معرض الدار البيضاء للكتاب: الاصرار على صناعة “الجهل”
عند زيارتي مؤخرا للمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء والذي تنظم فعالياته بين 12 و22 من الشهر الجاري كعرس ثقافي وفكري تتناقح وتتبادل فيه الافكار ويفتتح باب الحوار والنقاش من خلال سلسة من الندوات واللقاءات، ويلتقي القارئ بالناشر لتكون فرصة للتعرف على اخر الابداعات الفكرية والادبية.. استوقفني خبر…
عند زيارتي مؤخرا للمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء والذي تنظم فعالياته بين 12 و22 من الشهر الجاري كعرس ثقافي وفكري تتناقح وتتبادل فيه الافكار ويفتتح باب الحوار والنقاش من خلال سلسة من الندوات واللقاءات، ويلتقي القارئ بالناشر لتكون فرصة للتعرف على اخر الابداعات الفكرية والادبية.. استوقفني خبر تلقيته، وإن لم اكن استغربه، وملاحظة تأكدت لي من خلال سؤالي لمجموعة من الناشرين.
والخبر يتعلق بكتاب صدر لي قبل سنة عن دار نشر لبنانية يناقش موضوع الحراك العربي او ما اطلقوا عليه زورا “الربيع العربي”، مع انني كنت منذ البداية من المتحفظين على هذا التوصيف، وتم منعه (بالاسم) من دخول دولة قطر، مع العلم انه ليس كتابا عن الجنس ولا كتابا يحرض على العنف او التطرف او الطائفية، ولا كتابا يحرض على الانقلاب على نظام الحكم القطري او اي نظام اخر، ولا يمس الامن القومي القطري في شيء.. هو فقط كتاب يطرح سؤالا ويحاول ان يجد له اجابة: ماذا حدث في المنطقة العربية بعد 2011؟ والى اين نحن متجهون؟ ويحاول، على قدر المستطاع، تشريح حالة “الثورة” العربية، وإلقاء الضوء على مختلف مراحلها الانتقالية، وتحليل واقع الاحداث المتسارعة في فترة زمنية محددة (من 25 يناير 2011 الى 25 يناير 2013) مثلما تم رصدها من واقع الشارع العربي ومن شهادات مفكرين وسياسيين وأكاديميين تمت الاستعانة بأرائهم وتحليلاتهم وانطباعاتهم في هذا العمل الجماعي، مع قراءة لأسباب الثورات المتلاحقة وتداعياتها واستشراف مستقبل المنطقة في ظل ما تعيشه من تحولات فجائية. وهو كتاب يسمي الاشياء بأسمائها ليستخلص بالنهاية بعض النتائج التي عرت واقعا عربيا ملتبسا يتمثل في غياب الرؤية الحضارية في الحراك الثوري لأسباب اهمها ازمة النخب وازمة الشعوب، وتداخل المصالح وتطاحن الايديولوجيات مما تسبب في خروج الثورة عن سياقها ودخولها منحى جديد من التجاذبات والصراعات الاقليمية والدولية…
ولأننا نعيش زمن الازمة، وازمة المفاهيم التي هي بالأساس سبب ما نتخبط فيه، في واقعنا المزري، من خيبات وانتكاسات وفشل وفوضى وعنف وتمزق، فلم يكن امام المسؤولين في دولة قطر، كنوع من الازدواجية العامة، سوى منع الكتاب من أن يصل الى القارئ القطري، ومنه منع فكر من التداول والانتشار، لأنه ربما لا يتوافق مع افكارهم وتوجهاتهم وسياساتهم.. ولو ان قطر منذ البداية ادعت انها عرابة “الديمقراطية” في المنطقة، وداعمة “التغيير”، وحاضنة “الحرية”.. ليبقى السؤال عن اي ديمقراطية وعن اي حرية يتحدثون ومسؤولوها يحجرون على حرية الاخرين في الرأي والتعبير؟ او ربما قطر تدعم الديمقراطية لكن التي على مقاسها فقط، والحرية التي تتوافق مع اهدافها واحلامها ومخططاتها.. وطالما ان كتابي، او اي كتاب اخر، لا يتماشى مع مصالحها ومشاريعها الخاصة فسيكون مصيره “المنع″ !.
