أين “خلافة” الله في أرضه حتى نتكلم عن خلافة رسوله؟
من المعلوم أن “القرآن” هوالكتاب الذي أنزل على النبي العربي سيدنا محمد (ص)، ويعتبره بعض السادة العلماء -لوكا بألسنتهم- أنه المرجعية الأعلى والأصل الأول، وبين الاعتبار والاعتقاد طبعا بون يتعذّر قياسه؛ ومن خصائص هذا الكتاب بحمد من أنزله، أنه ليسا وقفا على حُراس المعبد وكهنة الدين، لا يقرؤه غيرهم حصرا…
من المعلوم أن “القرآن” هوالكتاب الذي أنزل على النبي العربي سيدنا محمد (ص)، ويعتبره بعض السادة العلماء -لوكا بألسنتهم- أنه المرجعية الأعلى والأصل الأول، وبين الاعتبار والاعتقاد طبعا بون يتعذّر قياسه؛ ومن خصائص هذا الكتاب بحمد من أنزله، أنه ليسا وقفا على حُراس المعبد وكهنة الدين، لا يقرؤه غيرهم حصرا، ولا يتدبّر ما جاء فيه سوى تلكم الجثث الفكرية المحنطة قرونا، بل أمر سبحانه الجميع بقراءته والتفكر فيه، واكتفي بهذا مقدمة لأقول:
كغيري من المسلمين العاديّين من الدرجة العاشرة، على السلم البشري لدى علماء عصرنا وأمرائنا، وهي بالمناسبة الدرجة الدنيا، فالدرجة الأولى خاصيتهم هم لا يشاركهم فيها احد، لذلك يمكنكم أن تفهموا أنهم لن يقرؤوا، ولن يعيروا اهتماما لأصحاب الدرجة العاشرة، وقبل أن ينتفض في وجهي سلفيٌ متفيقه بقوله: لا تخلط بين العلماء والأمراء، مستدلا بعبارة ينسبونها زورا وبهتانا للنبي “لحوم العلماء مسمومة”، أقول:، قد فرّخ علم وعبادة كِبرا جرّا اللعنة على صاحبهما، وهذا ما وقع لابليس الذي لم يكن تكبّرُه لمال ولا جاه ولا سلطان، بل بعد علم وعبادة، أوهماه المغرور بأن النار خير من الطين؛ ثم إن كانت لحوم العلماء مسمومة، أيعني ذلك بأن لحوم عامة الناس حلوة طيبة !!! أغلب علماء عصرنا متكبرون ولا يقرؤون لنا، ولا حتى لكبار المفكرين والمحلّلين السياسيين والخبراء، بل يقتصرون على قراءة ما يكتبه من ينتسب لناديهم لا غير، ويحمل بطاقة الدرجة الأولى من البشر، وحوارهم مع بقية مكونات المنظومة الفكرية للأمة كحالة حوار الصُمّ، تماما مثل حكامنا لا يقرؤون ولا يتفاعلون، إلا لسادتهم من الخواجات، لهذا نرى علماء يقلبون الدنيا إذا أصدر خواجة كاريكاتورا عن النبي، ولا يحركون ساكنا إذا اصدر البرلمان الجزائري تشريعا فيه إساءة للنبي تفوق ملأ الكون ما فعله الرسام “الخواجه”، كتبت عنها (المادة 144) مقالتين اثنتين في صحيفة القدس العربي، الأكثر شهرة ومقروئية أيام كانت تحت مسؤولية الأستاذ عبر الباري عطوان، لكن والله كأنما خاطبت أمواتا (مع اعترافهم في المجالس الخاصة بخطورة الأمر وجديته) وبعدها بأشهر قام رسام خواجة نكرة في صحيفة مجهولة، برسم كاريكاتير فخرج كل العلماء، أقول كل العلماء بعد أن رُتب الأمر مع كل فضائيات الدنيا، لتنقل إلى العالم سخطهم وغضبهم وانتصارهم (الصوري) للرسول، وتأكيدهم بأنهم يقرؤون للخواجات، ويتابعون حتى نكرات أسمائهم، ويقيمون لها وزنا، وهذا نوع من الاحتلال الملتبس على ضحاياه المساكين حتى وإن كانوا علماء.
