أين هو النهوض بالاقتصاد الوطني واين وعود الرئيس؟
قال رئيس الحكومة الجزائرية عبد المالك سلال في اجتماع مجلس الوزراء الخميس إن حكومته ماضية في سياسة تنويع اقتصادها لبناء اقتصاد وطني قوي داعيا إلى ضرورة الخروج من سياسة الإنفاق العمومي واستبدالها بالنجاعة الاقتصادية في ظل تراجع مداخيل الدولة. غير أن كل المؤشرات والمعطيات تؤكد أن هذا الموقف يأتي…
قال رئيس الحكومة الجزائرية عبد المالك سلال في اجتماع مجلس الوزراء الخميس إن حكومته ماضية في سياسة تنويع اقتصادها لبناء اقتصاد وطني قوي داعيا إلى ضرورة الخروج من سياسة الإنفاق العمومي واستبدالها بالنجاعة الاقتصادية في ظل تراجع مداخيل الدولة.
غير أن كل المؤشرات والمعطيات تؤكد أن هذا الموقف يأتي في سياق المحاولات العقيمة والتي لا جدوى من ورائها في غياب استراتيجية واضحة وبعيدة المدى تهدف إلى إعادة هيكلة عميقة للنظام الاقتصادي والسياسي والإداري بالجزائر، وفقا لكثير من المحللين الذي يرون أن "حلم" سلال "لن يقع في المنظور القريب والمتوسط".
ولاتزال الجزائر تتخبط في أزمة شامل وعلى جميع الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والتنموية والسياسية، يرجعها المحللون إلى عقود طويلة من "الارتجالية في صناعة القرارات وغياب رؤية واضحة ومستقبلية رهنت الاقتصاد المحلي داخل إيديولوجية عقيمة لم تبرحها كليا إلى يومنا هذا الأمر الذي جعل مناخ الاستثمار يتأثر سلبا بتلك القرارات غير الواقعية، ويصطدم بالسلوك الفاسد للقيادات السياسية والعسكرية والبيروقراطية".
وتبدو محاولات النظام الجزائري الخروج من نفق الأزمة الداخلية التي خلفها الهبوط في أسعار النفط، بالتوجهه نظريا نحو صياغة سياسات جديدة لجذب الاستثمار وترشيد النفقات وفتح آفاق التشغيل وتنويع الاقتصاد، آيلة إلى فشل ذريع آخر.
لا سيما وأن سلال قفز إلى الحل الأسهل للتصدي للأزمة الاقتصادية في بلاده بتأكيده على أن الجزائر تملك من احتياطات الصرف تمكنها من تغطية 26 شهرا من الاستيراد بالوتيرة الحالية دون أي مشكل.
ويقول مراقبون إن هذا التصريح يعني أن سلال يراهن على الوقت وعلى عودة اسعار النفط للارتفاع في الأسواق العالمية، ما سيمكن الجزائر مرة أخرى من تعويض الخسائر في المداخيل التي نضبت بسبب انخفاض أسعار النفط العالمي.
وبِنَفَس شعبوي مبالغ فيه يدعو الوزير الأول الجزائري، إلى التخلي عن سياسة الاقتصاد المبني فقط على مداخيل المحروقات والتوجه نحو اقتصاد مؤسس على الاستثمار في القطاعات المنتجة.
وتفتقد الجزائر إلى حد الآن إلى أبسط الشروط المحفزة على الاستثمار. إذ لا يمكن للمستثمر جزائريا كان أو من الخارج ان يحصل على أرض مجهزة ومهيأة لأي نشاط استثماري، ناهيك عن متاهة الاجراءات الادارية والقضائية المنفرة للمستثمرين.
ولا يتحدث سلال صراحة عن ضرورة توفير الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي هو من أهم الضمانات الواجب توفيرها لأي مستثمر يريد إقامة مشاريعه على الأرض.
ولاتزال الجزائر بيئة محفوفة بالمخاطر وعدم الاستقرار، ولاتزال أحداث غرداية ماثلة للعيان أمام عجز النظام عن الحسم في إيجاد حل أمثل لتداعياتها.
وبالرغم من توقف الأحداث الدامية للعشرية السوداء إلا أن منسوب السياسة المنتجة لانعدام الأمن لايزال في ارتفاع.
وقال سلال إن حكومته عازمة على المضي قدما في سياسة ترشيد النفقات والتحكم في الموارد وخلق الثروة ومحاربة الغش، والمرور من التنمية إلى النمو الاقتصادي بفتح الاستثمار في القطاعات ذات مردودية.
ويقول مراقبون إن هذه الوعود لن يكون حظها اوفر من وعود سابقة بالإصلاح الاقتصادي لم تر النور مطلقا.
ودأبت الحكومة الجزائرية على إخراج مجموعة من التوصيات والقوانين تقول بتبسيط إجراءات الاستثمار وتسهيلها، لكنها تبقى مجرد حبر على ورق لم تساهم في جلب أي استثمارات كبيرة تذكر.
وعادة ما يجعل الفساد المستشري في الإدارات وتداخل الصلاحيات وغياب المراقبة والمحاسبة إلى جانب عدم وضوح القوانين الاستثمارية، عرضة للتأويلات المتباينة والانتقائية.
