الجهاديون يعلنون الحرب على تونس من داخل \'المنطقة الحمراء\'

مع اختراقه للمربع الأمني الذي كثيرا ما أعتبر "خطا أحمر" ويعد مقياس حرارة أمنيا بامتياز وتنفيذه لأول عملية إرهابية وأخطرها في تاريخ البلاد في مجمع لقصور تضم المتحف الوطني رمز ثراء حضارتها ومقر مجلس نواب الشعب رمز سيادتها وتجربتها الديمقراطية وقتله لعشرات السياح في منطقة باردو وسط العاصمة، يكون تنظيم…

مارس 19, 2015 - 18:12
تم التحديث: 12 سنوات منذ
0 1.3ك
الجهاديون يعلنون الحرب على تونس من داخل \'المنطقة الحمراء\'

مع اختراقه للمربع الأمني الذي كثيرا ما أعتبر "خطا أحمر" ويعد مقياس حرارة أمنيا بامتياز وتنفيذه لأول عملية إرهابية وأخطرها في تاريخ البلاد في مجمع لقصور تضم المتحف الوطني رمز ثراء حضارتها ومقر مجلس نواب الشعب رمز سيادتها وتجربتها الديمقراطية وقتله لعشرات السياح في منطقة باردو وسط العاصمة، يكون تنظيم الدولة الإسلامية قد أعلن الحرب رسميا وعمليا على تونس.

وينظر خبراء ومراقبون تونسيون الى هذه "الغزوة"

على أنها فتحت البلاد على كل الاحتمالات بما فيها "عمليات"أخرى أشد وأنكى قد تزج تونس في حالة حرب شبيهة بما يحدث لدى جارتها ليبيا التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى "خزان" للمقاتلين التونسيين العائدين من سوريا والعراق والذين يتسللون إلى الأراضي التونسية بمساعدة الجماعات الجهادية الليبية وفي مقدمتها قوات فجر ليبيا التي تسيطر على المعابر الحدودية بين البلدين.

عاش التونسيون بجميع فئاتهم الاجتماعية ومواقعهم السياسية وانتماءاتهم الحزبية، باستثناء الخلايا المتوثبة للجماعات الجهادية، الأربعاء يوما أسود مضرجا بالدماء لم يألفه مجتمع ميال بطبعه إلى قيم السلم والتسامح ويرفض "العنف ولغة الرصاص رفضا مطلقا" وهم مشدودين إلى وسائل الإعلام المسموعة والمرئية يتابعون بصدمة تفاصيل المجزرة الإرهابية في المتحف الأثري بباردو قرب مقر مجلس النواب التي راح ضحيتها حوالي 20 قتيلا و50 جريحا أغلبهم من السياح الأجانب.

وزجت المجزرة بالمشهد العام في البلاد في حالة من الإرباك والفوضى، فقطعت وسائل الإعلام المسموعة والمرئية برامجها لتخصص متابعات مباشرة لأحداث باردو، وألغى رئيس الحكومة الحبيب الصيد برنامج عمله ليستنفر أعضاء خلية الأزمة ويجتمع بهم كامل اليوم، فيما سارع رئيس الجمهورية الباجي قائد السباسي إلى التوجه بكلمة إلى الشعب التونسي هي الأولى من نوعها مند تسلمه كرسي الرئاسة مند نحو شهرين أما غالبية التونسيين فقد تدافعوا عائدين من مقرات عملهم إلى منازلهم لمتابعة تطورات أحداث هزتهم من العمق وبدأوا وكأنهم يتأهبون لحرب قادمة لا تبقي ولا تذر.

