الرئيس السبسي يحسم الوضع السياسي المؤقت في تونس
مع تسلم الرئيس المنتخب الباجي قائد السبسي الأربعاء مهام رئاسة الجمهورية بصفة رسمية تكون تونس قد طوت نهائيا تجربة الحكم الفاشلة للإسلاميين لتفتح صفحة جديدة في تاريخها الوطني وتنخرط في تجربة ديمقراطية في إطار مؤسسات دولة شرعية ودائمة، أفرزتها الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي فاز فيها حزب نداء…
مع تسلم الرئيس المنتخب الباجي قائد السبسي الأربعاء مهام رئاسة الجمهورية بصفة رسمية تكون تونس قد طوت نهائيا تجربة الحكم الفاشلة للإسلاميين لتفتح صفحة جديدة في تاريخها الوطني وتنخرط في تجربة ديمقراطية في إطار مؤسسات دولة شرعية ودائمة، أفرزتها الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي فاز فيها حزب نداء تونس المدعوم من القوى الوطنية والديمقراطية.
ويعلق التونسيون آمالا كبيرة على السياسي المخضرم ورجل بورقيبة القوي قائد السبسي في الخروج بالبلاد من أزمة خانقة انزلقت فيها منذ تولي حركة النهضة الحكم إثر فوزها في انتخابات أكتوبر/تشرين الاول 2011 بعد الإطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي في يناير 2010.
كما يتطلع التونسيون الذين حسموا معركة الانتخابات البرلمانية والرئاسية وانتصروا لحزب حركة نداء تونس وزعيمه قائد السبسي، ومن خلاله للقوى الوطنية والديمقراطية إلى أن تنخرط بلادهم في تجربة ديمقراطية حقيقية تشارك فيها الأحزاب اللبرالية والعلمانية، من أجل نحت ملامح دولة مدنية تقود مشروعا وطنيا حداثيا في مجتمع تعددي يكفل الحقوق المدنية والسياسية الفردية منها والجماعية.
وشهدت تونس خلال السنوات الأربع الماضية أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية حادة كادت تزج بها في حرب أهلية جراء السياسات الفاشلة التي انتهجتها حركة النهضة الإخوانية.
فقد تعرضت مؤسسات الدولة إلى التخريب الممنهج مما تسبب في شل أدائها بعد أن استخف بها الإسلاميون في إطار تنفيذ أجندة الأسلمة في محاولة فاشلة لبناء "دولة إسلامية".
وعلى الرغم من أن النهضة وصلت إلى الحكم بنسبة لم تتجاوز 30 في المائة وهو ما يعني أن 70 بالمائة من التونسيين ضدها احتكرت الحركة الإخوانية الحياة السياسية.
وألقت الأزمة السياسية بضلالها على أداء الاقتصاد الذي تدحرج إلى أدنى المستويات فيما تعمقت حالة من الاحتقان الاجتماعي تحت ضغط تردي الأوضاع المعيشية واتساع رقعة الفقر وتزايد العاطلين عن العمل.
وتأجج السخط الشعبي والغضب السياسي على حكومة النهضة إثر اغتيال المناضلين العلمانيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي عام 2013 من قبل الجماعات الجهادية التي قويت شوكتها في ظل تواطؤ مريب من قبل الحركة الإخوانية الحاكمة.
وقادت الأحزاب الديمقراطية والعلمانية موجة من الاحتجاجات الشعبية العارمة التي أجبرت النهضة على التنحي من الحكم بموجب اتفاق سياسي لفائدة حكومة من الكفاءات غير المتحزبة برئاسة مهدي جمعة في بداية عام 2014.
ومع تأسيس قائد السبسي لحزب نداء تونس عام 2012 لمواجهة حركة النهضة استعاد المشهد السياسي توازنه حيث نجح الحزب خلال عامين فقط في بناء قوة سياسية وطنية ديمقراطية وضعت حدا لهيمنة الإسلاميين وفتحت الأمل أمام التونسيين في إجهاض المشروع الإخواني المدعوم من المحور التركي القطري.
وخلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية الماضية منيت النهضة بنكسة انتخابية وسياسية لم تكن تتوقعها حيث فاز حزب نداء تونس بأغلبية مقاعد البرلمان فيما فاز زعيمه قائد السبسي برئاسة الجمهورية على مرشح الإسلاميين الرئيس المنتهية ولايته منصف المرزوقي.
وحسم الإستحقاقان الانتخابيان انتصار التونسيين للمشروع الوطني الحداثي الذي يقوده رجل بورقيبة القوي المدعوم من الأحزاب الديمقراطية والعلمانية لتقطع الطريق أمام النهضة وتجهض المشروع الإخواني الذي مثل على امتداد السنوات الأربع الماضية كابوسا مزعجا للمجتمع التونسي المنفتح والمتعدد فكريا وسياسيا.
كما أنهى الإستحقاقان مرحلة "الوضع المؤقت" الذي أربك البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا لتدخل تونس مرحلة "الوضع الشرعي" بإرساء مؤسسات دولة سيادية شرعية ودائمة منتخبة مباشرة من الشعب.
