بين نشوة الفرحة و وطأة المعاناة نحن في حاجة إلى روح المقاومة لنحافظ على كياننا من الضياع
كان يوم 19 نوفمبر2013 يوما صاخبا في جميع المدن و القرى داخل الجزائر و في كل مكان تواجدت فيه الجالية الجزائرية في العالم. ليس لأن الجزائريين انتصروا في حرب و لا لأنهم اخترعوا علاجا للسرطان و لا حتى لأنهم فازوا بكأس العالم في كرة القدم، و إنما لأنهم تأهلوا للدورة القادمة من مباريات كأس العالم في…
كان يوم 19 نوفمبر2013 يوما صاخبا في جميع المدن و القرى داخل الجزائر و في كل مكان تواجدت فيه الجالية الجزائرية في العالم. ليس لأن الجزائريين انتصروا في حرب و لا لأنهم اخترعوا علاجا للسرطان و لا حتى لأنهم فازوا بكأس العالم في كرة القدم، و إنما لأنهم تأهلوا للدورة القادمة من مباريات كأس العالم في البرازيل على حساب بركينافاسو أنا أيضا فرحت بطريقتي نحن نعيش في عالم متحرك يملؤه النشاط و يطحنه التنافس على بسط النفوذ و التفوق و من حقنا أن نشارك هذا العالم نشاطه و ننافس الآخرين لنكون نحن الأحسن و الأفضل و الأسعد و الأقوى.
و لذلك فإن فرحتنا بتحقيق النصر مشتركة و طموحنا الى مزيد من التفوق لا نقاش فيه، هذه مسائل مبدئية لا مقايضة عليها تحت أي مسمى و لكن هل نحن مقدِّرون لقيمة الانتصار و شاعرون بالمسؤولية عليه و قادرون للحفاظ عليه و مستعدون للتضحية من اجل ذلك؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي ينبغي علينا أن نجيب عنه بعد أن يصحو الجميع من سكرة الجنون التي اصابت الناس بهذا الانجاز البسيط كم من انتصار حققنا في حياتنا من قبل؟ و أين هي مكاسب انتصاراتنا اليوم؟ إن أعظم انتصار حققه الشعب الجزائري في تاريخه هو انتصاره على الجيش الفرنسي الذي احتل ارضه و استباح عرضه و مسخ هويته.
و خروج الشعب برجاله و نسائه في حويلية سنة 1962 إلى الشوارع و الساحات للاحتفال بإعلان الاستقلال أكبر دليل على الفرحة التي غمرته أين هو الاستقلال اليوم بعد أن أصبح البعض يتمنى عودة فرنسا و البعض الاخر يدعو الى ثورة و البعض يلقي بنفسه في عرض البحر هربا من الجزائر المستقلة الى فرنسا؟
لقد أصبح الاستقلال أثرا بعد عين حتى و إن تغنى به بعض المغفلين او الانتهازيين إننا شعب مستهدف من طرف عدو خبيث عرف كيف يقتل فينا الحافز على الحفاظ على مكتسباتنا و ينفخ فينا شهوة الفرحة العابرة المشحونة بالصخب و الغضب و العنفوان؛ فنحن نفرح ليس تعبيرا عن سعادتنا و إنما لأن الآخرين أقاموا لنا مهرجانا لننفس فيه عن مكبوتاتنا النفسية بمظاهر الفرح و بمجرد أن ينتهي المهرجان و يستفرغ الكبت الكامن فينا تتبخر فرحتنا و كأنها كانت سرابا لا وجود له في حياتنا و لا أثر له في واقعنا المعاش لنعود الى تجرع مآسينا من جديد و كأننا لم نفرح. فرحتنا يوم 19 نوفمبر صنعها جزائريون من انتاج فرنسي و ليس من انتاج الجزائر و فرحتنا ليست بما أنجزوه من عمل و انما بالفوز و لو أنهم خسروا رغم كل ما بذلوه من الجهد فاننا لن نشعر بشيء من الفرحة ابدا لان كل ما يعنينا في القضية ان يقال عنا اننا تأهلنا للدور القادم بغض النظر عن معنى ذلك و قيمته.
