الانسداد السياسي يحرم تونس من نصف مليار دولار
أعلن صندوق النقد الدولي أن تونس لن تتحصل على القسط الثاني من قرض الصندوق المقدر بـ500 مليون دولار بسبب عدم قدرتها على تعبئة موارد مالية من أسواق رؤوس الأموال بعد تخفيضات متتالية بخصوص تصنيفها السيادي في وقت بدا فيه النمو الاقتصادي يفقد نسقه نتيجة انعدام الرؤية السياسية والانفلات الأمني وغياب…
أعلن صندوق النقد الدولي أن تونس لن تتحصل على القسط الثاني من قرض الصندوق المقدر بـ500 مليون دولار بسبب عدم قدرتها على تعبئة موارد مالية من أسواق رؤوس الأموال بعد تخفيضات متتالية بخصوص تصنيفها السيادي في وقت بدا فيه النمو الاقتصادي يفقد نسقه نتيجة انعدام الرؤية السياسية والانفلات الأمني وغياب الإصلاحات.
وقال الصندوق في تقرير نشره الجمعة إن تونس غير قادرة في الوقت الحالي على تعبئة موارد مالية من المصادر التقليدية في أسواق رؤوس الأموال بعد أن قامت وكالات الترقيم بتخفيض تصنيفها السيادي عدة مرات منذ الإطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي في يناير/كانون الثاني 2011 مؤكدا أنها لن تتحصل على القسط الثاني من قرض الصندوق المقدر بـ500 مليون دولار إلا بعد تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي.
وأشار تقرير الصندوق إلى أن نسبة النمو الاقتصادي في تونس ستستقر عند 2.6 بالمائة خلال سنة 2013 بعد أن توقعت الحكومة تحقيق 4.5 بالمائة سابقا ملاحظا أن النمو الاقتصادي بدأ يفقد نسقه بسبب انعدام الرؤية السياسية والأحداث الأمنية التي أضرت بالسياحة وانعكست سلبا على الاستثمار الاجنبي إضافة إلى استمرار النمو ضعيفا ببلدان الاتحاد الاوروبي وتعقد الأوضاع بليبيا.
ضبابية سياسية
ويأتي قرار الصندوق في وقت تتخبط فيه البلاد في أزمة اقتصادية خانقة بسبب غياب أي أفق سياسي في ظل فشل الحوار الوطني بين حركة النهضة الإسلامية الحاكمة والمعارضة بشأن التوافق على رئيس حكومة جديد يتولى تشكيل حكومة كفاءات غير متحزبة تعهد إليها مهمة إخراج البلاد من الأزمة التي تعصف بها منذ أربعة أشهر.
وخلال الأيام القليلة الماضية أبدى العديد من المؤسسات المالية الإقليمية والدولية والتونسية قلقها تجاه تعثر الحوار الوطني بعد أن أعلن حسين العباسي الأمين العام للإتحاد العام التونسي للشغل الراعي الأساسي للحوار عن إمهال الفرقاء السياسيين إلى يوم 14 ديسمبر/كانون الاول الحالي كأجل نهائي للتوصل إلى اختيار رئيس الحكومة.
وقال محافظ البنك المركزي، الشاذلي العياري إن إمهال الحوار الوطني إلى تاريخ 14 ديسمبر، لا يعطي إشارة إيجابية لا في الداخل ولا في الخارج، مضيفا انه لم يعد يعرف بماذا يجيب عندما يسأل شركاء تونس الأجانب عن الأوضاع في تونس قائلا "لم أعد أعرف ماذا أقول عما يحدث في تونس".
وأكد العياري أن الاقتصاد التونسي دخل مرحلة الخطر خلال هذه الفترة، مشددا على أنه "قد تصل تونس مع نهاية 2013 إلى وضع كارثي.. وصلنا لمستويات تضخم لم نعهدها من قبل، حيث بلغ الآن 6 بالمائة، ولسنا الأسوأ في العالم، لكن الأسوأ في تونس منذ السبعينات".
ويأتي قرار صندوق النقد الدولي في وقت يتراجع فيه التصنيف الائتماني السيادي لتونس.
فقد خفضت وكالة "موديز" للتصنيف المالي في أواخر نوفمبر/تشرين الماضي الترقيم السيادي لتونس لمرة الثانية على التوالي من (ب أ 2) إلى (ب أ 3) مع آفاق سلبية.
