الحراك السياسي في الجزائر بين ثقافة التجزئة والتفكيك والتمترس في الخنادق المتقابلة
تابعت باهتمام كبير المقال المطول للأستاذ يحيى عبد النور، الذي نشرته الصحافة الوطنية تحت عنوان"الربيع الجزائري"، أما مصدر الاهتمام فهو الكاتب نفسه، من جهة، ومحتوى المقال من جهة أخرى. وأعترف بداية، أن المقال يغري ويشد القارئ لمعرفة ما يريد، من خلال التحليل والاستشهاد، أن يصل إليه من استنتاجات…
تابعت باهتمام كبير المقال المطول للأستاذ يحيى عبد النور، الذي نشرته الصحافة الوطنية تحت عنوان"الربيع الجزائري"، أما مصدر الاهتمام فهو الكاتب نفسه، من جهة، ومحتوى المقال من جهة أخرى.
وأعترف بداية، أن المقال يغري ويشد القارئ لمعرفة ما يريد، من خلال التحليل والاستشهاد، أن يصل إليه من استنتاجات، إلى درجة أنني، كما قد يكون الشأن بالنسبة إلى غيري، كنت أقرأ النص دون أن أتوقف عند المعنى والدلالة، مما جعلني أعود إلى مراجعة المقال لأبحث في ثنايا الكلمات وخبايا الجمل ومكنونات ما بين السطور.
إن من حق الأستاذ، أن يبدي رأيه بصراحة في شؤون بلده، أن ينتقد،أن ينصب نفسه- إن شاء- مصلحا أو "نبي" هذا الزمان أو وصيا على التاريخ والشعب معا!.
قد نجد في ذلك كل العذر للأستاذ، إذا اعتمدنا حسن النية واعتبرنا أن ما يصدر منه من أحكام ونعوت في حق الجميع تقريبا، باستثناء شخصه وجماعته طبعا، نابع من غيرة وطنية صادقة ومن حرص أكيد على الجزائر الموحدة، التي يتعايش أبناؤها في وطن واحد، لا بديل لهم عنه.
كلما ساورني الشك في عبارة أو جملة أو مفهوم، كنت أعاتب نفسي وأدفع التهمة عن الأستاذ الكبير، الذي كنت أعتقد أنه ينظر إلى الجزائر من نافذة الوطن كله، شعبا وتاريخا وهوية وانتماء حضاريا،وليس من وراء ثقب أو كوة صغيرة، وأنه أبعد ما يكون عن ثقافة التجزئة والتفكيك وزرع الألغام والتمترس في الخنادق المتقابلة.
هل أنا بصدد اكتشاف الأستاذ عبد النور، هذه الشخصية المعروفة؟، أعترف مجددا بأن سلسلة المقالات الأخيرة، التي ترافع من أجل "ربيع جزائري"، قد مكنتني من الوقوف على جوانب كثيرة، من أفكار الأستاذ، حتى إن كانت واضحة وجلية، من حيث المبنى والمقصد، وهو ما تؤكده كتابات سابقة، أفصح فيها بوضوح عن رؤيته، خاصة بالنسبة لمسألة الهوية الوطنية.
قد نتفق وقد نختلف مع ما ذهب إليه الأستاذ يحيى عبد النور، في تحاليله الخاصة للحراك السياسي الذي تشهده البلاد، حتى إن طغى في الكثير من أحكامه نوع من المبالغة والتجني، خاصة وأن المعني أستاذ محترم، مما يعني أن مقامه يقتضي منه الالتزام بالحذر في إطلاق الأحكام والاتهامات!.
نعيد التأكيد على أنه لكل جزائري الحق في الاجتهاد وفي إبداء المواقف وعرض الأفكار وفي خوض المعترك السياسي، بما يلزم من قدرات فكرية وحجج وأدلة، خاصة ونحن نتحدث عن أستاذ قدير وقامة كبيرة في المحاماة، وهو أعلم بما يجب اعتماده من أسلحة قانونية، حتى تكون المرافعة ناجحة وليس على الهامش أو خارج الموضوع.
لقد رافع الأستاذ عبد النور عن اللغة الأمازيغية، وضرورة أن تحتل مكانتها في المجتمع الجزائري، ولا اختلاف في ذلك، فهذه اللغة ملك الجزائريين جميعا، وهي رصيد وطني وعلى الدولة أن تفيه حقه وتضمن له مكانته الجديرة به، لكن لماذا يعمد الأستاذ إلى كل هذه المرافعة الطويلة والتي تحمل شحنة من الحدة والعنف في الدفاع عن هذه اللغة، دون إشارة، ولو من بعيد، إلى واقع اللغة العربية في بلادنا، بل إن المتمعن فيما بين السطور، يستشف بكل بساطة بأن الأستاذ يعتبر هذه اللغة "غازية" وأجنبية ويجب أن تطرد من هذه الديار.