و بما سنفرح بنفس الشكل لو ان اكبر سراق في العالم كان منا و لا يهمنا كيف حصل ذلك. و لذلك فنحن لا نملك من مصير الدور القادم شيئا غير انتظار ما سيصنعه اللاعبون الذين استأجرناهم رغم انهم محسوبين علينا فما داموا قد ربحوا المباراة فهو تفضل منهم علينا نفَّسنا فيه عن مخزون المعاناة التي يملأ قلوبنا، و الحمد لله انهم لم يخسروا لان ذلك كان سيتسبب لنا في خسائر مادية و بشرية بدون طائل.
اما اذا خسروا المباراة في الدور القادم فإنهم سيعودون من البرازيل إلى فرنسا و كأن شيئا لم يكن لانهم لاعبون محترفون هذا شغلهم مع كل من يدفع لهم و قد لعبوا من اجل السلطة و تقاضوا اجرهم كاملا منها و انتهت القضية، أما الشعب الجزائري المغفل فلم تكن بينهم و بينه أي علاقة و قد فرح و شطح عندما غلبوا بركينا فاسوا و ليشرب من ماء البحر اذا خسروا امام المانيا و ليفرغ غضبه في تخريب ممتلكاته العمومية و الخاصة هذا هو واقع الحال مهما أصر الناس على الاستغراق في عالم الوهم و الاعتقاد بانهم يعبرون عن حقيقة حالهم لأن اغلبية الجزائريين فقدت فعلا الحرية حتى في الفرح و الحزن و اصبحت تخضع في ذلك لما يريده الاوصياء عليها.
و لا حول و لا قوة الا بالله لقد تجاوزت الوصاية الفرنسية على الجزائر كل الحدود و تعدت خيانة السلطة القائمة سقف المعقول و لم يصبح التلاعب بمقدرات الجزائر مقتصرا على الأرض و الثروة و الدولة وحدها و انما صار يشمل حتى وجدان الشعب الجزائري الذي تم تفكيك بنيته الاجتماعية تماما و أصبح عبارة عن كم هائل من السكان تجمعها الجغرافيا و لكن تحكمها المصالح الشخصية ابتداء من لقمة العيش و انتهاء بالطموح إلى النيابة عن فرنسا في الحكم إن هذا الواقع المر الذي ينذر بانهيار كامل للمجتمع قد يتسبب في كارثة وطنية حقيقية يستدعي استنفار كل من بقيت فيه ذرة من عقل او انتماء حقيقي لهذا الشعب من أجل تشكيل حركة وطنية للمقاومة تتكفل بالمحافظة على كينونة الجزائر كشعب و وطن و دولة بناء على ما جاء في بيان اول نوفمبر 1954 و تناضل من أجل تجسيد الاستقلال في الواقع المعاش.
حركة مقاومة شعبية شاملة في مقابل كل أنواع الوصاية الاستعمارية تتجاوز الأطر القائمة في العمل السياسي و التوعوي إلى التواجد الفعال في الحياة اليومية للمواطن و تجنيده عمليا من أجل التصدي إلى كل مشاريع التدمير الذاتي التي تستهدف الجزائر شعبا و دولة و وطنا و تحطيم معاول الهدم مهما كنت صناعتها و أشكالها و بكل ما يقتضيه الدفاع عن النفس من وسائل و أساليب. لقد أصبح واضحا أن الخونة المتمسكين بالسلطة عزموا أمرهم على اتمام صفقة بيع الجزائر للإستعمار في أقرب الآجال و لم يبق أمام الشعب الجزائري سوى أخذ المبادرة للدفاع عن نفسه بكل الطرق و الوسائل أو على الأقل الاستعداد لذلك من طرف من أسعفتهم عقولهم لاستشراف المستقبل القاتم لشعبهم و وطنهم لأن كل آت قريب و من لم يتمكن من رؤية الخطر القادم ببصيرته اليوم فسيحصل له عين اليقين بذلك عندما ينكشف الغبار في المستقبل القريب.
النقيب محمد شوشان
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (3)