وأرجعت الوكالة التخفيض إلى نقاط أساسية أهمها "حالة عدم اليقين السياسي" و"الاستقطاب الثنائي المتنامي" إضافة إلى "انعدام الأمن" و"مخاطر الإرهاب" التي باتت تهدد البلاد.
ويقول صندوق النقد الدولي أن المحادثات مع تونس بشأن الإصلاحات الاقتصادية وصلت إلى مرحلة "متقدمة جدا" إلا أنها لا تزال غير كافية للإفراج عن قروض جديدة.
غير أنه يلاحظ أن "الصدمات" الداخلية والخارجية التي ضربت البلاد و"المخاض الطويل" للعملية الانتقالية السياسية وما رافقها من حوادث أمنية وتوسع الاضطرابات الاجتماعية كان لها أثر سلبي على الثقة في الاقتصاد الأمر الذي أدى إلى تباطؤ في النمو وتأخير في البدء بإصلاحات وإطالة فترة الحذر من جانب المستثمرين.
مخاطر قتصادية وشيكة
وكان الصندوق أفرج عن خط ائتماني بقيمة 1,7 مليار دولار لصالح بلدان تشهد عمليات انتقالية سياسية ديمقراطية غير أن الدفعات المقررة أواسط سبتمبر/ايلول إلى ديسمبر تم إرجاؤها بسبب الأزمة السياسية في تونس.
وتحذر المؤسسة النقدية الدولية من أن المخاطر على المدى القصير لتوقعات الاقتصاد التونسي كبيرة وتتجه إلى الانخفاض داعيا إلى خطوات "طارئة" لتجاوز العجز والتقليل من هشاشة القطاع المصرفي.
ولم تتجاوز نسبة النمو الاقتصادي 2 بالمائة هذا العام في وقت كان يتوقع صندوق النقد الدولي بلوغها 3 بالمائة وعلى الرغم من أن الحكومة تقول أنها عازمة على تحقيق نسبة نمو تقدر بـ 4 فاصل 5 بالمائة وهي توقعات تبدو غير علمية بالنظر إلى خطورة الأزمة السياسية وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية في ظل توقف مئات مؤسسات الإنتاج عن العمل وهجرة حوالي 800 مستثمر البلاد للاستثمار في بلدان أخرى.
ويحمل خبراء اقتصاديون حكومة حركة النهضة تدهور الوضع الاقتصادي بسبب غياب خطة تنموية واضحة قادرة على تحسين المؤشرات التي تبدو كارثية حيث بلغت نسبة التضخم 6 في المائة.
ويشدد الخبراء على ضرورة أن تتخذ الحكومة إجراءات فورية وعاجلة لمجابهة عجز الميزانية والعجز الداخلي والخارجي، والحد من نقاط الضعف في القطاع المصرفي وتحقيق نسبة نمو مرتفعة من شانها أن تمتص البطالة وتقلص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية.
لكن الخبراء يؤكدون أن الإجراءات الاقتصادية تبقى غير ذات جدوى في ظل غياب الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني الذي أضر كثيرا بصورة تونس في الخارج وخاصة لدى المؤسسات المالية المانحة التي ما انفكت تبدي قلقها تجاه الوضع في تونس على الرغم من أنها مستعدة من حيث المبدأ لمساعدة البلاد على تخطي الأزمة.
وتبدو حكومة الإسلاميين عاجزة عن مباشرة أية خطة إصلاحية سياسية واقتصادية لا فقط بسبب غياب الإرادة وإنما أساسا بسبب غياب أي نموذج تنموي وسياسي تعتمده لإخراج البلاد من الأزمة التي أنهكت الاقتصاد ومؤسسات الإنتاج وأججت الاحتجاجات الاجتماعية فضلا عن تزايد خطورة الإرهاب التي تقوده الجماعات الإسلامية المسلحة.
ولا يرى السياسيون وكذلك الخبراء في التنمية أي أفق للخروج من الأزمة التي أضرت كثيرا بصورة تونس في الخارج إلا في حال تشكيل حكومة من الكفاءات غير متحزبة قادرة على معالجة الملفات بناء على عنصر الكفاءة والخبرة وليس على أساس اعتبارات حزبية.
ولا تتردد المعارضة في القول أن فشل حكومة حركة النهضة التي قادت البلاد إلى أسوأ أزمة مند السبعينات من القرن الماضي حرم تونس من دعم شركائها الاقتصاديين بعد أن فقدوا الثقة في مدى نجاح المسار الديمقراطي نتيجة تمسك الإسلاميين بالحكم.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)