الحركيين المغاربة \" وليدات فرنسا\" لوبي فرانكفوني و أداة استعمارية تستنزف ثراوات الشعب المغربي
الحديث عن الفرانكفونية في المغرب لم يعد حديثا عاديا، أو أنه لا ينبغي أن يكون حديثا عاديا، لأن الفرانكفونية لم تعد مجرد لغة، إنها تطرف لصالح الفرنسية في بلد ينص دستوره على أن اللغة الرسمية هي العربية. الفرانكفونية في هذه البلاد صارت تعني نزعة عنصرية حقيقية، عنصرية يقودها «دواعش» الفرنسية ضد كل من…
الحديث عن الفرانكفونية في المغرب لم يعد حديثا عاديا، أو أنه لا ينبغي أن يكون حديثا عاديا، لأن الفرانكفونية لم تعد مجرد لغة، إنها تطرف لصالح الفرنسية في بلد ينص دستوره على أن اللغة الرسمية هي العربية. الفرانكفونية في هذه البلاد صارت تعني نزعة عنصرية حقيقية، عنصرية يقودها «دواعش» الفرنسية ضد كل من يخالفونهم الرأي.
المغرب حصل على استقلاله قبل 59 عاما، وكان يفترض أن يكون النقاش الحالي منصبا حول أفضل الطرق للسير بالبلاد نحو المستقبل في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، غير أنه من الغريب جدا أن نكون لا نزال نناقش موضوع الفرانكفونية في المغرب بعد كل هذه السنوات من خروج المستعمر.. إن كان قد خرج فعلا.
لو أننا بحثنا عن حالات مشابهة لحالتنا في العالم كله فلن نجد حالة تشبهنا، فنحن البلد الوحيد الذي ينص دستوره على أن لغته الرسمية هي العربية، بينما أينما التفتنا نجد اللغة الفرنسية هي السائدة.. والمتسيدة، بل والمتغطرسة إلى درجة التجبر.
في كل مجالات حياتنا اليومية لا نجد غير الفرنسية تحيط بنا من كل جانب، وفي كل قطاعاتنا الحيوية، من السياسة والاقتصاد حتى الرياضة، لا شيء يعلو على الفرنسية، إلى درجة أن مدربا في القسم الثالث لكرة القدم يصرخ في لاعبيه داخل الملعب ويحضهم على الهجوم باللغة الفرنسية! وإذا لم يستطيعوا.. يشتمهم بالفرنسية أيضا! !
قبل بضعة أسابيع، وعندما قال وزير التعليم، رشيد بلمختار، إنه لا يعرف العربية، فإن ذلك كان بمثابة صدمة للكثيرين، لكنها كانت صدمة فقط للذين لا يعرفون الواقع، الواقع الحقيقي لتجبر الفرنسية داخل دواليب الدولة المغربية بمختلف مستوياتها، ليس كلغة، بل كنزعة عنصرية، حتى أن وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى الخلفي، عندما أجرى حوارا مع قناة فرنسية بلغة فرنسية متواضعة، تعرض لهجوم شرس من جانب «دواعش» الفرانكفونية في المغرب، وكأنه ضُبط متلبسا بتهمة الخيانة العظمى، وبدا واضحا أنه من الطبيعي ألا يعرف مسؤول مغربي العربية، مثلما هو حال الوزير الأمي رشيد بلمختار، لكن لا يمكن أن يتم فيه التسامح مع مسؤول لا يتحدث الفرنسية بطلاقة، مثلما هو حال الخلفي. إنه تناقض رهيب، بل تناقض مرعب.
المغرب بلد سيء الحظ حتى في سوء حظه، لذلك عوض الخضوع للاستعمار الفرنسي، كان الأقل سوءا هو الخضوع للاستعمار الألماني أو البريطاني، لأنه اليوم، وبعد كل هذه السنوات على خروج الاستعمار المباشر، لا يزال المغرب غارقا في التبعية اللغوية والفكرية لفرنسا، هذه البلاد التي لم نأخذ منها شيئا، لا تكنلوجيا ولا علوما ولا منهجا، بل أخذنا منها لغة تحتضر، ونحن نكافح، أكثر من الفرنسيين أنفسهم، حتى نمنع لغتهم من الموت، ونفعل المستحيل لكي ندفع بلغتنا الرسمية نحو الانتحار.. شنقا.
