التدريس بالعاميّة في الجزائر بين الوسيلة والغاية
أكدت السيدة نورية بن غبريط وزيرة التربيّة و التعليم الجزائريّة، خبر تعليم الأطفال في الطورين التحضيري و السنوات الأولى في الابتدائي بـ “اللغة” أو “اللهجة” العاميّة، و بذلك ” قطعت جهيزة قول كل خطيب”، و أصبح الدخان الذي يصفف طبقات الجو أصدق إنباءً من النار التي تتربع تحته، بعكس المثل الذي تواترته…
أكدت السيدة نورية بن غبريط وزيرة التربيّة و التعليم الجزائريّة، خبر تعليم الأطفال في الطورين التحضيري و السنوات الأولى في الابتدائي بـ “اللغة” أو “اللهجة” العاميّة، و بذلك ” قطعت جهيزة قول كل خطيب”، و أصبح الدخان الذي يصفف طبقات الجو أصدق إنباءً من النار التي تتربع تحته، بعكس المثل الذي تواترته الألسن بقدر من الابتسار و الاقتضاب، و الاكتفاء بالتخمين و الترجيح و النسبيّة . تجنبنا الخوض في الموضوع لما ألفناهُ من استثمار ذاهب في التعب في أمور لم يثبت صحتها بعد، سوى “القيل و القال” و ما انجر عنهما من ثرثرة مذمومة، بيد أن خبر التأكيد جاء مشافهةً في برنامج تلفزيوني على القناة الحكوميّة الجزائريّة، ليفتح المجال واسعاً أمام التجاذبات الثقافيّة في هذا البلد، الذي ترافقت خطواته الأولى بعد استقلاله بقليل مع صراع محموم حول الهويّة و الانتماء، و لم يخفت أوار هذا الاحتدام يوماً واحداً مذّ نفض الاستعمار كنانته عن الأرض الجزائريّة . في شقٍ ما من جدار التاريخ، ثمّة ما يُروى أن اللغات الأوربيّة، هي لهجات منحولة و مصفوفة على قدرٍ مرن، و منحوتة على تؤدة و رويّة من التشاكل الذي تفرضه سنن التطور التاريخي على اللغة، و تقاطعات البشر في ما بينهم، و تناقلهم للصوتيّة و الإسميّة في آن معاً .. و قد قيل مما قيل على وجه الصحة في الرواية ؛ أن هذه اللغات بمثابة اللهجات التي تفتقت عن تلقٍ غير دقيق تماماً عن الفصحى الأصل و هي اللاتينيّة، و نظراً لصعوبتها و استحالة تداولها على يسرٍ و دُربة و هوادة، ظهرت تلك اللهجات المتقاربة في صيغة تدوير ظريف للمحتوى، إلا في بعض التحويلات الصوتيّة حيناً، أو الصيغ و الأسماء و أدوات الربط حيناً آخر، و قد قيل أيضاً أن الفايكينج هم من أشبعوا الانجليزيّة بذلك التفخيم و التمطط منذ “لقائهم” الاستعماري سنة 793 م، في حين الانجليزيّة الحقيقيّة أصعب ممّا نعرف الآن، و رغم ذلك يرفس الإنجليز قواعد اللغة في أحاديثهم، حتى الويلزيّة تكاد تكون إنجليزيّة أخرى مزّق حواشيها الإدغام و المعسْ و مقتضيات التغيّر و إفرازاته . و قد حدث مرةً في تاريخنا العربي، أن الشاعر المصري أحمد شوقي كان يردّد قوله كلما أصغى إلى شعر بيرم التونسي المحكي : ” إنّني أخشى على العربيّة من بيرم”، و من ذلك الموقع، بدا أن هنالك علاقة تأثير و تأثر بينهما، و ربما منذ أن دخل المغول بلادنا، شاعَ اللحن و بات اللسان في حلٍ من بعض التشارك الضروري لما توالى نقلاً و فحصاً عن المفردة العربيّة الأصيلة، و بدا أن التأثيل لأصل اللفظ داعياً لتأصيل الطارئ على الجملة الكلاسيكيّة . ما يجب اعتمادهُ أن “المحكيّة” في واقع الأمر، هي لغة غير مسنونة بالقواعد الصلبة فحسب، ذلك أن شروط الصوت و الرمز و الدلالة الاسميّة، مما يوقف التعريف على عتبة اللغة، و قد سبق و أن فصلنا في هذا الأمر في تعليقنا عن الكاتب الجزائري كمال داوود، و استشهدنا بتعاريف لالاند و جبور عبد النور في اعتبار المحكية لغة بشكل ما، لكن الذي ينبغي الانطلاق منهُ الآن، هو ضرورة التحديد بين من يعلم العربيّة بالدارجة العاميّة للأطفال، حتى يؤمّن سلامة الوصول الكامل إلى أذهانهم، و بين من يسعى إلى تحقيق العاميّة مكتفيّة بحد ذاتها !، إذّ أن الفارق بينهما جوهري و مفصلي، و ربما قد يساهم هذا الفصل بين الوسيلتين، في الكشف عن المتعصبين إلى الفصحى، الذين يدرسون الطفل في مرحلة الحضانة بلغة جاهليّة لم يطلها التغيّر، بينما هو لا يزال يرى أنها لن تكون أصيلة إلا إذا استعان بـ”تغلب “على طفل هذا العصر. لقد كان ” غوتهْ” يقول : ” لا يمكنك أن تتعلم لغة أخرى ما لم تتعلم لغتك”، و لعل ذلك يحضّنا على ضرورة أخذ المسألة بمرونة عاليّة، مع التشديد على الكشف المبكر عن أعراض هذا الإصلاح الذي اُدخل إلى المنظومة التعليميّة الجزائريّة، عبر بسطه كاملاً، تفادياً للاختزال الذي يطرأ على التعليق عن جملة قيلت في عمر تلفزيوني قصير، و من خلال التدوينة التي تصدر عن الوزارة، يمكن لأهل الاختصاص أن يدلوا بدلوهم، بعيداً عن أشكال المقايضة و الاتهام و الأصوليّة اللغويّة . ذاك أن التلويح من خلال برنامج تلفزيوني، يفصح عن قصور الوزيرة عن استعمال اللغة بشكل وفير و مجزل في الشرح، لا يبعث على الوقوف الأمين على هذا الإجراء، علاوةً على أن الضجة المترتبة عن هذا – وقد حدثت فعلاً – لا تسهم في تدليل الواقع بالوقائع، و تلقيح جملة النقود و المناقشات بالحجج الماديّة. ثمّة فرق بين إهالة التقديس على اللغة عبر ذمّ كل استدخال عصري عليها، و بين اعتبار الوسائل بما فيها العاميّة في ترسيخها و تثبيتها على نحو يختصر الوقت، و يخاطب الطفل في أولى سنواته بما يشكل جسراً للوصول إلى درجة الإتقان و المعرفة باللغة الفصحى . ضيف حمزة ضيف
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (7)