قائد السبسي يستعين بـ جرأة بورقيبة لمصالحة وطنية في إطار مشروع حداثي طموح

قال مراقبون ان الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي بات "يقود بنفسه جهودا سياسية للدفاع عن سياسة الدولة وخياراتها" ومواجهة أهم التحديات وفي مقدمتها سيادة القرار الوطني ومشروع المصالحة الاقتصادية والمالية تمهيدا لمصالحة وطنية شاملة تصهر القوى السياسية والاجتماعية والمدنية في مشروع وطني إصلاحي حداثي. …

سبتمبر 27, 2015 - 16:41
تم التحديث: 11 سنوات منذ
0 3.6ك
قائد السبسي يستعين بـ جرأة بورقيبة  لمصالحة وطنية في إطار مشروع حداثي طموح

قال مراقبون ان الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي بات "يقود بنفسه جهودا سياسية للدفاع عن سياسة الدولة وخياراتها" ومواجهة أهم التحديات وفي مقدمتها سيادة القرار الوطني ومشروع المصالحة الاقتصادية والمالية تمهيدا لمصالحة وطنية شاملة تصهر القوى السياسية والاجتماعية والمدنية في مشروع وطني إصلاحي حداثي.

ومنذ انتخابه رئيسا للبلاد في خريف 2014 وإلى حدود شهر يونيو/حزيران 2015 بدا قائد السبسي بالنسبة لاتجاهات الرأي العام التونسي ينتهج سياسة "الحذر" تجاه الملفات الساخنة التي فرضتها الأزمة العامة التي تشهدها البلاد مند أربع سنوات ونأى بنفسه عن التجاذبات الحزبية باعتباره رئيسا لكل التونسيين غير أن النسق التصاعدي للأحداث والاستقطاب السياسي والاحتقان الاجتماعي وتزايد هجمات الجماعات الجهادية دفعت بقائد السبسي إلى قيادة جهود سياسية بنفسه متسلحا بجرأة الحبيب بورقيبة التي أعادت لأذهان التونسيين صورة "رجل الدولة القوي والجريء" الذي لا يتردد في حسم الملفات بنفسه أمام الرأي العام، حسبما قال المراقبون.

وكان زعيم تونس التاريخي الحبيب بورقيبة لا يتردد في قيادة جهود سياسية بنفسه كلما تعرضت الحكومة إلى صعوبات بشأن تعاطيها مع الأزمات حتى أنه كان لا يتردد في مواجهة الحكومة ورفض قراراتها منتصرا إلى اتجاهات الرأي العام لينتقد الدولة من أي أزمة تهدد أداءها وثقة التونسيين فيها.

ويمكن العودة بالاذهان الى معارضة بورقيبة لقرارات حكومة محمد مزالي عام 1984 بشأن الزيادة في أسعار الخبز حين أنقذ تونس من مواجهة حادة بين الحكومة والشعب ونجح في قلب "انتفاضة أحداث الخبز" إلى مظاهرات مساندة وتأييد له.

قرارات حاسمة

وتظهر المتابعة لجهود قائد السبسي خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة أنه اختار استبدال سياسة الحذر بسياسة "الجرأة" ليبدو بالنسبة لغالبية التونسيين "رجل دولة قويا" قادرا على ممارسة صلاحياته الدستورية ومتحديا الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية التي تواجهها تونس مند انتفاضة يناير 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

وفي أعقاب هجوم دموي نفذه جهادي تابع لتنظيم الدولة الإسلامية في 23 يونيو 2015 على فندق بمدينة سوسة السياحية وخلف 38 قتيلا و39 جريحا من السياح الأجانب، تحول قائد السبسي بنفسه إلى مكان الهجوم وتوجه بكلمة إلى التونسيين مشددا على أن الدولة المدنية التي لا تتخذ أية مرجعية عقائدية لها باتت مهددة بالانهيار في حال تكرار هجمات الجهاديين الدين يسعون إلى بناء ما يقولون انه دولة الخلافة وأعلن فرض حالة الطوارئ باعتبار أن البلاد تمر بفترة استثنائية من تاريخها وأعلن أن تونس في حالة حرب مع الجهاديين.

وبدت الزيارة إلى مكان الهجوم والقرارات التي أعلن قائد السبسي، كما يذهب إلى ذلك كثير من المحللين السياسيين، رسالة واضحة بأن الرئيس التونسي "تسلح بجرأة بورقيبة" وبخصائص "رجل الدولة القوي" الذي يواجه بنفسه التحديات التي فرضتها الأوضاع المحلية والخارجية على تونس وأنه لا يتردد في أن يكون في مقدمة القوى السياسية والاجتماعية والمدنية لحماية كيان الدولة المدنية التي تأسست العام 1956 بعد استقلال تونس عن الاستعمار الفرنسي وقادت مشروعا وطنيا إصلاحيا وحداثيا.

وخلال الأسابيع الماضية قاد الرئيس التونسي جهودا لتنفيس الاحتقان الاجتماعي في البلاد بسبب توتر علاقة الإتحاد العام التونسي للشغل الذي يطالب بزيادة الأجور وبين حكومة الحبيب الصيد التي كانت ترفض مطالب الإتحاد مسنودة بنقابة أرباب العمل. ونجح "بورقيبة الديمقراطي" في التوصل إلى "اتفاقية لإرساء السلم الاجتماعي لمدة ثلاث سنوات" بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل (المركزية النقابية) والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (نقابة أرباب العمل).

