المدرسة الجزائرية صارت وعاء الهوية الأساسي بين التديين والتسييس
دارت فلسفة كل الإصلاحات التربوية في الجزائر منذ الاستقلال حول محاولة بناء صرح أيديولوجي يهدف إلى التوفيق بين خيارات اجتماعية وسياسية (كالاشتراكية والتعريب ثم الدمقرطة...)؛ وقيم الدين الإسلامي المقدم على أساس أنه الجامع المؤسس لكيان الشعب الجزائري. وكان القصد هو وضع الجزائر على سكة ما كان يسمى في…
دارت فلسفة كل الإصلاحات التربوية في الجزائر منذ الاستقلال حول محاولة بناء صرح أيديولوجي يهدف إلى التوفيق بين خيارات اجتماعية وسياسية (كالاشتراكية والتعريب ثم الدمقرطة...)؛ وقيم الدين الإسلامي المقدم على أساس أنه الجامع المؤسس لكيان الشعب الجزائري. وكان القصد هو وضع الجزائر على سكة ما كان يسمى في الأدبيات الثقافية- السياسية بـ"الأصالة والمعاصرة".
عاشت المنظومة التربوية في الجزائر تحت ضغط تاريخي ورهانات اجتماعية وسياسية كثيرة؛ أهمها محاولة المسيرين الجدد للجزائر المستقلة إرساء شرعية سياسية عبر تعميم التعليم وتكوين شعور وطني بهدف امتصاص الخصوصيات الثقافية إلى أقصى مدى. كانت المدرسة -وما زالت إلى اليوم- القناة التي يُعوّل عليها النظام القائم في تمرير الأيديولوجية التي يريد فرضها على البلد، وتُعول عليها المعارضة –أيضا- من أجل فرض بديل أيديولوجي آخر. وفي مجتمع تنعدم فيه الديمقراطية، ودولة تستعمل الماضي كوسيلة من أجل إصباغ الشرعية على وجودها، تحولت المدرسة إلى ساحة صراع أيديولوجي وثقافي بين السلطة والمعارضة، وحتى بين الكتل المتصارعة داخل النظام ذاته".
تم بالتدريج إدخال تعليم اللغة العربية، وجزأرة (جعلها جزائرية) محتوى بعض المواد الدراسية التي لها علاقة بالهوية الوطنية؛ التي بدأت تتبلور وتظهر ملامحها شيئا فشيئا بعدما حاول الاستعمار طمسها. ومسّت أول التغييرات في نظام التعليم الموروث عن العهد الاستعماري مواد التاريخ والجغرافيا والفلسفة والتربية المدنية والتربية الإسلامية. وهكذا باتت المرجعية العربية الإسلامية تشتغل كوعاء هوية أساسي، كأول الثوابت المكتسبة عن طريق الثورة التحريرية. وأصبح هذا "الثابت" قميص عثمان الذي يرفعه المحافظون كلما ظهرت محاولة تجديد أو تغيير في فلسفة التربية والتعليمفي الجزائر. وربما هذا المسار التاريخي الخاص الذي مرت به الجزائر هو الذي عقّد الأمور، وباتت علاقة المدرسة بالدين من القضايا المربكة والشائكة.
ولمعرفة خلفيات ما يحدث اليوم، سنقدم نظرة تاريخية سريعة عن التعليم الديني في الجزائر أثناء الوجود العثماني، ثم إبان فترة الاستعمار حيث عاش هذا التعليم أزهى فتراته مع مدارس جمعية العلماء المسلمين، إذ أسهم -بقسط كبير- في المحافظة على الشخصية الجزائرية العربية الإسلامية، ثم نصل إلى فترة ما بعد الاستقلال والكيفية التي تعاملت بها السلطة مع التعليم الديني.
استرجاع الهوية
كان الدين الإسلامي حاضراً في المدرسة الجزائرية عبر مادة "التربية الإسلامية" المقررة في كل أطوار التعليم الإجباري. ثم استمرت هذه المادة كاختصاص أو شعبة من شعب التعليم الثانوي هي شعبة "الآداب والعلوم الإسلامية. أما في ما يخص التعليم العالي، فهناك جامعة العلوم الإسلامية بقسنطينة، وكليات علوم إسلامية أخرى.
منذ الاستقلال، أدمج تعليم تعاليم الإسلام في مادة التربية الأخلاقية والمدنية، وابتداء من إصلاح 1976 الذي تم فيه اعتماد تعليم قاعدي إجباري مدته (9) سنوات، كانت فيه مادة التربية الإسلامية إجبارية على جميع التلاميذ.
تحت ضغط طلب التمرس المتواصل نتيجة لما كان يسمى في البداية بـ"ديمقراطية التعليم"، اضطرت الإدارة التربوية إلى توظيف المعلمين على نطاق واسع. وفي الحقيقة، كانت كفاءة أغلبهم دون المستوى المطلوب، بل منعدمة أحيانا. وربما لهذا السبب أطلق عليهم اسم مُمرنون بدل معلمون. ولم يكن يتعدى مستواهم التعليمي مستوى السنة الثالثة أو الرابعة إعدادي. وبالإضافة إلى هذا الارتجال، تم استقدام متعاونين من المشرق العربي، وعلى الخصوص من مصر".