إن القارئ للمقال يستنتج بوضوح بأن ترسيم الأمازيغية هو الحل بالنسبة لمشاكل البلاد، بما في ذلك المستعصية منها، لكن لماذا لم نسمع ولو كلمة، مجرد كلمة، لكشف الحقيقة، التي تقول بصراحة بأن العربية والأمازيغية ضحيتان لسيطرة لغة أجنبية، أم أن ذلك يجد هوى لدى الأستاذ، فلم يستطع أن يقول ما يجب أن يقوله كل وطني مخلص، حريص على أن تستعيد الجزائر كل مقومات هويتها الوطنية.
إن العربية لم تكن يوما عدوا للأمازيغية ولن تكون، ويدرك الأستاذ عبد النور جيدا، أن هناك صورة مزيفة ومغرضة تحاول أن تقدم الشعب الجزائري على شكل أغلبية عرقية ساحقة وأقلية عرقية مسحوقة، نتيجة لطغيان "لغة أجنبية"- وهي اللغة العربية- بالطبع، كما يدعون. كما أنه على علم بأن الهوس الفرنسي بلغ مداه في أكثر من مرة، ومن أعراضه المعروفة أن بعض الدوائر السياسية والإعلامية في باريس عادة ما تتحدث عن " شعب بربري مضطهد" من طنجة غربا إلى الصحراء المصرية شرقا. هل يرضي ذلك الأستاذ الفاضل أم أنه ينهل من نفس المشرب.
لا مجال لاعتبار العربية عدوا أو منافسا للأمازيغية، هذه اللغة التي يجب الحفاظ عليها وتنميتها، وهذا ما تجاهله الأستاذ عن قصد، في حين أن المطلوب هو الدعوة إلى هوية وطنية تجمع الجزائريين على جوهرها المتعدد الأبعاد: الإسلام عقيدة وثقافة وحضارة والعربية باعتبارها لغة جامعة ومن عوامل الوحدة الوطنية والأمازيغية لسانا وطنيا وتراثا ثقافيا لكل الجزائريين، ثم مواطنة تقوم على حقوق وواجبات يحددها القانون.
في هذا السياق، يحضرني ما كان قد قاله المحامي والمناضل المعروف، مبروك بلحسين، الذي ترك حزب الشعب الجزائري سنة 1949، إثر ما عرف آنذاك بالأزمة البربرية، حيث يقول: "إن ملوك وأمراء البربر هم الذين احتاروا اللغة العربية لتكون لغة رسمية".
"إن التطرف يقلقني والمتطرفون يخيفونني"، هذا ما قاله المناضل الأستاذ مبروك بلحسين، وأجدني أستعير منه هذه الكلمات، للتأكيد على أن المطلوب اليوم، خاصة من الأستاذ يحيى عبد النور، ليس المساهمة في زرع الأفكار المتطرفة والبحث عما يفرق، بل العمل على دعم مقومات الوحدة الوطنية والاستعانة دائما بتلك العبارة الموجزة والحكيمة التي قالها الشيخ عبد الحميد بن باديس: "نحن أمازيغ عربنا الإسلام".
إن "الربيع الجزائري" الذي يبشرنا به الأستاذ عبد النور، ليس ربيعا حقيقيا، تزدهر فيه شخصيتنا الوطنية بركائزها المعروفة: الإسلام، العربية والأمازيغية، ولن يكون هذا الربيع إلا شبيها بذلك "الربيع" المشؤوم، الذي يزرع الفتنة والرعب والفوضى في أكثر من بلد عربي.
لقد كنا نتمنى لو قام الأستاذ بمرافعته عن العربية والأمازيغية معا، وهو الذي يعرف جيدا أن العربية مقهورة ومطاردة في عقر دارها وأن الفرنسية هي المهيمنة في الإدارة والاقتصاد والدبلوماسية، ويقينا أن الأستاذ، وهو الضليع بتلك اللغة الأجنبية، يعرف جيدا أن هناك من يسعى إلى ضرب العربية بالأمازيغية، حتى يكون التمكين نهائيا للغة الفرنسية في الجزائر.