لن أحدثكم هنا تفصيلا عن سلم الدرجات البشرية، الذي يسلك وفقه هؤلاء القوم (علماء وأمراء)، من الثانية التي تجمع بطانة السوء قبح الله أهلها، والثالثة من عبيد السابقتين من التجار، تجار الأوطان والأعراض والدماء، خيّب اللهُ أصحابها، ذلك أن الأمر يستحق مقالات، بل سأبقى وإياكم أهل الدرجة الدنيا العاشرة، ومن حقي أن أقرأ القرآن، ومن حقي محاولة فهم ما أمكنني دون إذن إلا من صاحبه الذي أمر. لا من أمير سكير ولا من عالم نحرير.
الخلافة مفردة أصبحت تبث الرعب والفزع لدى عامة المسلمين وسائر الناس عند سماعها، لأنها رُبطت ظلما بالدم والمكائد والخيانات، والجرائم البشعة، أكان قائلها البغدادي أم القرضاوي أوالقرة داغي او الجفري أوشريم اوسديس أيا كان، فضلا عن دعاة “الشو” (القصّاصين) آخر زمن، العريفي وعمرو وغيرهما، بل حتى العبقري فلتة زمانه “أدونيس″ ربط مفردة “الخلافة” بالدماء وجرائم القتل، والمصيبة أنه ألصق كل الشرور بها، على أن مصدرها الأول في التاريخ البشري خلافة رسول الله، طبعا يوزع الرجل طلاسمه الفكرية هذه، ناسيا أومتناسيا بأنه يقف على أرض، أديمها مركب من ملايين الجثث من أبناء أوروبا، سوّيت أجسادهم قتلا مروعا لتغطي مساحة قارة بأكملها، في حربين كونيتين بين الأوروبيين أنفسهم ووحدهم، لم يكن فيهما هناك محمد ولا خلفاؤه؛ وحدث ذلك في القرن الماضي فقط، ولوتذكر السيد أدونيس حروب البشر من اجل “السلطة” (الخلافة) لأكتشف أنها طحنت كل شعوب الأرض من آسيا إلى أمريكا، ومنذ آلاف السنين قبل وجود العرب فضلا عن الرسالة المحمدية وخلافتها؛ وطبعا كذلك هناك من يطبل لهذا المنطق الأعمى، في القاهرة والإسكندرية والجزائر، لا لشيء إلا لوهج شهرة أصحابه. وكما قيل بين العبقرية والجنون خيط رفيع.
المهم كمسلم بحمد الله من الدرجة العاشرة بكل فخر واعتزاز، تأملت مفردة الخلافة؛ فلم أجدها جاءت توقيتا زمنيا مع محمد (ص) ولا بعده، هذه المفردة هي أول كلمة قيلت ورفعت لحظة خلق الإنسان الأول، آدم عليه السلام، ولم يقل الخالق لحظتها: إني جاعل في الأرض عابدا أومصليا أوحاجا أومزكيا، أومسيحيا أويهوديا أوبوذيا، بل قال إني جاعل في الأرض “خليفة”، والسؤال الذي تبادر إلى ذهني: خليفة من؟ وفي ماذا؟ الواضح من السياق أنه خليفة الله، وخليفته في أرضه وعلى خلقه، أودع فيه من صفات القدرة الفاعلة، والمشيئة عن علم وخيار وغيرهما، ما يمكّنه فعلا من خلافة الله في الأرض، دون غيره من ملايين المخلوقات وعلى رأسها الملائكة والجن، التي أمرت جميعها بالسجود لآدم. لكن اللافت أن عند إعلان “الخلافة” في لحظة الخلق الأولى، برزت لأول مرة كذلك عبارة “سفك الدماء” ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)؛ هنا تستوقفني ثلاث محطات، الأولى تقدم الفساد عن سفك الدماء، كأنما المراد أن سفك الدماء لن يكون إلا بعد الفساد والإفساد أونتيجة طبيعية أوحتمية لهما، وهذه قاعدة صحيحة منذ تكوُن المجتمعات البشرية إلى غاية اليوم؛ و قد سبق وأن حذرنا الحكام العرب من الفساد والإفساد، خوفا من سفك الدماء الذي يكاد يرتبط به عضويا؛ ولكن الدرجة الأولى لا تقرأ للعاشرة؛ الملاحظة الثانية وهي التقابل بين المفردتين في موقف واحد “الخلافة” من جهة “الإفساد وسفك الدماء” في الجهة المقابلة؛ والملاحظة الثالثة والأخيرة هي غياب الجزء الأهم وهوالأصل، عن الملائكة في الموضوع، والغريب هنا أنه غائب أومغيب لدى أصحاب الدرجة الأولى كذلك، هذه الأخيرة رهنت قيام الخلافة – مؤيدة لها كانت أم معارضة- بالإفساد والخراب ثم سفك الدماء، وهذا ما نشاهده بأم أعيننا اليوم.
