وضع اليد على نقاط الخلل في الدبلوماسية الجزائرية حيال سورية وعاصفة الجرم
لا شك أن هناك فرق بين النقد والانتقاد، فالأول يعني فيما أفهم على الأقل، أنه يقوم على قراءة موضوع ما، ليس بنية تصيد نقائصه، وإنما لوضع اليد على نقاط الخلل لمعالجته، والإحاطة بمكامن الضعف لسدها، تعزيزا لقوته وبسطا لصحته وتصويبا لخطئه؛ أما الثاني فعموما لا يزيد عن كونه عملية هدم، يتوهم صاحبها إذ يقوم…
لا شك أن هناك فرق بين النقد والانتقاد، فالأول يعني فيما أفهم على الأقل، أنه يقوم على قراءة موضوع ما، ليس بنية تصيد نقائصه، وإنما لوضع اليد على نقاط الخلل لمعالجته، والإحاطة بمكامن الضعف لسدها، تعزيزا لقوته وبسطا لصحته وتصويبا لخطئه؛ أما الثاني فعموما لا يزيد عن كونه عملية هدم، يتوهم صاحبها إذ يقوم على ركامها أنه ارتفع عاليا؛ لكن هناك فيما يتعلق بالشأن السياسي والدبلوماسي، انتقاد موجه يحمل عادة هدف الضغط لتحويل الاتجاه، أوالخضوع والاستجابة لأهداف معينة، تخدم صاحب الانتقاد وبالتالي مشغليه.
أقدم هذا باختصار شديد، لارتفاع أصوات داخل الجزائر، بشكل لافت بلغت منذ يومين السقف، حين عبر عنها إعلامي وكاتب بارز يفترض أنه مستقل، وعقيد متقاعد من المؤسسة العسكرية، عبر احد أكثر المنابر متابعة في الجزائر، وأقواها تأثيرا في الرأي العام؛ ولولا قيمة الشخصيتين وما تمثلانه، وخطورة ما طرحاه في سياق قراءة – انتقاديه – لمواقف الجزائر، التي تعبر عنها وزارة الخارجية حيال قضايا الأمة العربية، ومشاكلها الخطيرة جدا في هذه المرحلة على وجه الخصوص؛ وكلا الرأيين صيغا في هجوم غير مسبوق، الذي لا أرى أنه يفتقر للموضوعية والقفز المقصود، على حقائق قد تغيب عن الرأي العام فقط، وإنما يصب نحوأهداف بالغة الخطر على الجزائر دولة وشعبا، ومن الضرورة هنا أن ألخص ما جاء في الانتقاد في نقطتين:
الأولى: تقول بأنه كان على الجزائر أن تنظمّ لما يوصف (بهتانا) بالتحالف الحربي العربي لضرب اليمن، تحت مسمى “عاصفة الجرم”، وذلك لهدفين وفق صاحبه عرضهما بكل وضوح وصراحة، الأول تأهيل القوات العسكرية الجزائرية، بانخراطها في حرب واقعية، ومساهماتها ميدانيا في اشتباكات قتالية، مما يسهم في رفع قدراتها وخبراتها وفق منظوره، والثاني كما يرى صاحب هذا الرأي، أن المتغيرات في الشرق الأوسط فارضة نفسها لا محالة، وكان على الجزائر أن تتصدر مشهد تلكم المتغيرات، لتأخذ صفة القيادة، بدلا عن مصر والسعودية وقطر. مستدلا من جهة أخرى بتناقض الجزائر في مواقفها، الدال على العجز والتخبط، بدعمها في حالة استثنائية لنظام بشار الأسد، في حين أنها لم تدعمه عسكريا في محاربة الإرهاب، الحجة التي اعتمدتها لموقفها من الأزمة السورية.
الثانية: وفي معرض رد العقيد العسكري المتقاعد ومستشار إحدى أهم المؤسسات الإعلامية حاليا، حول سؤال بخصوص إمكانية وقدرات الجيش الجزائري على التدخل في صراعات مسلحة خارج حدود الوطن، وهنا القصد اليمن تحديدا، يفيد بأن الجيش الجزائري يعد من أقوى الجيوش العربية عددا وأكثرها تقدما من ناحية العتاد والعدة، إلا أن تكوينه وتدريبه وقواعده القتالية ومعرفته كلها خلاصة المدرسة العسكرية السوفيتية، ما يحول دون قدرته على التنسيق والتأقلم مع خط قوات التحالف العربية، لكونها خريجة المدرسة الأمريكية، ما يستدعي وفق رأي صاحبنا، ضرورة التوجه العاجل للانضواء تحت القبة العسكرية الأمريكية، ليتأتى للجيش الجزائري فرصة الانفتاح والتعلم على القوى العسكرية الغربية من جهة، والقدرة الفعلية على التعاون مع القوى العربية المشتركة ( المتوهمة) من جهة أخرى، بشكل يحقق الأهداف المرجوة.
