك يحظى قائدها باحترام كبير في أوساط السكان.
6- الحركة الوطنية لتحرير أزواد: تأسست عام 2010، وتشكلت من قوميين وليبراليين ومستقلين. وتروج في أدبياتها باعتبارها حركة تمثل كل سكان الإقليم.
- إعلان انفصال أزواد:
كان لسقوط نظام العقيد القذافي، وما ترتب عليه من عودة 7000 من المسلحين الطوارق حاملين معهم كميات كبيرة من الاسلحة المتطورة، بعد أن شاركوا في القتال في صفوف القذافي خلال الثورة الليبية، أثر بالغ على تجدد الصراع بين الطوارق والحكومة المركزية في مالي، والذي بدأ منذ منتصف يناير 2012 حيث تمكن الطوارق من السيطرة على عدة مُدن في الشمال وقرب الحدود مع الجزائر، ولم يستطع الجيش الحكومي الذي يعاني من نقص في السلاح والعتاد، من التصدي لهم. وقد ولد ذلك شعوراً بالخوف على وحدة البلاد لدى عدد من قيادات الجيش المالي. في ظل هذه الأوضاع المضطربة، وقع انقلاب عسكري في مالي في 22 مارس 2012 بقيادة "أمادو سونوجو"، والذي أسقط نظام الرئيس "أمادو توماني"، وقد برر القيام بهذا الانقلاب بدعوى عجز نظام توماني عن إدارة تمرد الطوارق، وإهماله لتسليح الجيش الوطني.
وقد استغل الطوارق هذا الانقلاب، وفراغ السلطة في باماكو وتزايد حالة العزلة التي عانى منها منفذو الانقلاب، فقامت حركة أنصار الدين المسلحة، بالاستيلاء على مدينة كيدال في 30 مارس 2012، تبعها الاستيلاء على مدينة غاو، في حين تمكنت الحركة الوطنية لتحرير ازواد من الاستيلاء على مدينة تمبكتو، وقد تم الاستيلاء على المدن الثلاث دون مقاومة تذكر من الجيش المالي، حيث تخوف قادة الانقلاب، من الدخول في مواجهة على جبهتين في آن واحد الأولى: جبهة الطوارق والتي بدت متماسكة، والأخرى: جبهة أنصار الرئيس المخلوع "توماني". ومن ثم آثر قادة الانقلاب الانسحاب من ساحة المعركة مع الطوارق، والتركيز على تأمين العاصمة باماكو، وهو ما أتاح الفرصة لمسلحي الطوارق من السيطرة على المناطق الثلاث بسهولة ويسر.
وعقب ذلك أعلنت الحركة الوطنية لتحرير ازاواد في 6 أبريل 2012 اعلان انفصال أزواد كدولة مستقلة، ودعت المجتمع الدولي إلى الاعتراف بهذه الدولة بقوة الواقع، وحددت معالمها لتشمل مدينتي «كيدال وغاو »، إضافة «تمبكتو»، وقد قدمت الحركة الوطنية لتحرير أزواد - من خلال ما أسمته بيان استقلال أزواد - الضمانات التي يفترض أن تكون مطمئنة من أنها ستحترم حدود الدول المجاورة، وتعهدت بالعمل على توفير الأمن، والشروع فى بناء مؤسسات تتوج بدستور ديموقراطى لدولة «أزواد».
كما تعهدت بإخراج الجماعات الجهادية المسلحة و« وتنظيم القاعدة» من البلاد، وحقيقة الأمر أن التصدي لهذه الجماعات يعد من أكثر التحديات التي ستواجة قادة الانفصال. فمن المعلوم أن أفراد تنظيم القاعدة كانوا يتنقلون في هذا الإقليم ضمن حماية بعض الجماعات القبلية في المنطقة، ولم يكن في إمكان الدول الغربية مطالبة السلطات المالية بحل هذا المشكل نظرا لهشاشة النفوذ المالي بالمنطقة، إلا أن إعلان قيام دولة في "أزواد" سيفرض عليها محاولة الحد من تحركات هذه الجماعات لإبعاد شبه الإرهاب عنها، وهو ما سيضعها في صدام مباشر معها مما قد يؤدي إلى تقويض مشروع دولة الطوارق في مهده.