وضربت الأجهزة الأمنية من قوات شرطة وفرق مختصة في مكافحة الإرهاب ووحدات من الحرس أطواقا أمنية مشددة في مداخل العاصمة ومخارجها وفي مختلف محولات الطرقات وأمام مقرات البعثات الدبلوماسية والمؤسسات الدولية وأجرت تمشيطا كاملا لشوارع تونس وأحيائها وبدت العاصمة وكأنها جزيرة معزولة مسكونة بالرعب من حرب شرسة أجبرت عليها لا تمسك خيوطها التي تتحكم فيها جماعات جهادية قويت شوكتها خلال السنوات الثلاث الماضية في ظل غياب أي خطة أمنية إستراتيجية لاجتثاث ظاهرة الإرهاب بل في غياب أي إرادة سياسية قوية وشجاعة قادرة على إعلان الحرب على مجموعات إرهابية باتت تنشط بشبه حرية وذبحت العشرات من الجنود ورجال الأمن وهاجمت مقرات سيادية للدولة من مؤسسات وثكنات عسكرية ومراكز أمن في مرحلة أولى قبل أن تنقل معاركها إلى داخل القرى والبلدات والمدن.

عملية نوعية بامتياز

لم ينفذ مجزرة باردو سوى إرهابيين اثنين تونسيين متسلح كل واحد منهم ببندقية كلاشنكوف وعدد من القنابل اليدوية، لكنهم نجحوا في القيام بعملية إرهابية نوعية بامتياز تعد الأولى من نوعها في تاريخ تونس وأجهضوا كل المخططات الأمنية الإستباقية التي كثيرا ما حرصت وزارة الداخلية على الترويج لها من أجل "طمأنة المواطنين" على أن الوضع الأمني رغم "هشاشته هو تحت السيطرة" لينسفوا من الأساس تلك الخطط الأمنية ويزرعوا حالة من عدم ثقة التونسيين في قدرة الأجهزة الأمنية وجهوزيتها للتصدي للحرب التي أعلنها تنظيم الدولة الإسلامية على البلاد لـ"تطهيرها من الطواغيت وذبحهم أمام الملأ وإعلان تونس ولاية أو إمارة" تابعة لأبو بكر البغدادي.

وأجمع الخبراء والأحزاب السياسية ونشطاء المجتمع المدني والتونسيون عامة على أن مجزة باردو تعد "انتقالا نوعيا وإستراتيجيا" بالنسبة لمختلف العمليات الإرهابية التي شهدتها تونس منذ 2012، تاريخ الهجوم على السفارة الاميركية ثم اغتيال المناضلين العلمانيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي وكل المذابح التي ارتكبت ضد الجنود والأمنيين، حتى أنهم شددوا على أن تاريخ تونس مع الإرهاب قبل عملية باردو شيء، وتاريخها بعدها شيء مغاير تماما لأنها شكلت إعلان حرب حقيقية على تونس من داخل الحزام الأمني الأحمر لتضرب في العمق أمن البلاد.

صدمت العملية السياسيين وفاجأت الأمنيين لكنها لم تصدم الخبراء ولم تفاجئ غالبية التونسيين الذين كثيرا ما حذروا من مخاطر الجماعات الجهادية التي قويت شوكتها خلال السنوات الأخيرة وزرعت الخلايا ومخابئ الأسلحة وتوعدت بذبح التونسيين في أكثر من مناسبة عبر أشرطة فيديو تم بثها على مواقع التواصل الاجتماعي، وباتوا على اقتناع بأن تلك الجماعات تتقدم بقوة نحو تنفيذ مخططاتها التي تهدف إلى توجيه ضربة أو ضربات موجعة داخل تونس العاصمة باعتبارها رمزا للدولة وحاضنة المؤسسات السيادية ومركز إدارة الشأن العام في تجربة ديمقراطية ناشئة وفضاء نشاط الأحزاب السياسية وأيضا راعية ومركز التجربة الحداثية التي يتمسك بها التونسيون.