لا أنكر أنني شعرت بالصدمة حيال رأي شخصية جزائرية بارزة طرح منذ أيام عبر هذه الصحيفة، تضمن مباركة “عاصفة الجرم”، لكن بعد أن طالعت ما سبق ذكره، لم يعد الأمر قاصرا على وجهة نظر شخصية، وإنما على ما يبدوهوخط يعمل أصحابه على بلوغ هدف محدد، مطيته انتقاد الدبلوماسية الجزائرية.
بداية نقول: وجود الجزائر على أرض اليمن يعود في حدود علمي لعام 87/1986، تلكم السنة كنت حاضرا في مجلس جمعني في العاصمة الجزائر، بسفيرنا أيامها (الرائد) نور الدين صحراوي (رحمه الله) وكان من أصدقاء الأسرة المقربين جدا، وهورجل عسكري من الرعيل الأول للمجاهدين بالثورة المباركة 1954، وعلى أعلى المستويات تكوينا تربية وتعليما، وشخصية معروفة بانتمائها الوطني والقومي المتجذّرين، وله من الصفات والمواقف ما يتعذر التعرض لها تفصيلا في هذا المقام؛ في ذلكم المجلس يتحدث الرجل عن نجاحه في انجاز خطوة عملاقة، تعود بالنفع على اليمن بالدرجة الأولى والجزائر بالتالي، تمثلت في دفع شركة SONTRACH البترولية الجزائرية العملاقة، للتنقيب على البترول والغاز في اليمن، كأول شركة عربية متخصصة لها إمكانيات وخبرات جبارة، تسعى لدعم اليمن في البحث عن حقول البترول والغاز، مما يعزز اقتصاد هذا البلد الشقيق ويعود بالنفع عليه، وأهم وجوهه الاستقلالية عن الغير، وكان بالنسبة للجزائر أول تجربة واستثمار في مجال الطاقة المهم خارج الحدود وفي بلد شقيق؛ وقد يسأل أحدهم: وما دخل هذا هنا؟ وأحاول اختصار الجواب: هذه طبيعة التدخل الجزائري خارج حدودها، وخاصة منه لدى الدول الشقيقة، تدخل للبناء لا للهدم، وعمل على ربط أواسر الأخوة والمساعدة على النهضة، لا من أجل التخريب والتدمير والقتل، ولمن يريد أن يعرف بأنه كان تدخلا استراتيجيا وليس فقط تحت عناوين الأخوة وغيرها، ففي ذات العام الذي دخلت فيه الجزائر للتنقيب على البترول في اليمن 1986، سارعت لمزاحمتها ووضع القدم، الولايات المتحدة بشركة “بنت” التي تحصلت على موافقة شراكة للإنتاج في مأرب، ما استدعى حليف الجزائر الاتحاد السوفياتي (سابقا)، للتدخل بدوره دعما لنا ولليمن، وذلك عبر شركة “تكنوا كسبورت” لتستثمر ثلاثة حقول في محافظة شبوة؛ باختصار دخول الجزائر في اليمن 1986 خلق تنافسا شديدا في مجال استثمار الطاقة، أبلغ هذا البلد الشقيق مكانة الإنتاج و التصدير عام 1993، ليصبح رقما مهما للغاية في معادلة سوق البترول والغاز بمنطقة الجزيرة العربية تحديدا، وعلينا أن ننتبه جيدا لجزئية خطيرة، وهي أن اليمن تجاوز إنتاجه بين عامي 1994-1996 إنتاج دولة قطر في الغاز، وعلى العاقل أن يقرأ بعمق هنا أنه لا مجال للصدفة أن يتم الانقلاب “الأبيض” في دولة قطر، على السلطة الشرعية في 27 يوليو1995، هذه الدولة التي يمكن التحكم فيها خليجيا وفي منافستها، ولا يمكن حتى وإن استقلت أن تشكل خطرا نظرا لحجمها الجغرافي وموقعه ولحجمها الديموغرافي، خلافا لليمن الذي يفرض موقعه الاستراتيجي وعدد سكانه وتاريخه، الذي يأبى وإن اغتر البعض بوهنه في مراحل معينة ولأسباب خارجية وداخلية، أن يرضى بالتبعية لأحد؛ ولعل خصائص الشخصية اليمنية ومنها العزة بالنفس والاعتداد بالكرامة، هي من أهم عوامل رفض أنظمة دول الخليج ضمّه لمجلس تعاونهم، لعلمها بطبيعته رفض الانصياع، وإمكاناته التي تؤهله بثرواته الى قيادة هذا الاتحاد، الأمر الذي لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة يقينا.
