التاريخ الفعلي للجزائر
آمال حكومة حمروش وصعود الـ(ج.إ.إ/FIS) لقد مثل أكتوبر 1988 بكل تأكيد زلزالا شديدا بالنسبة للطبقة السياسية الجزائرية، أذكر جيدا الانتقادات العنيفة التي كان يوجهها العديد من محافظي حزب (ج.ت.و/FLN) في الولايات (المحافظات) للرئيس الشاذلي بن جديد، ونعته "بالخائن" لكونه خضع لأوامر "حزب فرنسا" وهو ما يعتبر…
آمال حكومة حمروش وصعود الـ(ج.إ.إ/FIS)
لقد مثل أكتوبر 1988 بكل تأكيد زلزالا شديدا بالنسبة للطبقة السياسية الجزائرية، أذكر جيدا الانتقادات العنيفة التي كان يوجهها العديد من محافظي حزب (ج.ت.و/FLN) في الولايات (المحافظات) للرئيس الشاذلي بن جديد، ونعته "بالخائن" لكونه خضع لأوامر "حزب فرنسا" وهو ما يعتبر أفظع شتيمة في الجزائر. فقد كان الكثير من قادة الحزب الواحد في ذلك الوقت المتخوفين من الانفتاح الذي أخذت تتحدد معالمه، لا يفهمون موقف الرئيس الذي كان يبدو أنه يقوم بشن حرب ضد حزب (ج.ت.و/FLN) رمز الثورة.
وبالفعل فقد عرفت البلاد وقتها انقلابا عجيبا في الأوضاع : إن الدستور الجديد المصادق عليه في 28 فبراير 1989 يجيز تعدد الأحزاب ويعترف مبدئيا –ولو بكثير من التحفظ – بالتعددية بكل أشكالها (السياسية، النقابية، الثقافية...) وهذا قد أثار، واغضب، رجال (ج.ت.و/FLN) وخاصة أولئك الذين كانوا يستغلون بطاقة أو عنوان الحزب للاستفادة من الامتيازات المختلفة كالتملك غير القانوني لأملاك الدولة والرشوة والمحسوبية وما شابه ذلك...
وهو ما أصبح أمرا عاديا عند تذوق طعم السلطة وامتيازاتها لاسيما أن مفهوم إعادة توزيع المداخيل لم يدخل بعد في ثقافة هؤلاء السدنة الذين لم تكن الديمقراطية معروفة لديهم، كما كانوا يجهلون تماما وجود أي شيء يسمى سلطة فعلية مضادة..
إلا أن الأمر في الواقع كان يتعلق بانفتاح "تحت الرقابة" ذلك أن التوجيهات التي عجلت بأحداث أكتوبر 1988 كانت تعني حقيقة أن العسكريين "أصحاب القرار" أدركوا أن المحافظة على السلطة لا يمكن أن تتم إلا بهذا الثمن. معولين على استعمال مبدأ "فرق تسد" فأعّد العربي بلخير وحلفاؤه مخططا بسيطا مفاده: اقتسام الواجهة السياسية بين التيار الإسلامي، والتيار الوطني (ج.ت.و/FLN) والتيار المسمى "ديمقراطي" ممثلا في "جبهة القوى الاشتراكية" (ج.ق.إ/FFS) والشيوعيين وحزب الحركة البربرية، "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" (ت.م.ث.د/RCD) الذي حصل على الاعتماد في فبراير 1989. وكما أعلمنا لاحقا، فإن حساباتهم كانت تقوم على تقسيم الأصوات على الأقطاب الثلاثة بنسبة 30% لكل واحد منهم، مع ترك هامش للمناورة بقدر 10% يقدم عند الاقتضاء للبراليين أو المستقلين أو التكنوقراطيين، مهما يكن فالمهم أن القاعدة الشعبية لهذا القطب وذاك تظل محدودة ولا يكون هناك حظ لأي واحد منهم أن يفرض نفسه على الساحة السياسية كقوة وحيدة منفردة.
لقد كان الهدف المتوخى(غير المعلن بطبيعة الحال) هو أن لا تسفر "ديمقراطية الواجهة" هذه عن أية أغلبية مطلقة، وتسمح بذلك لعبة التحالفات اللازمة للحكم "لمحركي الدمى" من مواصلة القيادة والتسيير بفضل البيادق المزروعة هنا وهناك داخل التشكيلات السياسية.
لكن لم يكن يدرك هذه الحسابات في ذلك الوقت إلا القليلون جدا، فالوقت كان للحماس الذي كان يعيدنا بكيفية ما إلى روح ثورة الاستقلال. فبالنسبة للكثير من الجزائريين، كان جيل الفاتح من نوفمبر (ذلك الذي فجر ثورة التحرير الوطني) المجسد في مراد ديدوش، مصطفى بن بولعيد، يوسف زيغود، والكثير غيرهم من المجاهدين الصادقين أبطال تلك الملحمة المجيدة التي ترمز إلى أسمى وأروع أنواع التضحية في سبيل استقلال الجزائر. لقد كان ذلك بالنسبة لي مثلا احتذى به عندما انخرطت في الجيش، واضعا في اعتباري أنه إذا كان أسلافنا الميامين قد سقطوا في ميدان الشرف من اجل تحطيم نير الاستعمار، فإن دور جيلنا هو التضحية من اجل إقامة دولة عصرية تسودها العدالة، تتركز على أسس وقيم نوفمبر 1954 لكي يعيش الشعب الجزائري في كنف العزة والكرامة والازدهار.