اما الملاحظة التي اثارت اهتمامي من خلال زياراتي للمعرض، والتي تم تأكيدها من اغلب دور النشر المشاركة، فتتمثل في الاقبال الضعيف على الكتب هذا الموسم بصورة اكبر من كل المواسم السابقة، والتي كانت هي الاخرى تتميز في المجمل باقبال متوسط، لنعاود طرح نفس السؤال: لماذا هذا العزوف عن القراءة؟ وهل صحيح اننا شعوب لا تقرأ وتكره الثقافة؟ وهل الامر مرتبط بواقع يتوارث ام حالة مرهونة بأزمة مالية واقتصادية يعاني منها العالم اجمع؟ ام ان القضية اكبر من الاتهام الجاهز للقارئ بعدم الرغبة في القراءة، بل هي مسؤولية تتقاسمها الدولة وسياساتها البعيدة عن احياء الثقافة العربية وثقافة المواطن، ودور النشر التي باتت تهتم بالكسب السريع ولو على حساب جودة الكتب المعروضة؟ وهل يمكن في ظل هذا الواقع ان تغني الفضائيات وما تطرحه من برامج حوارية تحليلية ومن تقارير حية عن القراءة والثقافة الورقية؟
واقع الارقام، كما ذكره تقرير التنمية الثقافية الصادر عن مؤسسة الفكر العربي، يقول بأن العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق سنويا، بينما يقرأ الأوروبي بمعدل 200ساعة سنويا. وتتحدث بعض الدراسات عن أن كل 20 عربيا يقرؤون كتابا واحدا في السنة في الوقت الذي يقرأ فيه البريطاني 7 كتب والأمريكي 11 كتابا.ونفس التقرير يشير إلى أن عدد كتب الثقافة العامة التي تنشر سنويا في العالم العربي لا تتجاوز الـ5000 عنوانا، بينما يصدر في امريكا حوالى 300 ألف كتاب ثقافي. وهذه الارقام الصادمة تعكس الوجه الاخر لسياساتنا الفاشلة واحد اسباب اخفاقاتنا. فإنشغال المواطن العربي بتحديات تأمين متطلبات الحياة اليومية من عمل وسكن وصحة، مقابل عدم اهتمام الدولة بالتشجيع على القراءة من خلال حملات توعية وتوزيع كتب مجانية في المدارس، والتحفيز على القراءة كغداء للروح وسلاح تنويري لمواجهة التطرف الذي بتنا نعاني من ويلاته، جعل القراءة والكتب بعيدا عن سياسات الدولة وخارج حسابات المواطن الذي لم يعد يملك من الوقت الا ما يفكر فيه في كيفية تأمين حياته ومستقبله. اما جر المتابع العربي إلى مسرح الصراعات والتجاذبات السياسية التي يكثر فيها الهرج والمرج وتفتقد الموضوعية وتضيع القيمة وتضيع معها الحقيقة فذلك جعله يعاني الاحباط ويعيش ازمة هوية، فليس هناك فكرة او حلم او مشروع يعيش من اجله ويسعى الى تحقيقه حيث تكون البداية من القراءة والبحث.
ومع كل ذلك، وأيا تكون اسباب الامتناع عن القراءة سواء اقتصادية او اجتماعية او سياسية او نفسية، ومهما وصلت نسبة المتابعة للاخبار والتلفزيونات، فيجب الاعتراف بأن شعوبا لا تقرأ هي شعوب جاهلة وبعيدة عن الواقع وعن التاريخ ودروسه ويستحيل ان تصنع الحدث وتقود التغيير. وانظمة تستبعد الثقافة من أولوياتها او تحجر على الفكر وتمنع كتبا هي انظمة تريد لشعوبها ان تظل مغيبة وان تبقى مجرد شعوب مستهلكة، وشعوب لا يراد لها ان تنفتح الا على ما حدّدوه لها سلفا.
وفاء صندي
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (8)