صرخة فزع من تونس من الربو السياسي

عديدة في تونس تلك الأشياء التي باتت تبعث على أكثر من مجرد القلق. عادت الصدور لتختنق من جديد بعد أن كانت ظنت أنها تنفست الصعداء بانتهاء المرحلة الانتقالية وانتخاب رئيس وبرلمان دائمين لخمس سنوات. مؤشرات «الربو السياسي « هذا زادت بالأخص عند أولئك الذين لم يكن عندهم شك أن التخلص من «كابوس» حكم حركة…

أبريل 21, 2015 - 17:55
تم التحديث: 11 سنوات منذ
1 950
صرخة فزع من تونس من الربو السياسي

عديدة في تونس تلك الأشياء التي باتت تبعث على أكثر من مجرد القلق. عادت الصدور لتختنق من جديد بعد أن كانت ظنت أنها تنفست الصعداء بانتهاء المرحلة الانتقالية وانتخاب رئيس وبرلمان دائمين لخمس سنوات. مؤشرات «الربو السياسي « هذا زادت بالأخص عند أولئك الذين لم يكن عندهم شك أن التخلص من «كابوس» حكم حركة «النهضة» وحلفائها ورئاسة المرزوقي سيفتح الأبواب والنوافذ على مصراعيها لنسائم عليلة منعشة. لا شيء من ذلك قد تم.


أمران بالأخص باتا يؤرقان كل من أصيب بداء رصد الأوضاع التونسية عن كـثب، هما الأبرز الآن والأهم قبل الخوض في أي تفاصيل أخرى:


- الأول ترهــل شبه كامل أصاب الطبقة السياسية يمينا ويسارا، المغادرون الحكم والقادمون إليه، رئاسة وحكومة وأحزابا وبرلمانا وجمعيات وقد أصبح عددها أكثر من الهم على القلب. إنهم جميعا عاجزون عن الفعل وعن التأثير وعن قيادة الناس وتوجيهها وعن إعطاء الحياة السياسية رؤية واضحة وقيمـًــا قادرة على الإقناع والتحفيز. السنوات الأربع الماضية أصابت معظمهم بحالة إعياء وتهافت في الخطاب ليس من السهل رده إلى الرصانة.


– الثاني أن شرائح واسعة من الشعب أصبحت لا تطاق في تذمرها الذي لا حدود له وفي مطالبها التي لا تنتهي. الكل يبحث عن مصالحه الفئوية ولا يهمه من شأن البلد أي شيء آخر. المظهر الأبرز في هذا السياق هو تفشي الإضرابات في كل القطاعات تقريبا مع مطالب أولها مالي وآخرها أشياء عديدة أخرى. لا نتحدث هنا طبعا عن العاطلين والمهمشين والفقراء الذين قيل إن هناك ثورة لإنصافهم ووضع حد لمعاناتهم فهؤلاء ازدادوا بؤسا وتعاسة، بل نتحدث عن أناس يعملون ومنهم من يعتبر من «علية القوم». ربما تكون مطالب المضربين مشروعة في معظمها ولكن لا أحد قال لهم بالصوت العالي، ولا هم قالوا لأنفسهم طبعا، بأن الظرف ليس مناسبا أبدا وأن أوضاع البلاد لم تعد تحتمل وأن استنزاف ما تبقى من قدراتها سيودي بها إلى التهلكة أو الارتهان الدائم إلى تداين يتفاقم. «عريان يسلب في ميت» هذا هو المثل التونسي الذي ينطبق الآن على علاقة المواطنين بدولتهم.


المفزع في العنصر الأول هو أن وصول الناس، لا سمح الله، إلى الكفر المطلق والنهائي بسياسيي البلد، إسلامييهم وليبرالييهم ومن بينهما على حد سواء، ووصولهم إلى أنهم جميعا «كيف كيف» كما يقول التونسيون، أي أنهم كلهم سواء لا يبحثون سوى عن الكرسي وعن مصالحهم الشخصية قبل الحزبية والحزبية قبل الوطنية، إن الوصول إلى هذه الخلاصة وتفشيها ثم ترسخها لن يكون سوى مقدمة لفتح الباب تدريجيا لكل مغامر أو متطرف ليستغل ما هو حق ليصل به إلى كل ما هو باطل بالكامل، وهو الانقلاب على كل ما حصل من إنجازات على الصعيد السياسي والقانوني ليصرخ في وجه الجميع بأن اللعبة انتهت وعلى الجميع أن يعودوا إلى بيوتهم ويأووا إلى فراشهم!!