مصيبتنا أننا عوض أن نقتدي باليابان أو ألمانيا أو أمريكا، أو حتى سنغافورة والصين، صرنا شعبا كسيحا يمشي على كرسي متحرك اسمه «الفرانكفونية» ونعتقد أن الحضارة هي أن نتحدث الفرنسية.. فقط لا غير. فرنسا عندما خرجت من المغرب، كما قيل لنا، تركت بيننا الكثير من البيض، بيوض التماسيح، التي فقست وتوالدت وتكاثرت، وصار كل من يريد أن يحكم أو يريد مكانا تحت الشمس، لا بد أن يمر عبر فرنسا ويقسم على الولاء لها لغة وفكرا وسياسة.
إنها حالة غريبة ونادرة، لأنه في العالم كله لا بد أن يتحدث المسؤولون لغة بلادهم الرسمية، من اليابان وروسيا حتى البرازيل والأرجنتين، بينما نحن لا بد أن نتقن الفرنسية حتى تتعبد الطريق أمامنا نحو مراكز المسؤولية. العنصرية الفرانكفونية بدأت منذ زمن طويل، منذ أن تم إجبار مواطني المناطق التي خضعت للاستعمار الإسباني في المغرب، على تعلم الفرنسية حتى يستطيعوا الاندماج في دواليب الدولة المغربية، ومن رفض ذلك، أو لم يستطع، يتم تهميشه في شكل غريب من أشكال «الأبارتهايد» اللغوي. هذه العنصرية مستمرة حتى اليوم، حين يخرج فرد من الطابور الفرنسي الخامس، مثل المسمى نور الدين عيوش، ليدعو إلى اعتماد الدارجة في المدارس، والحفاظ على اللغة الفرنسية نقية خالصة، من المهد إلى اللحد.
الفرانكفونية ليست لغة، إنها عنصرية مريضة، بل إنها مصيبة.
كيف تغلغل المد الفرانكوفوني في المدرسة المغربية
عندما قال نور الدين عيوش إن الفرنسية «غنيمة حرب» يجب الحفاظ عليها
لم يتردد الأمير مولاي الحسن، وهو لا يزال وقتها وليا للعهد، في التدخل لدى والده محمد الخامس لكي لا تؤول حقيبة التربية والتعليم في حكومة عبد الله ابراهيم لخصمه السياسي وأستاذه في الرياضيات الزعيم المهدي بن بركة.
لقد فهم الأمير، قبل أن يصبح ملكا، أن لهذه الحقيبة قيمتها وأهميتها في بناء الأجيال، لذلك أرادها أن تكون خارج سلطة حزب الاستقلال وسلطة قادته. ومن يومها ظلت هذه الحقيبة تتأرجح بين هذا التيار وذاك، دون أن تفرط في امتداداتها المرتبطة بما خلفه المستعمر الفرنسي من أثر ثقافي وتعليمي لا يزال حاضرا إلى اليوم في الكثير من مجالات الحياة.
لقد تركت فرنسا، وهي توقع وثيقة الاستقلال، خلفها ثقافتها ولغتها. كما تركت طرق التدريس التي اعتمدتها منذ 1912 في عدد من مناطق المغرب، والتي لم تكن تنافسها غير بضعة مراكز للتعليم التقليدي والديني التي حافظت على بعض الروابط التي جعلت منها مدارس مغربية بامتياز. لذلك فحينما وجد الوطنيون أنفسهم أمام الأمر الواقع في تدبير الشأن المغربي، راهنوا على تعليم يجب أن يكون مستقلا، ويستمد روحه من مقومات المغرب ومرجعياته الثقافية والدينية.
وهكذا سجلت السنة الأولى من الاستقلال إنشاء اللجنة العليا لإصلاح التعليم. وفي هذه اللجنة تقرر أن يتم تعريب التعليم الابتدائي، وتوحيد البرامج التعليمية بمختلف مناطق البلاد. مع تحديد سلك أول ابتدائي يتوزع على خمس سنوات، وسلك ثانوي من ست سنوات.
غير أن هذه التجربة لم تعمر غير سنة واحدة حيث ستحمل لنا سنة 1958 إنشاء اللجنة الملكية لإصلاح التعليم، والتي اطلقت أولى «مبادراتها» بإلغاء ما حملته اللجنة العليا لإصلاح التعليم، والتراجع عن كل قراراتها.