أما القول بأنه من مصلحة الجيش الوطني الجزائري، التدخل العسكري في اليمن، لرفع قدراته واختبار إمكانياته، فهذه جريمة تستحق الإدانة، لكون العذر أقبح من الجناية، ولا أعلم كيف استقام في ذهن صاحبه، منطق تأهيل الجيش الجزائري على حساب الدم اليمني الشقيق، أيا كان موقفنا من أطراف النزاع، فهذا المنطق أمريكو-صهيوني بامتياز، فضلا عن كونه مسوغ يجهل أويتجاهل عن عمد القدرات القتالية واللوجستية العالية لدى الجيش الجزائري، ترقى عن الحاجة لاختبارها.
هذا العذر الأحمق، يفسر دعوة الثاني (العقيد المتقاعد) بضرورة انخراط ضباط الجيش الجزائري تحت القبعة العسكرية الأمريكية، حتى يتأتى لها التعاون والانضمام الى ما يسمى بهتانا كذلك “القوى العربية المشتركة”؛ وليت صاحب هذا المنطق رأى الغاية قبل أن يطرح الوسيلة الإجرامية، ذلك أن الغاية من تكوين القوى العربية المشتركة، ليس قطعا تحرير فلسطين، ولا أبدا من أجل محاربة الإرهاب حتى، وإنما هي مجرد يد عسكرية بقفازات عربية، معدة للتدخل في مناطق سبقت اليها صناعة الفوضى والانفلات الأمني، بأذرع خارجية مستثمرة الحالة الهشة لدى كثير من شعوبنا العربية، والتي لا أنكر هنا مسؤولية أنظمتها عنها، لكن أن احمّل المسؤولية لهذه الأنظمة لا يعني أبدا نفي الواقع الذي سبق ذكره والقفز على مخططات موثقة وبات لا ينكرها إلا مكابر أوجاهل.
لقد زرت سورية وأقمت بها ما يزيد عن شهر كامل، ما يسمح لي في هذه الجزئية بخصوص دعم الجزائر، أن أسأل من استنكر غيابه مستدلا به على تناقض في السياسات: ما يزيد عن ثمانين دولة تدخلت في الشأن السوري عسكريا، أي منها أعلن ذلك بشكل رسمي؟ وفي المقابل هناك من يدعم سورية في الجانب القتالي العسكري روسيا والصين وكوريا والجزائر وغيرها، لكن أي من هذه الدول أعلن رسميا هذا الأمر؟ فضلا عن ذلك القيادة السورية تعلن بشكل رسمي على لسان أرفع القيادات، بأن الجزائر هي الدولة العربية الوحيدة التي وقفت الى جانب الدولة السورية؛ والأمر لا يحتاج لتفصيل، وطبيعة الدعم والمحيط الإقليمي والدولي كل ذلك، يجعل من الحماقة وقلة العقل إعلانه تفصيلا. ولكن يمكنني كشاهد أن أقول جملة واحدة تكفي اللبيب: الجزائر في تعاون مع سورية على أعلى الدرجات.
ختاما، أدعومن يعتلون منابر إعلامية، ورؤساء هذه المنابر توخي الحذر والحيطة جديا، فالجزائر ليست بدا بمنآى عن مخطط الفوضى والتقسيم التي تستهدف عالمنا العربي، واوكد من موقع المطلع على أن الدبلوماسية الجزائرية، أثبتت بمواقفها وحضورها المؤثر والفاعل، على وعي عميق بالمسؤولية، ودراية سابقة وواسعة لما يجري على ساحتنا العربية، وهذا ليس من باب المداهنة كما قد يتوهم البعض، وإنما اعتراف بالفضل لصاحبه، وهوسلوك لا يفطن له إلا من كان له قلب وألقى البصر، وأشد على أيدي الدبلوماسية الجزائرية، راجيا من كل وطني أصيل، أن يحول دون اختراق مواقف الجزائر الأصيلة، ومدافعا عن محاولة ثنيها لصالح دول عربية بعينها، تصب تفصيلا وإجمالا في سياق المخطط الأمريكي.
إسماعيل القاسمي الحسني
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (6)