أما المخيف في العنصر الثاني فهو أن شرائح واسعة من الشعب التونسي قد رأت «نخبتها» السياسية على هذا النحو فسارت على نهجها إلى أن صارت هي نفسها أسوأ منها. التونسي الآن، وللحقيقة حتى قبل ذلك، لم يعد يهمه سوى مصلحته المباشرة في أضيق حدودها ولو كانت على حساب الجميع، القريب قبل البعيد. الأنانية و»تدبير الراس» صارت شعار الجميع وديدنهم اليومي. والنتيجة أن الشعور الوطني صار إلى تراجع مستمر بعد أن كان نفض عنه غبار الدكتاتورية عقب سقوط بن علي وإن كان يعود بين الفينة والأخرى وبالأخص إثر بعض العمليات الإرهابية من حركات دينية متطرفة، أصيلة أو مخترقة أو عابرة للحدود لا يهم.


ما يغذي الأمرين معا أن متابعة تضاريس الشأن العام في تونس صارت مرهقة لما يكتنفها من غموض مريب، فكثير من الأمور التي تجري ومن القوانين التي تسن والتعيينات التي تحصل تحيل إلى شعور ملتبس بأن هناك دوائر خفية ما هي من يحرك خيوط اللعبة، نوعا من حكومة الظل التي لا أحد يعرف تفاصيلها بالضبط، أو قلة هم من يعرفها، مع تدخلات أجنبية عديدة لا أحد يسردها جميعا. هذا فضلا عن دائرة الفساد التي ازدادت تشعبا والتباسا مع امتدادات سياسية الخفي فيها أكثر من من الظاهر. كل ذلك مصحوبا بعالم لا أول له ولا آخر من الإشاعات والأخبار الكاذبة المفضوحة في وسائل التواصل الاجتماعي، مع إعلام متخم بحسابات لا تتوانى عن استغلال حيرة الناس لتوظيفها في اتجاهات غير معروفة بالضبط، مستعينا بـ «نجوم تلفزيون» يوجهون الرأي العام بلا أهلية مهنية ولا سياسية ولا أخلاقية.


هل هي الفوضى أم كله مدروس بعناية؟! الأكيد أن الصورة قاتمة ومغرقة في التشاؤم.. ولكن أن يطلق بعضنا صرخة الفزع هذه الآن أفضل من أن يطلقها بعد خراب تونس… لأن خراب البصرة تم منذ زمن بعيد.

 

 

محمد كريشان

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (1)

User
الصحراء المغربية
الصحراء المغربية 11 سنوات منذ
<strong>نظام تونس نسخة من نظام الجزائر الدي خرب البلاد والعباد .</strong> يبدو ان الشعب التونسي بتخليه عن الحزب الاسلامي وانتخاب الحزب العلماني قد دمر نفسه خصوصا وان نظام السبسي هو صورة كاملة من صورة النظام الجزائري ولكن في هيئة مدنية وليست عسكرية كما هو الحال بالجزائر . ولعل تدخل الجزائر السافر بالمال في شؤون تونس هو الدي ادىالى هدا الوضع . فقبل الانتخابات كان السبسي يدهب كل مرة الى الجزائر للتشاو مع ساستها الدين كان لهم تأثير عليه بسبب اتفاقهما على العداء للاسلاميين وهكدا وقفت الجزائر بمالها وشياتيها الى جنب السبسي في حملته الانتخابية الى ان فاز وكانت اول زيارة له بعد انتخابه هو التوجه الى الجزائر لشكر حكامها على وقوفهم بجانبه , اليوم استيقض الشعب التونسي بعد انتخاب السبسي على الفوضى والارهاب ومزيد من الفقر والتهميش في عهد النظام العلماني .