من العام 1976 إلى 1999 ظلت مناهج مادة "التربية الإسلامية" على حالها ما عدا تقديم أو تأخير حفظ أو فهم سورة من القرآن هنا، وحذف أو إضافة أخرى هناك. ولم يمس المناهج أي تغيير نوعي مدة (23) سنة كاملة. ففي العام الأخير من الألفية الثانية(1999)، وإكمالا لعملية تهدف إلى تخفيف المناهج كانت قد بدأتها وزارة التربية الوطنية سنة 1993، تم "تنظيف" المحتويات التي كانت تبدو كتمجيد للعنف وللجهاد وللكراهية.
![]() |
||
| نتائج سلبية | ||
كأن السلطات التربوية قد وصلت بعد التطرف الذي عرفته الجزائر، والعنف الإرهابي الذي عاشت، إلى أن مادة "التربية الإسلامية"، والتعليم الديني بصفة عامة، لم يحققا أهدافهما وغاياتهما، التي كانت مسطرة، وفي مقدمتها زرع الإيمان والقيم الإسلامية في نفوس التلاميذ والتلميذات منذ نعومة أظفارهم، والتي كان يؤمل أن تترجم على أرض الواقع في "عادات جميلة وأخلاق رفيعة". وكان البرنامج العام يدور حول: القرآن، الحديث، العقيدة، العبادات، السلوك والأدب. وبقيت منهجية التدريس التقليدية التي يتقاسمها معلم التربية الإسلامية مع زملائه من معلمي وأساتذة المواد الأخرى هي السائدة، تلك المعتمدة على التلقين/ الإرجاع التي أصبحت منذ مدة طويلة غير ذات جدوى، بل مضحكة. وما زاد من إفلاسها كثرة المادة المقررة التي ينبغي حفظها عن ظهر قلب.
التعليم الأصلي: هل كان بيت الداء؟
كان السيد مولود قاسم نايت بلقاسم وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية –سابقا- هو صاحب فكرة إنشاء ومهندس هذا التعليم الموازي للتعليم العام والمسمى "تعليما أصليا". لقد أقنع الرئيس هواري بومدين العام 1970 باستحداث تعليم ديني يمكنه إعطاء فرصة ثانية لعدد كبير جدا من التلاميذ الذين فشلوا في متابعة دراستهم في التعليم العام.
مع الوقت كبر هذا التعليم وبدأ يطبق برامج وزارة التربية، واستحدثت شهادتان: بكالوريا التعليم الأصلي، وشهادة الأهلية، بالنسبة للمرحلة الإعدادية. وخوفا من استفحال تعاظم تأثير التيارات الإسلاموية الصاعدة، أعيد تنظيم التعليم الأصلي عن طريق أمر مؤرخ في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 1977، وتم وضعه تحت وصاية وزارة التربية الوطنية بعد أن كان تحت وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية.
يكفي إلقاء نظرة متفحصة على المقررات التي كانت سائدة لنعرف أنه من السنة الثالثة إلى التاسعة من التعليم الأساسي؛ كان المحتوى متجذرا في التقليد وأقرب إلى التصور الأشعري في مسألة القدر –مثلا- منه إلى تصور المعتزلة، وهذا يدل على أن معظم البرامج كانت مقترحة من طرف أعضاء من جمعية العلماء المسلمين أو من المتعاطفين مع فكرها. وهو الأمر الذي جعل الكثير من التربويين والإعلاميين ينتقدون الوجود الديني التقليدي في المدرسة الجزائرية.
ذهب بعضهم إلى رد الصعود الكبير للأصولية في الجزائر، ثم ظاهرة الإرهاب، إلى المدرسة الجزائرية. لم تكن المادة المقدمة للتلاميذ سوى سلسلة من المعلومات، يكتب الأستاذ والكاتب رشيد شكريعنها أنها: تتخللها رسائل عنف ونداءات إلى الانشقاق مقدمة في نصوص قراءة مدعمة بقيم ومبادئ دينية في خدمة أيديولوجيا تنشر اللاتسامح بين الناس وتقسم البشر إلى مؤمنين وكفار. ولتغييب التصورات الحقيقية للحضارة من الأقسام -يضيف الكاتب- يبقى تلامذتنا يعيشون في عالم قروسطي بكل مواصفات التقهقر.
لقد انعكس ذلك التوجه على أداء المدرسة الجزائرية، وارتكزت منهجيات التعليم حول مقاربة لم تترك أية فرصة للتعدد أو للإبداع، فكانت موحدة ووحيدة على كل التراب الوطني، ضاربة بعرض الحائط الخصوصيات الجغرافية والإثنية واللسانية. وكان الدور المناط بالمدرسة -وما يزال- بناء هوية وطنية واحدة مرتكزة على العربية والإسلام والأمازيغية.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0

التعليقات (1)