بديهيا، أن الذين كانت لديهم هذه القناعات قبل 1988 كانوا يدركون أن تشييد دولة "مثالية" يتطلب الكثير من الوقت والجهد وان النقص والقصور الملاحظ هنا وهناك كان دائما يسجل على حساب نقص التجربة وعدم وجود نخبة قادرة على وضع سياسة حقيقية لإعادة بناء الدولة. كنا نجد دائما الذرائع لتبرير عجزنا الذي ينحصر في شيئين هما التراخي، والمجاملة. ولا أحد كان يجرؤ على ذكر نقص الشفافية، وغياب الحرية، وضعف روح المبادرة. غير أنني لم أفقد الأمل، وعكس الكثير من زملائي، فقد كنت مطمئنا عندما شق الرئيس الشاذلي بن جديد الخطى نحو الانفتاح السياسي وإقرار التعددية الحزبية بعد أحداث أكتوبر 1988، وتحت ضغط الشارع وبعض "مستشاريه".
ولقد كبرت ثقتي وازداد أملي يوم 9 سبتمبر 1989 عندما أسندت الحكومة إلى مولود حمروش (بعد قاصدي مرباح الذي لم يبق سوى ستة أشهر) وهو رجل شاب نشيط وكفأ. ابن الشهيد هذا هو مقدم في (ج.و.ش/ANP) كان مرافقا للرئيس الراحل هواري بومدين قبل أن يتدرج في سلم المسؤولية شيئا فشيئا : فقد بدأ رئيسا للديوان في الرئاسة ثم أمينا عاما للرئاسة فرئيسا للحكومة خلفا لقاصدي مرباح.
كان على عاتق مولود حمروش إقحام حكومته في العمل على جبهتين: الشروع في عملية الإصلاح الاقتصادي، وإعادة بناء المؤسسات لتكييفها مع متطلبات الديمقراطية.
عندما استلمت وظيفتي كرئيس (م.ب.ت/SRA) التابعة لـ (م.ع.ت.أ/DGDS) في مارس 1990 كان البلد مقبلا بعد ثلاثة أشهر على أول انتخاب تعددي في تاريخه الفتي: كان الاقتراع قد حدد إجراؤه يوم 12 جوان للتنافس على الفوز بالمجالس الشعبية البلدية والولائية. ومنذ شهور ظهر في الساحة معطى جديد شوش على رجال "الحل والعقد" العسكريين، وسبب اضطرابا كذلك "للإصلاحيين" في حكومة حمروش: ويتمثل هذا المعطى الجديد في صعود (ج.إ.إ/FIS) التي أسسها عباسي مدني وعلي بن حاج، والتي حصلت على الاعتماد يوم 6سبتمبر 1989، وقد حجبت الأنظار بالفعل عن التشكيلات السياسية الأخرى وكادت تفرض نفسها كبديل لـ(ج.ت.و/FLN) الحزب الحاكم منذ الاستقلال!
لقد سجلت (ج.إ.إ/FIS) نقاط أثناء زلزال نوفمبر 1989 والذي ضرب منطقة تيبازة، حيث هب مناضلوها إلى تقديم المساعدة، وإسعاف المنكوبين وكانوا يرددون بسخرية آنذاك بأن "الابن فعل أفضل من الصهر" في إشارة إلى المعنى المختصر لبداية حروف (ج.إ.إ/FIS) التي تقابلها بالحروف اللاتينية (F.I.S) وتعني في اللغة الفرنسية "ابن" تلميحا بذلك إلى أن " الابن " الذي هو (ج.إ.إ/FIS) فعل ما لم يفعله "الصهر" وهي إشارة واضحة إلى والي (محافظ) تيبازة الذي كان بالفعل "صهرا" للرئيس الشاذلي بن جديد بما يحمل ذلك أيضا من معاني للإشارة إلى جو محاباة الأقارب الذي كان سائدا... في الوقت الذي صرح مدير الإدارة المحلية بالولاية للتلفزة الوطنية مقرا بأنه "وجد نفسه عاجزا عن تقديم المساعدة للمتضررين من الزلزال" مع العلم أن المخبزة الصناعية في مدينة الشراڤة لم تكن تبعد أكثر من 30 كلم عن مكان الزلزال، وكان بإمكانه أن يجعلها تساهم بشكل فعال في توفير الخبز للمنكوبين، في هذه الأثناء كان مناضلو (ج.إ.إ/FIS) يعملون بدون انقطاع كخلية نحل على إيصال المواد الغذائية والبطاطين للمنكوبين في قوافل متتالية.
إن هذه الانطلاقة في العمل التضامني بقدر ما كانت تخدم بالتأكيد غرضا انتخابيا، كانت تتباين مع انشغالات كبار المسؤولين في الولاية الذين كانوا مجندين لإزاحة أكوام الحجارة والدمار عن الطريق المؤدية إلى الفيلا التي يملكها الجنرال محمد عطايلية بشنوة، بالرغم من أنها لم تكن مسكونة!
إن هذا الحماس لدى الإسلاميين أحدث تباينا صارخا مع جمود إطارات الإدارة المحلية، كما أن الأسواق "الإسلامية" التي مكنت المحرومين، وضعاف الدخل من الحصول على الخضر والفواكه بأسعار معقولة في شهر رمضان لسنة 1990، كانت أيضا من العوامل التي زادت من توسيع القاعدة الشعبية لهذا الحزب، وبالإضافة إلى ذلك فإن قادة (ج.إ.إ/FIS) الذين اتخذوا من الإسلام الداعي إلى إصلاح الأخلاق والتطهير سجلهم التجاري قد أحسنوا استغلال أخطاء المسؤولين المحليين والشقاء الذي يعيشه المجتمع، وشعور الشبيبة بأنها مهمشة وبدون مستقبل، إضافة إلى مشاكل البطالة، والسكن، التي تضرب أطنابها دون أن تعرف أي حل !
كتاب : وقائع سنوات الدم للعقيد سمراوي 2003
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (3)