يشدد الخبراء على أن تسلسل الهجمات الإرهابية خلال السنوات الثلاث الماضية انتهج نسقا تصاعديا أفقيا ليستبيح الخارطة التونسية أمنيا وسياسيا ومجتمعيا، حيث شنت تلك الجماعات أولى عملياتها الإرهابية في مرتفعات سلسلة جبال الشعانبي المحاذية للحدود الغربية مع الجزائر، وذبحت في شهر رمضان خمسة جنود ومثلت بجثثهم بعد أن نصبت لهم كمينا، ومند تلك المجزرة التي هزت المجتمع التونسي لفظاعتها بدأت تلك الجماعات تتقدم شيئا فشيئا نحو القرى والبلدات ونفذت أكثر من 16 عملية في الجهات الداخلية خلال السنوات الثلاث الماضية في محافظة القصرين وقفصة وسليانة وجندوبة، وفي مرحلة لاحقة شنت هجمات في عدد من الأحياء الشعبية المتاخمة لتونس العاصمة مثل عملية وادي الليل التي شاركت فيها "جهاديات" ودوار هيشر معقل السلفية الجهادية.

وبدت كل عملية إرهابية في القرى والبلدات والمدن الصغرى "نجاحا" يدفع المجموعات الإرهابية إلى التقدم باتجاه تونس العاصمة وعلى الرغم من تعالي أصوات الخبراء بأن الإرهاب بات يزحف من الجبال إلى المدن لم تتخذ السلطات الأمنية من الإجراءات والخطط ما يحاصر الإرهابيين ويجهض مخططاتهم لـ"غزو" العاصمة.

ويبدو أن الجماعات الإرهابية استنزفت الكثير من الوقت والجهد والتخطيط لتوجيه الضربة الموجعة في قلب العاصمة لتؤكد أولا أنها ليست "مجموعة محاصرة في الجبال ولا يتعدى نشاطها المناطق الوعرة التي لا تصل إليها وحدات الجيش وقوات الأمن" ولتؤكد ثانيا وهو الأهم أنها تمتلك من الروح القتالية ومن الجهوزية ما يجعلها قادرة على اختراق كل الخطط الأمنية بل "المنطقة الحمراء" لتنفذ عملية إرهابية نوعية في قلب العاصمة.

لذلك يشدد الخبير مازن الشريف على أن عملية باردو الإرهابية لها أبعاد سياسية عميقة لأنها استهدفت "رمز الدولة التونسية وسيادتها حيث تمثل العاصمة في كل بلدان العالم مركز الدولة ومقر حكمها".

حرب أمنية

لا يمكن فهم العملية الإرهابية في قلب العاصمة التونسية بمعزل عن العقيدة الأمنية التي تتبناها المجموعات الإرهابية إذ تعتبر أن معركتها ميدانيا على الأرض هي بالأساس معركة أمنية تدور رحاها مع وحدات الجيش ورجال الأمن الذين تصفهم بـ"بالطواغيت" وهي تسمية تستبيح دماءهم، لذلك ركزت تلك المجموعات منذ عام 2012 على قتل وذبح الجنود والأمنيين باعتبارهم حماة نظام الحكم، وقادت العقيدة الأمنية لتلك المجموعات إلى إحداث "جهاز أمني" تابع لها يتولى المسائل الإستخباراتية والتزويد بالمعطيات والمعلومات الدقيقة لضمان نجاح "الغزوات". وبحسب ما يقول الأمنيون التونسيون فإن العنصرين الإرهابيين اللذين نفذا مجزرة باردو كانا يترددان على المنطقة وقاما بجمع معلومات ساعدتهم على تنفيذ العملية بنجاح.

ولم تكن تقديرات الإرهابيين خاطئة بل إنها تعكس على خلاف ما لا يراه عدد من السياسيين أنهم يتحركون وفق خارطة أمنية واضحة لديهم تمكنوا من رسمها بتجنيد العشرات من عناصر الخلايا المزروعة في الأحياء الشعبية وفي قلب العاصمة أيضا وهي خلايا على معرفة دقيقة بالعاصمة باعتبارها استقرت بها أو بضواحيها منذ سقوط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي بعد عودتها من "أرض الجهاد" في مالي وسوريا والعراق.

وبعد عشرات العمليات الإرهابية في الجهات الداخلية جنوبا وشمالا وشرقا وغربا كانت بمثابة اختبار لأداء الأجهزة الأمنية التونسية أكثر منها حربا عليها، تعرف الإرهابيون على أن سنوات الثورة وما رافقها من انفلات أمني أنهك جهوزية الأمن إلى حد الارتباك وبدا الأمنيون بالنسبة لتلك المجموعات لا يمتلكون الروح القتالية التي يمتلكها مقاتلوها حتى أنهم استباحوهم وذبحوا منهم العشرات في حوادث متعددة ليعودوا إلى مخابئهم سالمين.