أما إجراء ترشيد النفقات الذي يتحدث عنه الوزير الأول عبد المالك سلال، فيتنافى مع "الرشوة" التي ستقدمها حكومته قدرها بـ54 مليار دينار جزائري لما يقارب 1.6 مليون موظف، سيستفيدون من زيادة في الأجور ابتداء من أغسطس/آب بأثر رجعي من يناير/كانون الثاني 2015.
ويصف عدد من المحللين هذه الزيادات بالرشوة لأنها تأتي في سياق مساعي الحكومة لشراء السلم الاحتماعي في البلاد التي دابت السلطات على انتهاجها منذ اندلاع الشرارة الأولى لأحداث "الربيع العربي" في محاولة لامتصاص أي غضب شعبي محتمل ضدها.
واكد سلال أن الدولة عازمة على مواصلة سياستها في دعم المستثمرين الشباب بشرط أن تكون الاستثمارات ناجعة وخالقة للثروة وذات مردودية لتفادي التبذير.
وويقول مراقبون إن كلام سلال يعبر عن سريالية مبالغ فيها، وكأنه لا يعلم أن إجراءات الإدارة المعقدة والطويلة والمرهقة والمكلفة، تجعل المستثمر يفر بما تبقى من ماله وجهده إلى وجهة أكثر أمانا وسلاسة في الإجراءات.
وحتى لو تحمل المستثمر سواء المحلي أو الأجنبي المشاق التي تفرضها البيروقراطية الإدارية وتعقيداتها، فإنه يواجه الطامة الكبرى عندما يصطدم بمشكل غياب الماء والكهرباء والغاز والهاتف ومجرى الصرف الصحي، لتبقى درجة المخاطرة مرتفعة في الجزائر بالنسبة لأي مستثمر يريد الدفع بامواله في هذه البيئة التي تتسم برداءة السوق المالي نتيجة ضعف أداء بورصة.
ويتساءل الخبراء الاقتصاديون: كيف يمكن لسلال تغيير ماعلق بالنظام البنكي في الجزائر من سلبيات تعيق تأهيله، منها هبوط حاد في كفاءة المهنيين ورداءة واضحة في النظام المعلوماتي، وبطء كبير في منح القروض وتفاوت كبير بين الضمانات التي يطلبها البنك وقيمة القرض، وتلكؤ في تحويل الأجور والأرباح نحو الخارج، الشيء الذي يجعل المستثمر يعزف عن الاستثمار في هذا البلد.
وتؤكد دراسة ميدانية أن إمكانية الحصول على تمويل مصرفي سواء كان قرض استغلال أو قرض استثمار، تعد مسألة غاية في الصعوبة والتعقيد، خاصة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة.
واستنادا إلى استقصاء أعده البنك العالمي في وقت سابق، تبين أن أقل من 30 في المئة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، استطاعت الحصول على نحو 15 في المئة فقط من احتياجاتها التمويلية فًي شكل قرض بنكي في حين أن 75 في المئة تمويل ذاتي.
ويقول الخبراء إنه لا يمكن للاستثمار أن ينمو في بيئة فاسدة وتزدهر في أرجائها الرشوة. فحسب ترتيب المؤشر العالمي للفساد والرشوة، فقد ارتفع مؤشر الفساد في الجزائر خلال سنة 2014 بستة درجات كاملة مقارنة بسنة 2013، حيث حلت في المرتبة 100 بعدما جاءت في المرتبة 94 العام 2013.
وهذا ما يؤكد على تنامي ظاهرة الفساد والرشوة في المؤسسات العمومية. الشيء الذي ينعكس سلبيا على جذب الاستثمارات الأجنبية.
فقد أصبحت الجزائر رائدة في تنامي مظاهر الرشوة على مستوى البنوك ومنح الصفقات العمومية الكبرى وفي قطاع البناء والأشغال العمومية وقطاع النقل والصحة.
بالإضافة الى كل ما تقدم ذكره، يستمر عائق أساسي للاستثمار بالجزائر يتعلق بطول وتعقيد الإجراءات القضائية، إلى جانب غياب محاكم مختصة في النزاعات ذات الطبيعة التجارية بالإضافة إلى انعدام ما يسمى بالتحكيم، ودون الحديث عن استشراء الرشوة وعدم الشفافية.
وإن ما يغلب كفة نضوب الاستثمارات بالجزائر ويساعد على تجفيفها، تعتيم تام للمعلومة الاقتصادية المحفزة للمستثمر على دراسة السوق وفرصه ومحفزات الاستثمار، إلى جانب شبه استحالة الوصول إلى قواعد بيانات بعض الهيئات والإدارات، وضحالة الإعلام الاقتصادي المبني على المصداقية والمهنية.
ويقول محللون إن كل هذه الحقائق المفزعة تجعل الحكومة الجزائرية عاجزة بشكل تام عن خلق بيئة حاضنة للمستثمر المحلي، ومستقطبة للمستثمر الأجنبي ما يضيع فرص نمو حقيقية للاقتصاد الجزائري وتنويعه وتخفيف البطالة المستشرية.
محمد بن امحمد العلوي
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (3)