- موقف الانقلابيين من الانفصال
أدرك قادة الانقلاب العسكري في باماكو صعوبة تلقي أي دعم لمواجهة الموقف في شمال البلاد في ظل إدانة المجتمع الدولي لهم، ومن ثم اعلنوا عن قبولهم إعادة السلطة إلى المدنيين والعودة للمؤسسات التي نص عليها الدستور، وتولي رئيس الجمعية الوطنية (البرلمان) للرئاسة لمرحلة انتقالية مع رئيس للوزراء وحكومة انتقالية، بهدف إعادة توحيد البلاد، وإعطاء الفرصة للتكتل الإقليمي للتدخل في الشمال وقد تم التوصل لذلك في إطار اتفاق مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (الإيكواس). وفور تسلم الرئيس الانتقالي مهامه في 12 أبريل 2012 دعا حركات الطوارق المسلحة للعودة إلى كنف الدولة، والانسحاب من المدن التي احتلوها، مهددا إياهم في حالة رفضهم بشن حرب شاملة وماحقة لدحرهم، ملمحا بتعاونهم مع عناصر"تنظيم القاعد في المغرب الاسلامي" وربما أراد بذلك لفت انتباه الدول الغربية لخطورة الموقف، والحصول على الدعم العسكري، حال شن الحرب ضد الطوارق.
- ردود الافعال الاقليمية والدولية
قوبل الإعلان عن انفصال أزواد، برفض إقليمي ودولي واسعين، ولم تعترف أي دولة بأزواد سوى بعض الدويلات في الكاريبي، وإقليميا جاءت أكثر المواقف رفضا من كل من الجزائر والنيجر، نظراً لتخوفهما من إعادة انتاج فكرة الانفصال في مناطق الطوارق لديهما. وفي هذا الصدد تحركت الجزائر على جبهتين، حيث سارعت السلطات إلى الاجتماع بقيادات قبائل الطوارق الجزائريين في ولاية تمنراست. وحصلت على وعد من زعيم الطوارق لديها امين العقال - والذي يمثل السلطة الروحية للطوارق - بالتنسيق ومساندة الدولة الجزائرية في الحفاظ على استقرار المنطقة.
ومن ناحية ثانية شاركت الجزائر في اجتماع وزراء خارجية "دول الميدان التي تضم كلا من الجزائر ومالي وموريتانيا والنيجر، في غياب مالي، والذي عقد في نواكشوط في التاسع من أبريل 2012. وأكدت تلك الدول على رفضها الإعلان من جانب واحد عن انفصال أزواد، ودعوا إلى الشروع في عملية تفاوضية بين الحكومة الانتقالية والطوارق. كما دعت الجزائر إلى اجتماع مماثل للقيادة العسكرية الموحدة لهيئات أركان جيوش دول الميدان، والتي تختص بالتدخل العسكري في مثل هذا النوع من الملفات خصوصا تلك التي تتعلق بالإرهاب، إلا أنها لم تتخذ قراراً بالتدخل ضد طوارق مالي، ربما انتظاراً لاستقرار الأوضاع في باماكو.
وجاء موقف دول دول غرب افريقيا الاعضاء في مجموعة (إيكواس) أكثر قوة، حيث قرروا ارسال قوات عسكرية الى مالي لمساعدة حكومتها الانتقالية في قتالها ضد الطوارق، في حين أعلن الاتحاد الأفريقي عن رفضه لإعلان الانفصال معتبراً أنه لا قيمة له، وشدد على حرصه على وحدة وسلامة أراضي مالي. ومن ثم فقد جاءت مجمل المواقف الاقليمية داعمة لوحدة مالي، خوفاً من إعادة إنتاج جنوب سودان جديد في أفريقيا، وما يترتب على ذلك من استشراء عدوى الانفصال لدول أفريقية أخرى.
ودولياً، فقد رفضت فرنسا القوة المستعمرة السابقة إعلان استقلال أزواد، لكنها نحت جانباً خيار التعامل العسكري ضد الطوارق، ودعت إلى تغليب لغة الحوار وهو الموقف نفسه الذي تبنته بقية دول الاتحاد الأوروبي، في حين رفضت الولايات المتحدة إعلان الانفصال من طرف واحد، ودعت إلى الحفاظ على وحدة أراضي مالي، وربما يعطي هذا الموقف مؤشراً على إمكانية دعم الولايات المتحدة لمالي عسكريا لاستعادة سيادتها على شمالها، مما سيساعد على تحقيق هدف واشنطن بضرب الوجود القوي للقاعدة في تلك المنطقة.
وهكذا فإن قدرة "دولة أزواد" على البقاء تظل مرهونة بقدرة السلطات المالية على استعادة الاستقرار، واختيار رئيس قوي قادر على حسم الأمور إما عسكريا، وهو خيار قد يكون مستبعداً في ظل القوة التسليحية للطوارق مقارنة بالجيش المالي، وإما سياسياً من خلال فتح قنوات للحوار والتفاوض مع الحركات المسلحلة، على أساس منح الطوارق حكماً ذاتياً، لاسيما بعد أن أصبحت سيطرة الطوارق على المناطق الثلاث أمراً واقعاً، وهو الخيار الأقرب لحلحلة الأزمة.
الجزائر تايمز سامي صبري عبد القوي
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (15)