الجزء الثالث وهوالأصل والمغيب عن المشهد، جاء بعد مفردة “الخلافة” وعبارة “يفسد فيها ويسفك الدماء” يقول عن الأصل والعلة في خلق آدم: وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين”.(32البقرة) الأصل إذن هومفردة “العلم” و”التعليم” (من علّم آدم)، يؤكد ذلك رد دفع الملائكة في معرض استغرابهم : ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؛ لم تكن الأولية للتسبيح ولا للتقديس في علّة خلق آدم، وإنما لمفردة “العلم” أولا وسيدا ورأسا لكل الأعمال؛ ولكن صفة العلم مشتركة وإن بنسب متفاوتة، بين بني آدم والملائكة والجن كذلك، فأي شيء تميز به إذن آدم ونسله واستحق لأجله من دونهما خلافة الله في الأرض؟
الفارق واضح من خلال الصفة الإلهية التي لولاها لما عرف “الله”، إنها الخلق (الإبداع- الصناعة)، فلولم يخلق اللهُ الخلق لما عرف، وعملية الخلق لن تأتي إلا بعلم وبناء عليه، إذن علم آدم ميزته عن غيره من الكائنات أنه مؤهل بل وموكل بالإبداع والخلق (تبارك الله أحسن الخالقين)، الملائكة على علمها لا تبدع شيئا من ذاتها ووفق مشيئتها المستقلة وخيارها الحر، وما علمنا للجن إبداعا وخلقا واختراعا سوى التماثيل والقدور ولكن بأمر وتوجيه من سليمان؛ هنا الفارق بين علم آدم وعلم غيره، وهوأرفع درجة وأعلى قدرا. ولواقتصر علم آدم على السجود والركوع والتسبيح والتقديس وفقه العبادات، لما كان من العدل أن تسجد له الملائكة وهي تساويه بعلمها عمله.
إذن خلافة آدم لله في الأرض، تتجلى في الإبداع والخلق والعمران، وكل ذلك يبنى على “العلم” وصفات القدرة والمشيئة التي أعطيها هبة من الله وامتحانا، ولا يمكن منطقا بأي حال من الأحوال أن تتجلى صفة الخلافة في القتل والخراب والإعدام أوالعدمية، لأن كما قلنا العدمية لا تُعرّفُ بالله ولا يعرف بها.
وأساس العلم ومنبعه الأول كما هومعلوم “القراءة”، لقد انزل الله كتبا سماوية كثيرة، واختار لكل منها اسما تعرف به، ولم يكن من قبيل الصدفة ولا العبث، أن يختار لآخر كتاب أنزله لبني آدم اسم “القرآن” من فعل القراءة المتواصلة المتكررة ومصدر “قرأ”، كما لم يكن من باب الصدفة أن تكون أول مفردة لهذا الكتاب المقدس يتلقاها النبي صلى الله عليه وسلم هي “اقرأ” كفعل أمر، ولا من باب الصدفة كذلك أن يكرر عليه فعل الأمر ثلاث مرات، ثم واللافت أنه ربط فعل “اقرأ” مباشرة بالصفة الإلهية التي عُرف بها: اقرأ باسم ربك الذي خلق. المعنى المستخلص : اقرأ خلق الله حتى تقوم أيها الإنسان بفعل الخلق والإبداع والعمران، وبأي شيء تقرأ وتتعلم ؟ يأتي الجواب: اقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم.