وكان الأمنيون التونسيون يطلقون من حين لآخر صيحة فزع مشددين على أنهم يخوضون حربا غير متكافئة مع المجموعات الإرهابية لا من حيث العتاد والتجهيزات ولا من حيث توفر المعلومات الإستخباراتية حتى أنهم لم يترددوا عامي 2012 و2013 في اتهام حكام تونس الجدد بأنهم "يفتقدون للإرادة السياسية الواضحة في مكافحة الإرهاب".

فقد كانت الأجهزة الأمنية على وعي بأن الوضع بدا ينفلت من سيطرتها وأدائها في ظل تسلل المئات من الجهاديين والعشرات من القيادات التي كانت تقاتل في صفوف الدولة الإسلامية في سوريا والعراق ونجاح التنظيم في زرع الخلايا وسط حالة من "التسامح المريب" من قبل السلطات.

ومما قلل من صعوبة أداء الأمنيين هو ما تعرضت له العشرات من القيادات الأمنية التي تمتلك خبرة وتجربة طويلة إلى التهميش وحتى الطرد خلال فترة تولي علي العريض وزارة الداخلية عام 2012 بحجة أنهم عملوا في نظام بن علي، فتدمرت الأجهزة الأمنية المختصة، وتمزقت منظومة شبكة الإستخبارات التي كانت توفر المعلومة الدقيقة.

وأكدت عملية باردو، كما يذهب إلى ذلك كثير من الخبراء والأمنيين أنفسهم، أن الجماعة الإرهابية التي تقف وراء العملية "أرادت أن تكسر شوكة الأجهزة الأمنية التونسية" وتحبط عزيمتها وترسل لها رسالة دموية على أنها قادرة على "اختراق المنطقة الأمنية الحمراء" المجهزة بتجهيزات عالية بما فيها كاميرات المراقبة وأن العقيدة الأمنية الجهادية أقوى من العقيدة الأمنية النظامية، وهي قادرة بالتالي على إعلان الحرب على الأجهزة الأمنية وعلى كسب المعركة بما فيها تلك الأجهزة المختصة بمكافحة الإرهاب.

حرب على تاريخ تونس

لم تضرب "غزوة" باردو في العمق العاصمة باعتبارها رمزا للدولة التي يعود تأسيسها إلى عام 1705 على يد الحسين بن علي وتدعمت مدنيتها مع إعلان دولة الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي عام 1956 فقط، بل ضربت أيضا في العمق التاريخ الحضاري العريق للبلاد التي يعتز التونسيون بأنها تمتد في تاريخها إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، وهو تاريخ ثري ثقافيا حيث تعاقبت عليه العديد من الحضارات ابتداء من السكان الأصليين الأمازيغ، وهي كلمة تعني الأحرار، إلى الفينيقيين، إلى البونيين وصولا إلى الحضارة العربية الإسلامية.

ومن يزور متحف باردو بإمكانه أن يكتشف مدى عراقة الحضارة التونسية وتنوعها وما أتسمت به من تسامح ثقافي وفكري وديني، لكن الجماعات الإرهابية لا تعترف بذلك التاريخ بل وتصنفه في خانة "عبادة الأصنام".

اقتحام متحف باردو باعتباره رمزا للذاكرة الجماعية للتونسيين جاء بعد أيام قليلة من تدمير تنظيم الدولة للتراث العراقي بأمر من أبوبكر البغدادي في عملية وحشية استهدفت أثمن نفائس التراث البشري، ما يعد مؤشرا قويا على أن الإرهابيين التونسين الذين اقتحموا متحف باردو وعاثوا فيه فسادا مرتبطون بأفكار تنظيم الدولة الذي استخف بتاريخ العراق العريق على طريقة هجمة طالبان على تماثيل ترقى إلى مستوى الإرث العالمي.

