عزوف عن الانتخابات في المغرب بسبب انحطاط الأحزاب و السياسيين
قبيل اشهر من اول انتخابات جماعية في ظل الدستور الجديد للمغرب لفاتح يوليوز 2011، وفي الوقت الذي يتوقع فيه الجميع ان تعرف هذه الانتخابات والانتخابات البرلمانية التي تليها في 2016 منافسة شرسة بين الاحزاب السياسية، لم ينتظر المغاربة كثيرا لمشاهدة اولى حلقات “العركات السياسية” التي تسبق كل انتخابات، الا…
قبيل اشهر من اول انتخابات جماعية في ظل الدستور الجديد للمغرب لفاتح يوليوز 2011، وفي الوقت الذي يتوقع فيه الجميع ان تعرف هذه الانتخابات والانتخابات البرلمانية التي تليها في 2016 منافسة شرسة بين الاحزاب السياسية، لم ينتظر المغاربة كثيرا لمشاهدة اولى حلقات “العركات السياسية” التي تسبق كل انتخابات، الا ان التسخينات لهذه المعركة هذه المرة بدأت قبل اوانها، ولم تترك مجالا للشك بأن الاشهر القادمة لن تكون سهلة لا على الاحزاب التي لم ولن تتوانى في تراشق الاتهامات فيما بينها، وخصوصا حزب العدالة والتنمية الحاكم واحزاب المعارضة، ولا على الشعب الذي عليه ان يستحمل هذا المسلسل الممل الذي خيب آماله في السياسة والسياسيين.
ولأن في بلدنا لا انجازات تذكر ولا مطامح شعب تحقق، فلم يجد رئيس الحكومة ورقة يلوح بها، في كل مرة، سوى موضوع “الفساد”. فبعد ان اعتمد برنامج حزبه الانتخابي اساسا على قضية محاربة الفساد، وبعد اعلانه بعد اول سنة حكم عن تراجعه عن هذه القضية التي تهم كل المغاربة، الذين كانوا يتعشمون في هذا الحزب ان يسترجع حقوقهم المنهوبة، وسنّه برنامجا اخر وهو “عفا الله عما سلف”، عاد رئيس الحكومة وقبيل الانتخابات، المزمع اجراؤها في شهر شتنبر 2015، الى لعب ورقة الفساد والمفسدين مرة اخرى، موجها وابلا من الاتهامات، تتوزع بين الفساد والتحكم السياسي ومراكمة الثروة والحصول على المليارات، الى خصومه السياسيين.
والغريب ان تصدر هذه الاتهامات من ثاني سلطة في البلد بعد جلالة الملك، دون ان تحرك فيها مسطرة قانونية او متابعة قضائية، بل يكتفي رئيس اول حكومة في ظل دستور يمنحه صلاحيات واسعة تنازل عنها سيادته اراديا وارتضى ان يحكم مغرب ما بعد 2011 بعقلية ما قبل 1996، بالاحتماء واستغلال ملتقيات شبيبة وقياديي حزبه من اجل تمرير رسائل، ليس بالضرورة الى خصومه، ولكن اساسا الى الشعب من قبيل “هؤلاء هم المفسدون ونحن المصلحون”، وهو ما عبر عنه صراحة عندما دافع عن أعضاء حزبه وقال إن “أيديهم ما زالت نظيفة لحد الان” ولوح بورقة الاستقالة في حال ثبت تورط احد وزراء حزبه في قضايا فساد او استغلال المال العام، وكأنها حملة انتخابية تلميعية سابقة لأوانها. وكأن ايضا المغاربة صوتوا لحزب العدالة والتنمية ليس للعمل وتحقيق انجازات، ولكن فقط لاثبات ان ايديهم كانت وستبقى “بيضاء”.
كان اولى من رئيس الحكومة بدل ان يطلق العنان للسانه، كالعادة، ويشهر سيفه ضد خصومه السياسيين مؤكدا، في ذات اللقاء، انه لن يحرك المتابعة ضد احد، لان هدفه، على حد قوله، هو “ان يعرف المغاربة ما يجري في بلدهم”، ان يتصرف كمسؤول، وان يترك لغة الصراخ وضجيج العناد وان يفتح تحقيقات اذا ما كانت لديه فعلا ادلة على فساد من تم ذكر اسمائهم. فالمغاربة لا ينتظرون ان يعرفهم احد بما يجري في بلدهم، فهم يعلمون ذلك جيدا وهم من يكتوي بنار الفساد ويدفع ثمنه من قوتهم وثروتهم، ولكن (المغاربة) يحتاجون الى من يكشف ويقاضي المفسدين ويوقفهم عند حدهم ويقدمهم للمحاكمة حتى يكونوا عبرة وحتى تسترجع الدولة اموالها المنهوبة، ولهذا السبب بالذات صوت هذا الشعب لهذا الحزب معتبرا اياه الاجدر للقيام بتلك الخطوة الجريئة، الى ان ثبت العكس. اما ما عدا ذلك فتبقى اسطوانة مشروخة وصورة اخرى من المسخ السياسي الذي تعيشه بلادنا. اما وان يبرر رئيس الحكومة عدم فتحه باب المتابعات متحججا بأنه “لن يكون لديه متسع من الوقت ليشتغل” فذلك عذر اقبح من ذلة، وحالة السخط الشعبي والخذلان الذي يشعر به المغاربة اقوى رد ودليل على ان هذه الحكومة وقبيل سنة واحدة من انتهاء ولايتها وان كانت “تشتغل” الا انها لم تحقق أي انجاز يذكر، فعن أي وقت واي شغل يتحدث سيادته والعديد من المنجزات التي يتباهى بها لم تبرح مستوى الخطاب؟.
خرج الخطاب السياسي، للأسف، عن قالبه العاجي الذي كنا نعتقد ان سوف يأتي على صهوة الثروات العربية وما افرزته من انظمة وحكومات. فبعد ان كنا نتمنى ان يرتقي سياسيونا بالحياة السياسية ويعبرون عن آرائهم ويبعثون رسائلهم عبر خطب سياسية مدروسة ومسؤولة تحترم القيم الاجتماعية وتدشن للأخلاق السياسية في سياق ثوابت المجتمع، دون تهريج أو تهديد او صراخ أو استعراض للعضلات، إلا ان ما نراه اليوم هو اشبه بعرض مسرحي يقوم فيه بعض السياسيين بدور الهواة او المهرجين الذين من كثر تنطيطهم في الاستعراض ومن كثر تهريجهم وصراخهم قرر المتفرجون (الشعب) ترك العرض في منتصفه بعدما تأكد لهم ان القيم السياسية قد انهارت وانهارت قبلها القيم الاخلاقية، فلم يعد هناك مكان الا لخطاب منحط ومعارك كلامية تباح فيها كل القواميس وتتبادل فيها الاتهامات دون أي ادلة.
ما نشهده اليوم هو انهيار كامل في هيكل الخطاب السياسي، الذي تحول من خطاب عمودي الى خطاب سوقي بعدما سقط في بئر المزايدات والتلاعب بالمفردات، وبعدما وقع سياسيونا في فخ الرغبة في الهيمنة وعصبية الانتماء. ومما لا شك فيه ان من سيدفع ثمن هذا الانهيار هو الشباب الذي يعول عليه في صناعة صناديق الانتخابات القادمة، والذي لن تكون مشاركته في أي حال عند المستوى المطلوب. فهل سيكون العزوف هو عقاب هذا الانحطاط؟
وفاء صندي
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (2)