وبنفس السرعة والارتجال أيضا، ستحمل السنة الموالية وهي 1959 قرارا جديدا يعني القطاع وهو إنشاء لجنة التربية والثقافة، والتي سيتقرر بموجبها وضع التعليم الخاص تحت وصاية وزارة التربية الوطنية.
أما في السنة الموالية وهي 1960، فقد أحدث معهد الدراسات والبحوث حول التعريب، في أفق تعريب المواد العلمية في السلك الابتدائي. وهو ما حدث في السنة نفسها. وقد اعتبرت هذه الخطوة بداية الانعتاق من هيمنة اللغة والثقافة الفرنسيين.
لم ينعقد أول اجتماع للمجلس الأعلى للتعليم إلا في 1961، لكنه فشل في القيام بدوره التربوي الذي انتظرته منه الأسر والمربون، لأن الحصيلة هي أن القطاع سيعود للارتباك حينما سيتقرر مرة أخرى إلغاء تعريب المواد العلمية من سلك التعليم الابتدائي.
وابتداء من سنة 1963، ستختار الدولة المغربية أن تسن سياسة إلزامية التعليم للفئة العمرية ما بين سن السابعة والثالثة عشر بموجب ظهير شريف. لكن هذه الإلزامية ستشكل مجرد محطة عابرة لأن السنة الموالية، وهي 1964 هي التي ستعرف تحولا عميقا في مسار المدرسة المغربية حينما تقرر تنظيم مناظرة وطنية حول التعليم بالمعمورة. ومن أهم خلاصات هذه المناظرة الأولى في القطاع، الإقرار بأن لغة التعليم في جميع المراحل هي اللغة العربية. ولا يشرع في تعليم اللغات الأجنبية إلا ابتداء من التعليم الثانوي.
وابتداء من سنة 1965 إلى 1957، وهي سنوات ما عرف بالمخطط الثلاثي، ستعرف المدرسة المغربية تراجعا خطيرا مس المبادئ الأساسية التي بنيت عليها في عهد الاستقلال وهي التعريب والتوحيد والمغربة، بمبرر أن ميزانية التعليم في حاجة للتقليص بسبب ارتفاع فاتورتها.
هذا بالإضافة إلى العودة مجددا إلى الازدواجية في التعليم الابتدائي بين اللغة العربية والفرنسية. لكن سنة 1967، ستعرف التوقف النهائي لتعريب مواد العلوم والرياضيات في سلك التعليم الابتدائي، مع الإنهاء مع تجربة مغربة الأطر.
ستشكل بعد ذلك سنة 1970 منعطفا حاسما في مسار المدرسة المغربية حينما تم إحداث المجلس الأعلى للتعليم، مع ما رافق ذلك من قرارات يعتبرها الكثير من المتتبعين البداية الحقيقية لإشكالية التعليم في المغرب، ومنها قرار تعريب مواد الفلسفة والتاريخ والجغرافية.
وفي هذه السنة نفسها، ستعود الدولة لتجرب عقد مناظرة ثانية حول التعليم انعقدت بإفران. لكنها لم تسفر عن أية نتائج عملية يمكن اعتمادها للمستقبل.
ثلاث سنوات بعد ذلك، سيقرر المخطط الخماسي المبادئ نفسها من خلال سياسة التعميم، وتكوين الأطر المغربية. لكن قبل أن يضع هذا المخطط نقطة نهايته في 1977، سيعترف وزير القطاع، وهو وقتها عز الدين العراقي، الذي كان يمثل حزب الاستقلال في الحكومة، أن الازدواجية هي سبب تدني مستوى التعليم في البلاد. لذلك لابد من المحافظة على مبادئ التعميم والتعريب والمغربة.
غير أن سياسة التعريب ستصبح ابتداء من سنة 1980 إلزامية في المواد العلمية بالسلك الابتدائي، على الرغم من أن مناظرة إفران الثانية انتهت إلى وضع مشروع لإصلاح التعليم ككل.