يبدأ تاريخ تونس بالنسبة للجماعات الجهادية من حقبة الفتوحات الإسلامية المرتبطة بدولة الخلافة وهي لا تعترف بالحضارات الأخرى التي ساهمت إلى حد كبير في نحت ملامح المجتمع والشخصية التونسية التي تؤمن بالتعايش بين الأديان والثقافات لذلك فإن استهداف متحف باردو يعكس "الجهل الثقافي" لتلك الجماعات التي لم تطلع على أن الثقافة الإسلامية إنما تطورت في مجالات متعددة كالطب وعلم الفلك والرياضيات والفلسفة من خلال التفاعل مع الثقافات الأخرى وفي مقدمتها الفلسفة اليونانية.

لكن استهداف متحف باردو هو أبعد من استهداف تراث تونس، إنه بمثابة إعلان الحرب على الثقافة التونسية وعلى المثقفين التونسيين الذي ناضلوا خلال السنوات الأخيرة متصدين لمخططات الجماعات الإرهابية التي لم تتوقف عن استهداف المبدعين حتى أنها سمحت لنفسها بحرق معارض فنية بذريعة أنها تمس من المقدسات الإسلامية.

الجماعات للإرهابية تعي جيدا أن عدوها الأول هو الثقافة المدنية وحرية الرأي والتعبير والإبداع لأنه السلاح الأشد فتكا بظلام أفكارها وهو السلاح الوحيد الذي تعجز عن مواجهته بالرصاص والقنابل وقذائف الـ "آربي جي" التي قد تقتل العشرات من الناس لكنها تعجز عن المساس بالثقافة الحرة.

إعلان الحرب السياسية

أوصلت الجماعات الإرهابية من خلال عملية باردو رسالتها التي كانت بثتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتوعدت فيها بالقضاء على التجربة السياسية الديمقراطية التي انخرطت فيها البلاد منذ شهرين، وذلك من خلال اختيار مدروس لـ"غزوتها" التي قامت بها في مجمع يضم فيما يضم مقر مجلس نواب الشعب الذي تم انتخابه ليعبر عن إرادة الشعب التونسي.

فقد مثلت عملية باردو ضربا لسيادة تونس في العمق واستهدفت مقر البرلمان الذي كان احتضن المجلس التأسيسي الذي صاغ دستورا جديدا ذا مسحة علمانية وهو ما ترفضه الجماعات الإرهابية التي لا تؤمن بالدستور المدني ولا بالبرلمان المنتخب ولا بالتجربة الديمقراطية.

وباستهدافها للبرلمان تكون الجماعات الإرهابية التي لا تؤمن سوى بلغة السلاح قد وجهت رسالة لنواب الشعب بأنهم "لا يمثلونه" لتحاول تجريدهم من شرعية منحها إياهم الشعب التونسي في عملية اقتراع شفافة ونزيهة لتعلن الحرب على التجربة الديمقراطية برمتها.

والأبعد من ذلك والأخطر أن المجموعات الإرهابية حاولت استهداف سيادة الدولة من خلال استهداف البرلمان، فالدولة التونسية في نظرهم هي "دولة طاغوت" لا تحكم بما أنزل الله لذلك وجب تدميرها وإقامة ما يقولون انها "دولة الخلافة" دون أن يقدموا تصورا لها إلا على شاكلة تنظيم الدولة الإسلامية بقيادة أبوبكر البغدادي.

ولذلك دعت الأحزاب السياسية ونشطاء المجتمع المدني الرئيس قائد السبسي الى حماية الدولة من "خطر محقق لا مجال للاستخفاف به أو التسامح معه" لأنه يعمل على نسف الكيان الوطني الذي ناضلت من أجله أجيال من المفكرين والمصلحين والسياسيين والفقهاء المستنيرين.

ولم تمر رسالة باردو الإرهابية على أعضاء البرلمان الذين رأوا فيها أول عملية من نوعها وأخطر عملية على الإطلاق تمس من سيادة الدولة ومن سيادة البرلمان وتعكس نزعة مقيتة ودموية لإجهاض التجربة الديمقراطية والقضاء على المؤسسات السيادية.