الخلاصة كما أفهم: خلافة آدم لله في أرضه قوامها العلم المحصل عن قراءة فعل خلق الله، ثم محاكاة خلقه وإبداعه ومزيدا في عمران أرضه؛ وهذا الواقع الماثل أمام أعيننا، فعقل بني آدم قرأ ما حوله من تفاصيل خلق الله، ثم دونها بقلمه، ثم اجتهد في محاكاة صنعه، فأبدع الطائرة والغواصة والسيارة وكل ما نشاهده من صناعة البشر فيه اقتباس من خلق الله بما فيها هذا الكمبيوتر الذي أرقن به المقال الذي تقرؤون،؛ هذه هي “خلافة” الله في أرضه، أكانت بتسبيحه وتقديسه أم لا. الخلق والإبداع والتكوين والعمران.
ختاما يأتي السؤال المنطقي: إن كانت هذه هي خلافة الله في الأرض، فما هي خلافة رسول الله؟ هذه الخلافة التي باتت فزاعة مخيفة للبشر، وينادي بها كل من هب ودب كأنما جاء بما لم تأتي به الأوائل؟ أختصر القول وأجيب: خلافة رسول الله في العبادات والطاعات وفعل الخيرات وإقامة العدل، وغيرها مما له علاقة بين البشر والخالق، وبين البشر فيما بينهم؛ لكن الأهم هنا أنه لا يمكن إقامة ولا الدعوة لخلافة رسول الله قبل القيام بخلافة خالق رسول الله، هكذا لن يقوم الأمر ولن يستقيم، خلافة رسول الله لا تصح ويرتفع بنيانها دون خلافة الله أولا.
وهنا طاشت عقول بعض علماء عصرنا، ولا أتحدث عن الحمقى والسفهاء والجهلة، فبدل العمل على رفع منابر العلم والتعليم، والتي أول نتاجها استقلال الأمة عن بقية الشعوب في طعامها وشرابها وكل ضروريات حياة مجتمعاتها، يدعون لإقامة الدولة الإسلامية وهم عالة في كل شيء على بقية الأمم؛ لقد قدم القوم العربة على الحصان ويدفعون بها جهدهم أمام عقبة كأداء، وأكثر حمقا من هذا المنطق ما رأيت. والمصيبة أنهم حصروا رسالة النبي جورا في إقامة الحدود فقط، من جلد وقطع اليد وغيرهما، مع أن الرسول برئ من هذا المنطق ولم يعمل بالحدود إلا بعد بناء الدولة سيرا على منطق الله ذاته، الذي لم يأمر الناس بعبادته إلا بعد أن أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف.
هؤلاء القوم وأعني بعضهم ممن يرفع عقيرته بشعار “الدولة الإسلامية” و”الخلافة” ما فكر ولا عمل على ضمان طعام الأمة وتحت هذا العنوان علوم كثيرة، ولا تأمل ولا عمل على إبداع سلاح من صنع أبنائها يضمن أمنها والدفاع عن كيانها، وتحت هذا العنوان كذلكم علوم جمة، وقفز إلى إقامة الحدود كعنوان للخلافة، مما بات سجلا تجاريا مربحا ماليا وخسرانا مبينا يوم القيامة؛ كن خليفة لله أولا لتكون خليفة لرسوله.
ملاحظة للقراء الأفاضل: ثقوا أنني أقرأ تعليقاتكم لأكثر من ثلاث مرات شاكرا لكم، سعيا مني للاستفادة منها أكثر، وغيابي أحيانا عن الكتابة لأنني مواطن بسيط مثلكم، قد تتكالب عليه هموم الحياة اليومية، فألجم القلم خشية تأثر الموضوع بذاتية الكاتب وتغلب عليه، ما يفقده التوازن والموضوعية والمعلومة الصحيحة، فالفلاح لا يكتب كما قال أحدهم من أجل الكتابة، ولوكان ذلك ديدني لكنت حاضرا يوميا وفي أكثر من صحيفة؛ أما فيما يتعلق بمقال اليوم، فلست فقيها ولا عالما وأحرص على ألا يعتبر ما ورد فيه مرجعية؛ ذلك أنها مجرد قراءة فلاح مسلم، تجرأ على طرحها لتصويبها ونقدها وتصحيح خطئها وإقامة عوجها وإكمال نقصها، وللقول: أنه من حقنا تدبر القرآن وعرض ما يخطر من فهم على من يستنبطونه من العلماء “العارفين العاملين”. وليس علماء الفضائيات والتوك شو، وعلماء 35ألف دولار أجرة شهرية لتدريس بعض الأميرات حصرا.
إسماعيل القاسمي الحسني
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (5)