أما حينما تم العمل بالميثاق الوطني للتربية والتكوين، فقد عادت للغة العربية قيمتها حيث نصت المادة 110 منه إلى بيان وسائل دعم اللغة العربية من خلال عنوان بارز أطلق عليه «تعزيز تعلم اللغة العربية وتحسينه». وفي ذلك تقول المادة 111 من الميثاق الوطني للتربية والتكوين إنه «يتم تجديد تعليم اللغة العربية وتقويته. مع جعله إلزاميا لكل الأطفال المغاربة في كل المؤسسات التربوية العاملة بالمغرب». وهو بهذا يضع حدا لكل محاولات التأويل التي ظلت تدعو إلى إعمال لغة أخرى غير العربية في التدريس.
غير أن الواقع يقول إن مشاريع الإصلاح اللغوي تعطلت في مجملها. ومنها إصلاح اللغة العربية. أما أسباب ذلك، فيمكن إجمالها، بحسب العارفين، في غياب مؤسسات ضاغطة من أحزاب ومجالس علمية، ونقابات وجمعيات المجتمع المدني، مع استثناءات قليلة، كما هو حال الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية. بخلاف الأمازيغية مثلا، والتي واكبت ملفها المطلبي، وعضدته العشرات من الجمعيات الثقافية والحقوقية.
بالإضافة إلى اشتداد نفوذ التيار الفرانكفوني المسلح بقوة المال والإعلام في محاربة كل الخطوات التي من شأنها أن تهدد مصالحه الاقتصادية. بالإضافة إلى ارتفاع عدد التلاميذ الملتحقين بمدارس البعثات الفرنسية، وانتشار المدارس الخصوصية التي دفعتها التنافسية إلى الاهتمام باللغة الفرنسية على حساب اللغة العربية، إذ يلجأ الكثير منها إلى تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية، أو دراسة المادة نفسها باللغتين معا، لإغراء أولياء الأمور، تحت حجة تمكين التلاميذ من الولوج السلس إلى التعليم الجامعي.
لقد نجح التيار الفرانكوفوني في الحفاظ على مكونات الثقافة الفرنسية سواء في المدرسة المغربية أو خارجها. واليوم حيث يشتغل المجلس الأعلى للتعليم والبحث العلمي حول ما تنتظره المدرسة المغربية من خطوات للإصلاح، عاد النقاش ليطرح حول أية لغة يمكن أن تدرس بها المواد العلمية بين الفرنسية والإنجليزية. وهي المعركة التي دخل على خطها عدد من وزراء الحكومة الذين يسير بعضهم في اتجاه أن نعطي للإنجليزية حظها باعتبارها لغة العلم والتكنولوجيا، وبين المحافظة على اللغة الفرنسية باعتبارها ذات امتداد وحضور في المجتمع والاقتصاد والثقافة. حيث نجح مناصرو الفرنسية في فوضى تصورهم, ليذكروا بأن للأمر أبعادا سياسية مرتبطة بعلاقة المصالحة المغربية الفرنسية. وهي الأبعاد التي أرخت بظلالها على نقاشات المجلس، مما جعل الرئيس عزيمان يدعو إلى إعادة النظر فيها. كما أن الإبقاء على الفرنسية لغة أولى في المناهج التعليمية، يعود إلى كونها تحتل مكانة متقدمة في المنظومة التعليمية المغربية. وهي نفسها اللغة المعتمدة ضمن أكثر من بلد إفريقي، وبعموم الدول الفرانكفونية التي اختار المغرب الانفتاح عليها بشكل أكبر ضمن مساعيه الاستراتيجية سياسيا واقتصاديا. لذلك كان نور الدين عيوش، قد اعتبر في رده على بنكيران، بأن «اللغة الفرنسية ليست لغة المستعمر فقط، بل هي غنيمة حرب». لذلك وجب الحفاظ عليها.
لم تفوت الفرانكوفونية في حربها دفاعا عن الفرنسية التي يجب أن تحافظ على مكانتها، الفرصة لتدفع في اتجاه الدعوة للتدريس بالدارجة المغربية. وهي الدعوة التي ظل ولا يزال يدافع عنها نور الدين عيوش صاحب مؤسسة زاكورة، والذي قال إن الدارجة المغربية يمكن أن تنوب عن اللغة العربية في التدريس على الأقل في الصفوف الابتدائية. وهي الدعوة التي لقيت معارضة شديدة كان قد قادها المفكر عبد الله العروي الذي كشف عن استحالة استعمال الدارجة كلغة للتدريس.
