بكل صراحة فرنسا لم تخرج من الجزائر بعد
ما هي مكاسب الجزائريين وخسائرهم بعد مرور نصف قرن على استقلال البلاد؟ سؤال جوهري يحتاج إلى الوقوف مطولا عنده بعيدا عن الأجواء الاحتفالية التي ميزت الذكرى الخمسين للاستقلال، في الخامس من يوليو الجاري. وهنا لابد من تسجيل بعض الملاحظات حول الظروف التي استقبل فيها الجزائريون الذكرى الخمسين للاستقلال…
ما هي مكاسب الجزائريين وخسائرهم بعد مرور نصف قرن على استقلال البلاد؟ سؤال جوهري يحتاج إلى الوقوف مطولا عنده بعيدا عن الأجواء الاحتفالية التي ميزت الذكرى الخمسين للاستقلال، في الخامس من يوليو الجاري.
وهنا لابد من تسجيل بعض الملاحظات حول الظروف التي استقبل فيها الجزائريون الذكرى الخمسين للاستقلال. فقد جاء الاحتفال بذكرى استقلال الجزائر في أجواء ما يعرف بـ"الربيع العربي"، الذي أسقط عدة أنظمة ديكتاتورية، وأمام هذا الأمر صرفت السلطة أموالا ضخمة واستبقت المناسبة بضخ أموال كبيرة أيضا في حسابات الموظفين من مختلف القطاعات أملا في شراء السلم الاجتماعي.
لكن، لم تكد تصل ذكرى الاستقلال في الخامس من يوليو حتى اهتزت "ثقة" السلطة الجزائرية في قدرتها على الصمود أمام تقلبات الشارع، بمجرد تهاوي أسعار البترول إلى ما دون المائة دولار للبرميل الواحد، فبينما أعلن بنك الجزائر المركزي أن البلاد بحاجة إلى أن يكون سعر برميل النفط أكثر من 112 دولارا لموازنة العجز في الميزانية، توقع وزير الطاقة، يوسف يوسفي، أن تخسر الجزائر حوالي 20 مليار دولا سنويا جراء انخفاض أسعار البترول، كما ظهر وزير المالية كريم جودي يدعو إلى ترشيد النفقات.
معنى هذا الكلام أن الجزائر طيلة 50 سنة لم تبن سوى اقتصاد هش رهين لأسعار النفط، اقتصاد كان دائما سببا في أزمات سياسية واجتماعية، وهنا لا مفر من التذكير بالأجواء التي سبقت انتفاضة 5 أكتوبر 1988، حيث هبطت أسعار البترول إلى حدود 8 دولارات للبرميل الواحد، وما لبث البلد أن دخل نفق أزمة اقتصادية، تبعتها أزمة اجتماعية حادة، نتج عنها انفجار في الشارع، ولحق به انهيار في السياسة، حيث تم التخلي عن سياسة الحزب الواحد، جبهة التحرير الوطني، وظهر فجأة على الساحة 60 حزبا سياسيا.
وأمام حداثة التجربة السياسية وتدهور الاقتصاد، دخلت الجزائر في أزمة دموية حصدت 200 ألف قتيل على الأقل وآلاف المفقودين وخسائر اقتصادية لا تقل عن 20 مليار دولار في عشر سنوات، بشهادة الخبراء طبعا.
اليوم، وفي ظرف 10 سنوات أو أكثر بقليل، لنقل بتفاؤل، أن الجزائر تخلصت من مديونية فاقت 30 مليار دولار، وحققت إنجازات فيما يخص البنى التحتية، كالطرق السريعة ومشاريع إيصال المياه إلى الصحراء الكبرى، وبناء مطار دولي جديد وتدشين شبكة للمترو والترامواي.
لكن هل تستحق الجزائر فقط هذه المنجزات مقابل غلاف مالي تجاوز 400 مليار دولار، أو أكثر، في حين لو "سقط" هذا المبلغ الكبير في أيدي مسيّرين، وليسوا سرّاقا، لبنوا به "جزائر" كثيرة وليست جزائر واحدة.
لنعترف بهدوء أن المشاريع التي يحس بها المواطن، اليوم في 2012، هي نتاج جهد وعمل فريق يحكم الجزائر منذ 10 سنوات أو أكثر، له ما له وعليه ما عليه، وهذا الفريق هو فريق الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. وهو بالمناسبة فريق محظوظ جدا حيث ارتفعت في عهده أسعار البترول إلى ما فوق 100 دولار ولم تنزل إلا هذه الأيام حيث يستعد هذا الفريق لمغادرة سدة الحكم.
لكن المشكلة بقيت قائمة، وهي اقتصاد يعتمد على عائدات النفط، وليس اقتصادا منتجا، كما هو حال دول نفطية عربية وغير عربية، تخلت تدريجيا عن النفط لصالح قطاعات منتجة كما هو حال قطاع الخدمات.
شيء آخر مهم لا بد من الإشارة إليه في عيد استقلال الجزائر الـ50 عن فرنسا: بكل صراحة فرنسا لم تخرج من الجزائر بعد، ورغم صراع الذاكرة ومطالب الاعتذار المتكررة من ساسة الجزائر، إلا أن الواقع يحكي عكس ذلك.
هذا الواقع يقول إن الجزائر مقاطعة اقتصادية فرنسية بامتياز، وليست لا أوروبية أو حتى أمريكية. والأرقام – ولله الحمد- لا تكذب مثل الساسة، فأغلب المشاريع الاقتصادية حسب الخبراء التي أنجزت في الجزائر ذهبت أموالها إلى شركات فرنسية، سواء في مجالات الدواء (مخبر سانوفي أفنتيس)، أو إنجاز المترو والترامواي (شركة ألستوم)، أو تصفية المياه (شركة سيال).
ولا تزال فرنسا تمول السوق الجزائرية بـ96 بالمائة من القمح الصلب، كما تسيطر فرنسا على نصف مشاريع الشراكة الجزائرية مع الاتحاد الأوروبي بواقع 121 مشروعا.
وليس سرا أيضا أن سوق السيارات في الجزائر هو سوق فرنسي بامتياز، ففي عام 2011 تم استيراد 300 ألف سيارة فرنسية بقيمة ثلاثة ملايير يورو.
ألا يحق لنا إذن أن نطلب كشف الحساب بعد 50 سنة من الاستقلال، ونتساءل ببراءة: هل استقلت الجزائر فعلا عن فرنسا؟
ولدي سؤال آخر إن اتسعت صدوركم: لماذا لا يتم استغلال "النخبة الجزائرية" في فرنسا كما يجري استغلال "النخبة الفرنسية" في الجزائر منذ 50 سنة؟.
الجزائر تايمز رمضان بلعمري
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (6)