ضربة موجعة لاقتصاد منهك

تنفد الجماعات الإرهابية "غزواتها" بكل دقة وبطريقة مدروسة بناء على تشخيص دقيق لموقع "الغزوة" وأيضا للوضع العام بالبلاد متحسسة مكامن هشاشته، وهذا ما يفسر أن الإرهابيين الاثنين اللذين هما في الواقع "عنصران منفذان" لأوامر قيادات المجموعات الإرهابية استماتوا في قتل أكثر ما يمكن من السياح من جنسيات متعددة كانوا يزورون متحف باردو الأثري.

الجماعات الإرهابية ليست غبية بل هي جماعات على غاية من الدهاء الذي تغذيه الكراهية المقيتة التي لا تكف عن قطع الأرزاق بل ترى فيه المخنق الوحيد للزج بوضع متأزم في حالة أشد تأزما، لذلك كانت عملية باردو حربا معلنة على الاقتصاد التونسي المنهك بطبيعته من خلال ضرب قطاع السياحة الذي يعد قطاعا حيويا في تونس يستقطب سنويا ما بين 6 آلاف و7 آلاف سائح ويمثل أكثر من 6 في المائة من الناتج المحلي.

أرسل الإرهابيون رسالة دموية مضمونة الوصول إلى كل من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وبولونيا، أي إلى أهم أسواق السياحة التونسية بأن تونس لم تعد وجهة آمنة للسياحة وأن أي مواطن يتوجه إلى تونس للسياحة حيا قد يعود إلى بلده جثة في تابوت، في محاولة لاجهاض الموسم السياحي القادم الذي تعول عليه البلاد لإنعاش الاقتصاد.

وبإجهاضهم للموسم السياحي الذي سيتكبد خسائر بـ700 مليون دولار بحسب وزارة السياحة يكون الإرهابيون قد عمقوا أزمة الاقتصاد التونسي وهي أزمة لا يتردد الخبراء في وصفها بالكارثية، ما دفع الحكومة إلى وضع "خطة للإنقاذ" تمتد خلال السنوات الخمس القادمة، لكن عملية باردو قللت من حظوظ حكومة الصيد في الخروج بالبلاد من أزمة طالت الى أكثر من أربع سنوات أنهكت التونسيين الصابرين

بعد عملية باردو تزايدت مخاوف المستثمرين الأجانب والعرب وباتت تونس عاجزة عن إقناعهم بأنها قادرة على توفير مناخ ملائم للاستثمار، وبذلك تتضاعف أزمة الاقتصاد في تونس، حيث يشدد خبراء على أنه لن ينتعش في غياب ضخ استثمارات كبيرة في قطاعات واعدة ذات قدرة تشغيلية عالية.

وبالإضافة الى ضرب البعد الاقتصادي للسياحة، ضرب الإرهابيون البعد الثقافي، حيث مثل تدفق الملايين من السياح الأجانب على تونس رمزا للتبادل الثقافي بين جنوب المتوسط وشماله، وكانت السياحة تعبيراجتماعي وثقافي وسياسي على انفتاح البلاد على الثقافات والحضارات الأخرى بما يعنيه ذلك من تسامح وتعايش.

قائد السبسي يعلن الحرب رسميا ضد الإرهاب

يشدد التونسيون على أن بلادهم عليها أن تبدأ تاريخا جديدا في علاقتها بمكافحة الإرهاب، وهم يقولون إن تونس قبل 18 مارس/اذار الدموي ليست تونس بعده.

وتعهد الرئيس قائد السبسي بمقاومة الارهاب "بلا شفقة ولا رحمة".

وقال قائد السبسي في خطاب توجه به الى التونسيين عبر التلفزيون الرسمي "اننا في حرب مع الارهاب وأن هذه الاقليات الوحشية لا تخيفنا وسنقاومها إلى آخر رمق بلا شفقة وبلا رحمة".

واضاف السبسي ان تونس ستعمل ما بوسعها لمنع حدوث هجمات جديدة.

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (0)

User