وإلى اليوم لا تزال إشكالية اللغة واحدة من أعقد الملفات التي عجز المجلس الأعلى للتعليم والبحث العلمي عن الحسم فيها، على الرغم من كل الجلسات التي عقدها. وكل المشاورات التي باشرها منذ تم تكوينه.
وبدا أن ما عاناه المجلس الأعلى للتعليم، في نسخته السابقة على عهد الراحل مزيان بلفقيه، هو ما يعانيه اليوم على عهد الرئيس الجديد عمر عزيمان.
لقد اختلفت مكونات المجلس أولا بشأن اللغة العربية، وحكاية استعمال الدارجة في التدريس بالصفوف الابتدائية، كما دعا لذلك نور الدين عيوش، التي قال إنها أعطت بتجربتها نتائج جيدة. وهو الملف الذي دخل على خطه رئيس الحكومة، الذي لم يتردد في توجيه نقده الشديد لهذا الاختيار. ودعا رفاقه في حزب العدالة والتنمية لمكاتبه المجلس حفاظا على اللغة العربية كلغة رسمية لا يمكن أن نلغيها في التعليم. بعد أن كال للسيد عيوش كل التهم، واعتبره تاجرا يريد تحقيق المكاسب المالية عن طريق التربية والتعليم.
هكذا يعى الفرانكفونيون إلى بسط سيطرتهم على الإعلام
لهذه الأسباب يتغلغل «الاستعمار الإعلامي» في وسائل الاتصال بالمغرب
هل الإعلام المغربي، فرانكفوني الهوية والوجود؟ سؤال يطرح نفسه بقوة على متتبعي الشأن الإعلامي المغربي، ومرد هذا التساؤل راجع إلى كون الفرانكفونية أصبحت اليوم قوة فكرية ولغوية وثقافية وسياسية واقتصادية، بعد أن تقلص ظلها العسكري الرسمي وبرزت في ثوب جديد، لكن بالأهداف والخلفيات نفسها.
ويعود النقاش حول هذا الموضوع في خضم الجدل القائم حول هيمنة الفرانكفونية على الإعلام المغربي، ووجود أذرع إعلامية موالية لفرنسا تخدم أجنداتها وتروج لإديولوجياتها، وتحيط الإعلام المغربي بالوصاية الفرانكفونية، ما جعله خاضعا لها وغير قادر على فرض نفسه كجهاز إعلامي مستقل عن اللوبي الفرانكفوني وينطلق في تجلياته من منطلق الهوية المغربية العربية.
فقد فرضت الفرانكفونية لغتها الفرنسية في الإدارة والإعلام والثقافة، وصارت اللغة الفرنسية حاملا لخطاب التواصل ووسيطا لهذا الأخير داخل الإعلام المغربي الذي من المفترض أنه يتوجه لجمهور لغته الوطنية هي الدارجة المغربية، في حين أن لغته الرسمية هي اللغة العربية كما نصت على ذلك دساتير المغرب. حتى ترسخت لدى المغاربة، بفعل تعرضهم الدائم لحملات الدعاية الفرانكفونية ولغتها الفرنسية، فكرة مفادها، أن كل ما هو فرنسي أو يتحدث بفرنسية أو كتب بها، يدل على الرقي والحضارة والمكانة المتميزة، وبذلك تحول هذا الغزو الفرانكفوني ليتغلغل في أدمغة المغاربة وعقولهم. وبالتالي ضمنت الفرانكفونية ولغتها الفرنسية مكانة آمنة لا يمكن زعزعتها أو إزاحتها عنها.
فالإعلام المغربي مزدوج اللغة والتوجه، وبالتالي يخلق رأيا عاما مزدوجا ومنقسما، الحظوة فيه لمناصري الفرانكفونية وحداثيتها. ولعل إطلالة على الإعلام المغربي، تجعل المتتبع في حيرة من أمره، أهو أمام إعلام مغربي عربي، أم إعلام فرنسي أم إعلام مزدوج اللغة والهوية. فرغم أن إحصائيات قياس نسبة المشاهدة تعطي الأولوية لنشرات الأخبار والبرامج باللغة العربية، والمسلسلات المدبلجة، إلا أنه مازال للفرانكفونية ولغتها، حظوة في الإعلام المغربي. ذلك أنه وفقا لتقرير سابق صدر عن الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري يهم العرض التلفزي العمومي المقدم للأطفال، سجل هيمنة الإنتاج الأجنبي على الوطني بنسبة 91 في المائة مع اقتصار المنتوج الوطني على برامج تنشيط داخل الأستوديو في غياب تام لأي سلسلة أو فيلم للرسوم المتحركة من إنتاج وطني.