إن الهدف، ليس الرد على الأستاذ يحيى عبد النور، بل مجرد محاولة للفهم والاستكشاف وتبيان الحقيقة، التي يبدو أن السياسة قد أهالت عليها التراب، فضيعتها وأضاعت معها كل إحساس بالمسؤولية، ولا نشك في أن الأستاذ يدرك جيدا أن سقف الحرية هو المسؤولية.
أليس من المؤلم حقا أن يكرس البعض جهده وفكره في البحث عما يفرق، عوض التركيز على الأساسيات والرؤى الجامعة والقواسم المشتركة، وإذا كان لا بد من التذكير، فلا بأس أن يعرف الأستاذ عبد النور- وهو العارف طبعا- بأن بلادنا تتمتع بكل مؤهلات الوحدة الوطنية وأن الأمازيغ قد اعتنقوا الإسلام واندمجوا طوعا في الثقافة العربية الإسلامية، بل أبدعوا بها ونشروها وكانوا لها من المدافعين الأصلاء، وإنه من حق الأمازيغ أن يفخروا بدورهم في إثراء والحفاظ على اللغة العربية وأن يفاخروا علماء المشرق بما أنجزوه من مؤلفات، مثل الأجرومية وغيرها.
ويدرك الأستاذ جيدا، وهو الذي يتحدث عادة عما يسميه " نداء الجذور"، بأنه ليس هناك من يستطيع أن يقدم دليلا علميا واحدا على تميزه أو تمايزه العرقي، مهما كانت اللغة أو اللهجة التي يستعملها أو المنطقة التي يسكنها، ومعروف أن هناك أمازيغ لا يعرفون كلمة واحدة من الأمازيغية، وهناك غيرهم من لجأ إلى هذه المنطقة أو تلك في ظروف معينة، وهم اليوم يتقنون الأمازيغية، والسؤال: من هم هؤلاء ومن هم أولئك.
وقد يكون من المفيد أن نشير إلى أن الهوية، التي يجب أن ندافع عنها، هي التي تهدف إلى إدماج جميع الجزائريين في جذع مشترك، ولذلك ينبغي فهمها في سياقها الكلي المتفاعل، بعيدا عن كل رؤية ملغمة، ظاهرها خدمة الأمازيغية، لكن هدفها الأساس هو استبعاد اللغة العربية وإبعاد الشعب الجزائري عن تاريخه وانتمائه الحضاري ومحاولة دمجه في محيط آخر لغة وثقافة وانتماء.
ويبدو واضحا، أن الكثير من الطروحات تلتقي في الطرح مع المخطط الإجرامي للاحتلال الفرنسي في محاربة العربية واعتبارها لغة أجنبية، ثم أليس الاعتراض على الانتماء العربي الإسلامي للجزائر وجهة نظر انعزالية، علما بأننا لم نسمع في العالم كله من يتحدث عن فرنسا الفرنسية أو بريطانيا البريطانية، كما أن كل البلدان الأوروبية لا تجادل في انتمائها الأوروبي، وذلك هو الشأن بالنسبة للجزائر، التي لا يمكن فصلها عن محيطها الحضاري أو عزلها عن انتمائها التاريخي والجغرافي.
إن المجال لا يتسع للحديث عن اللغة الأم، التي يستند إليها الأستاذ، ولا مجال أيضا للقيام بمرافعة عن العربية، هذه اللغة الموحدة لكل الجزائريين، التي تعتمدها الأمم المتحدة، كواحدة من اللغات الخمس الرسمية التي يتكلم بها ما يزيد عن أربعمائة مليون نسمة، وهي لغة القرآن الكريم، مما يجعل منها اللغة المقدسة لأكثر من مليار مسلم، وبالتالي فهي لغة جامعة، وليس عنصر فرقة أو إقصاء أو استعلاء.
إذن، لا مرحبا بذلك "الربيع"، لأنه بمواصفات الأستاذ عبد النور، لن يكون ربيعا للجزائر الواحدة والموحدة، الحرة والسيدة، الراسخة في هويتها الوطنية، التي تعلوها راية الديمقراطية، يسودها العدل وينعم أبناؤها بالكرامة، بل سيكون جحيما للجزائريين كلهم، في جميع جهات البلاد، لأنهم شعب واحد وليسوا شعوبا متعددة، يعيشون في وطن واحد، يسمى الجزائر، وهذا ما ناضل واستشهد من أجله عميروش وغيره من أبطال التاريخ.
أول الكلام
"الهوية يصنعها التاريخ.."
بولقرون محمد نذير
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (2)