وفيما رصت القوى الديمقراطية صفوفها وبدت كما لو أنها جبهة سياسية موحدة من أجل بناء تونس الديمقراطية فقدت حركة النهضة سطوتها على الحياة السياسية لتجد نفسها على هوامش مشهد الحياة العامة تتخبط في أزمة تنظيمية وسياسية يقول المراقبون إنها ستفضي إلى نهايتها.
ولا يخفي التونسيون أن فوز نداء تونس وزعيمه هو "انتصار" للخيار الديمقراطي على مشروع الإخوان الاستبدادي كما هو "انتصار" للمشروع الوطني الحداثي على مشروع الإسلاميين الظلامي.
ويقدم قائد السبسي الذي خاض معركة شرسة ضد راشد الغنوشه وحركته خلال العامين الماضيين نفسه على أنه "يقود مشروعا وطنيا ديمقراطيا" تواصلا مع المكاسب التي تحققت للتونسيين في ظل دولة الاستقلال بقيادة زعيم تونس التاريخي الحبيب بورقيبة وفي مقدمتها مدنية الدولة والنأي بالدين عن الشأن السياسي وحرية المرأة.
ونجح زعيم نداء تونس في "فضح" أجندة الإخوان وخطابها المزدوج الذي يحث على الكراهية وتقسيم التونسيين إلى "مؤمنين" و"كفار" الأمر الذي عزز التأييد الشعبي والسياسي له وبدا للتونسيين رجل دولة قوي قادر على قيادة تونس خلال السنوات الخمس القادمة.
ويؤمن قائد السبسي بـ"هيبة الدولة المدنية" باعتبارها الإطار الوحيد للانتماء ومبدأ المواطنة وبأن الولاء الوحيد هو لتونس بما تمثله من كيان وطني ويرفض بالمقابل الولاء لـ"الجماعة" الذي يدعو إليه الإخوان.
ويرى أغلبية التونسيين أن مواجهة التحديات القادمة وفي مقدمتها الإرهاب والتنمية وتأمين سلامة التجربة الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل دولة مهابة بقيادة رئيس متمرس سياسيا وقويا قادرا على إدارة الشأن العام بكفاءة مترفعا عن الحسابات الحزبية ليكون رئيسا لكل التونسيين.
وفي خطوة أولى لقيت ترحيبا كبيرا لدى التونسيين أعلن قائد السبسي مغادرة رئاسة حزب نداء تونس معللا ذلك بأنه "رئيسا لكل التونسيين سواء الدين انتخبوني أم لم ينتخبوا".
وخلافا للإسلاميين الذين احتكروا الحكم اختار زعيم نداء تونس عدم "الاستئثار" من خلال التأكيد على حكومة ائتلاف وطني تضم مختلف الأحزاب الديمقراطية مع تطعيمها بكفاءات وطنية متخصصة تسند إليها إدارة عدد من الملفات الحساسة مثل الاقتصاد والتعاون الدولي والاستثمار.
وكثيرا ما شدد قائد السبسي على أن التجربة الديمقراطية التي انخرطت فيها البلاد لا يمكن أن يكتب لها النجاح في ظل "حكم الأغلبية" وإنما في ظل "حكومة ائتلاف وطني" يتم تشكيلها بعد مشاورات موسعة مع كل الأحزاب السياسية بما فيها غير الممثلة في البرلمان وكذلك مع منظمات المجتمع المدني وفي مقدمتها الإتحاد العام التونسي للشغل ونقابة أرباب العمل.
ولقيت مثل هذه الخيارات السياسية التي تعكس وعيا وطنيا وروحا ديمقراطية صدى إيجابيا واسعا في الأوساط الشعبية والسياسية حيث لا يخفي التونسيون أن قائد السبسي عزز لديهم الاقتناع بنجاح التجربة الديمقراطية الناشئة وانتصر لإرادة الشعب بعيدا عن الحسابات الحزبية الضيقة ملاحظين أنه كان بإمكانه تشكيل حكومة "ندائية" غير أنه قدم المصلحة الوطنية عن المصلحة الحزبية.
ويرى قائد السبسي أن "التجربة الديمقراطية مهددة بعدة أخطار" منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي مرتبط بالوضع الإقليمي والدولي لذلك فهو يتمسك بتشريك الفاعلين السياسيين والمدنيين في الحكومة التي ستقود إدارة الشأن العام خلال السنوات الخمس القادمة.
ووفق برنامج الرئيس المنتخب فإن مواجهة التحديات المطروحة على تونس ستتم على أساس "برنامج إنقاذ وطني" تتصدر مكافحة الإرهاب وتوفير التنمية للجهات المحرومة أولويات الحكومة التي ستتولى تنفيذ خطط اقتصادية واجتماعية وأمنية تكون في مستوى تطلعات التونسيين وإنتظاراتهم.
ويسود الرأي العام التونسي اقتناعا بأن انتصارهم للمشروع الحداثي الذي يقوده قائد السبسي هو"الخيار السليم" الذي سيفتح بنجاح صفحة جديدة في تاريخ تونس العريق عناوينها الأساسية دولة مدنية قوية تستمد شرعيتها من إرادة الشعب، ومجتمع تعددي ديمقراطي يكفل حق الاختلاف ولا مكان فيه للإقصاء وتنمية مستدامة لكل الجهات وخطة واضحة لمكافحة الإرهاب.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (1)