كما كشف التقرير ذاته الذي هم خمسة أشهر (من فاتح شتنبر 2012 إلى 31 يناير 2013) الحضور الكبير للغة الفرنسية في هذه البرامج الموجهة للأطفال على حساب العربية وأيضا الغياب التام لبرامج بالأمازيغية، حيث تحضر الفرنسية بنسبة 82 في المائة على قناة «ميدي 1 تيفي» وبنسبة 50 في المائة تقريبا على القناة الأولى وبنسبة 39 في المائة على القناة الثانية. كما سجل الغياب التام لأي برامج باللغة الأمازيغية توجه للأطفال على قنوات الأولى والثانية و«ميدي 1 تيفي».
وفي سياق متصل، أشارت بعض الدراسات السابقة، إلى أن البرامج الفرنسية تستحوذ على أزيد من 65 في المائة من البرامج التي تقدمها القناة الثانية، فيما يرى المتتبعون أن هذا الوجه كرسته النخبة الفرانكفونية القابضة على زمام الأمور في القناة، ثم إن الميزانية المخصصة للبرامج المفرنسة تتجاوز بكثير ما هو مخصص للإنتاج الوطني.
وما يؤكد فرضية هيمنة الفرانكفونية على الإعلام المغربي، حضور رأسمال فرانكفوني قوي في تمويل الإعلام المغربي، يشجع غزو هذه الأخيرة، وهو ما تعززه تلك الأغلفة المالية التي ترصد للإعلام السمعي البصري أو المكتوب الناطق بالفرنسية على حد سواء.
مظاهر تغلغل الفرانكفونية في الإعلام المغربي تظهر أيضا من خلال دبلجة المسلسلات الأجنبية بالدارجة المغربية، عوض دبلجتها باللغة العربية الفصحى كما كان الحال عليه في السابق، وهو التوجه الذي يرى المتتبعون أن يد اللوبي الفرانكفوني هي التي طالته، كنوع من دحر اللغة العربية وبالتالي تسهيل مهمة استيلاب المغاربة ثقافيا وفكريا وسياسيا.
وإلى جانب الإفراط في استعمال الدارجة المغربية، تحولت صناعة الأفلام والسينما إلى بوق للفرانكفونية، إذ تصور كل من يتحدث بالفرنسية أو يتبع نهجها في نمط عيشه، كفرد «مثالي»، فضلا عن أن الأفلام السينمائية المغربية، تتم ترجمتها إلى اللغة الفرنسية، وكأن هذه الفئة تتابع المنتوج المحلي الوطني.
كما أن الأفلام التي يتم اقتناؤها من قنوات غربية، خصوصا تلك الأمريكية يعرضها الإعلام المغربي مدبلجة باللغة الفرنسية عوض لغتها الأمريكية الأصل، كما لو أن المشاهد يخضع لعملية «تحصين» تقيه من التعرض لأشعة اللغة الأمريكية وغيرها من باقي اللغات.
ولعل ما يعزز هذا الطرح، نسبة البرامج التي تبث في قنوات الإعلام المغربي، حيث تحظى الفرنسية في القناة الأولى مثلا بـ30 في المائة من نسبة البرامج التي تبثها القناة. وهي النسبة التي ترتفع بشكل كبير في القناة الثانية «دوزيم» التي تشهد نسبة «فرنسية» أكبر، حيث تقدر المواد المقدمة فيها بالفرنسية بأكثر من 70 في المائة.
فالإعلام المغربي الفرانكفوني، بحسب متتبعين ومهتمين بهذا الشأن، كأنه يحصر المشاهد المغربي والرأي العام الوطني في دائرة مغلقة لا تخرج عن صراط الفرانكفونية ولغتها الفرنسية، اللتين تحشدان جيلا من مناصري الفرانكفونية وسياساتها وإيديولوجياتها على كافة الأصعدة، وصار يغلف كل شيء له خلفيات سياسية واقتصادية بعباءة الثقافة.
جريدة المساء المغربية يتبع
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (10)