وتأتي مبادرة قائد السبسي بشأن اتفاقية السلم الاجتماعي في وقت ارتفع فيه منسوب الاحتقان نتيجة ضعف أداء الحكومة بشأن تقديم حلول عملية لبواعث قلق التونسيين وفي مقدمتها توفير التنمية والرفع من القدرة الشرائية وتحسين مستوى المعيشة الأمر الذي دفع بـ73 بالمائة من التونسيين إلى التأكيد على أنهم غير راضين على الأوضاع الاجتماعية وبـ87 بالمائة إلى التشديد على أنهم غير راضين على الوضع الاقتصادي، فيما قال 62 بالمائة إنهم غير راضين على سير الأمور في البلاد، بحسب استطلاع للرأي نشر مؤخرا.

ويقول سياسيون إن إرساء السلم الاجتماعي والنجاح في إنقاذ تونس من أزمتها مرتبط شديد الارتباط بتجسير الهوة بين الحكومة واتحاد الشغل، الأمر الذي دفع بقائد السبسي إلى رعاية مفاوضات بنفسه بين الحكومة ونقابة العمال ونقابة أرباب العمل والوصول إلى اتفاقية السلم الاجتماعي.

لا لسياسة ليّ الأذرع

وفي أعقاب جدل سياسي حاد أثارته مبادرة قائد السبسي حول مشروع قانون مصالحة اقتصادية ومالية مع رجال أعمال تعلقت بهم "شبهة فساد"، اختار الرئيس التونسي أن يدافع بنفسه عن مشروع القانون الذي ترفضه المعارضة وتصفه بأنه "تطبيع مع الفساد". ووجه رسالة واضحة إلى المعارضة خلال برنامج حواري بثته قناة "نسمة" الفضائية مؤخرا مفادها أن مشروع قانون المصالحة الذي حاولت المعارضة إسقاطه من خلال الضغط السياسي والشعبي على الحكومة لا يمكن إسقاطه بـ"سياسة لي الذراع" لا من المعارضة ولا من غيرها وأن الجهة الوحيدة المخول لها دستوريا إسقاط مشروع القانون هو البرلمان.

وانتهج قائدالسبسي لهجة قوية على طريقة الحبيب بورقيبة خلال رده على محاولات الضغط التي تقوم بها المعارضة لإسقاط مشروع القانون مشددا على أن "من يعارضون مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية هم على الأرجح لم يقرأوا القانون، أو لديهم صعوبات في فهم النصوص القانونية".

ولفت إلى أنه "من حق رئيس الجمهورية أن يقدم مبادرة تشريعية حسب ما جاء في الدستور"، مشير إلى "وجود نقص في فهم النصوص"، ومضيفا ان "كل من يستغرب من مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية هو لم يقرأ دستور الجمهورية التونسية".

ويقول محللون سياسيون إن قائد السبسي يراهن على تمرير مشروع المصالحة الاقتصادية والمالية لتحقيق هدفين أساسيين أولهما "إنعاش الاقتصاد الذي شارف على مرحلة الانكماش من خلال إطلاق مشاريع استثمارية تخفف من حدة الأزمة الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية.

أما ثاني الهدفين فيتمثل في "تكريس مفهوم الوحدة الوطنية"، من أجل التمهيد لإطلاق مصالحة وطنية شاملة تصهر مختلف القوى السياسية والمدنية والاجتماعية في مشروع وطني كبير وطموح.

وفي حال عرض مشروع قانون المصالحة الاقتصادية على البرلمان للتصديق عليه فإن تمريره سيكون "مضمونا" باعتباره يحظى بدعم الأغلبية البرلمانية، ممثلة في كتلتي نداء تونس وحركة النهضة الإسلامية اللتين تستحوذان على 155 مقعدا من 217 (86 لنداء تونس و69 لحركة النهضة) إضافة إلى شريكيهما في الحكومة وهما الاتحاد الوطني الحر (16) وحزب آفاق تونس(ثمانية مقاعد).

سيادة الدولة أولا

وأمام حالة الارتباك التي تشهدها السياسة الخارجية لتونس نتيجة تعقد الأوضاع الإقليمية والدولية بدا قائد السبسي أكثر تمسكا بمبدأ السيادة الوطنية وسيادة القرار السياسي وأكثر رفضا لأي تدخل أجنبي في إدارة الشأن الوطني، في إشارة ضمنية إلى أن تونس ترفض الارتباط بأي محور خارجي وأنها تقيم سياستها الخارجية بناء على مصلحتها السياسية والاقتصادية، وهو موقف يعكس بوضوح أن الرئيس التونسي يستلهم رؤيته للسياسة الخارجية لتونس من خيارات الزعيم بورقيبة الذي استمات في الدفاع عن استقلالية القرار الوطني من خلال رفض أي شكل من أشكال الارتهان لأي محور إقليمي أو دولي.

ويرى قائد السبسي الدي أسس حزب نداء تونس العام 2012 لمواجهة الإسلاميين وفاز في الانتخابات الرئاسية التي جرت في الخريف الماضي أن إدارة الشأن العام إدارة ناجعة لا يمكن أن تنجح إلا في إطار هيبة الدولة وسيادة القرار السياسي والوحدة الوطنية بعيدا عن أية نعرات جهوية أو قبلية، وهي رؤية مستلهمة من الفكر السياسي للزعيم الحبيب بورقيبة الذي أنهى الحكم الملكي وأعلن النظام الجمهوري عام 1956.

ويرى مراقبون أن الخطاب السياسي الذي انتهجه قائد السبسي يستلهم مفرداته وعناوينه من خطاب الحبيب بورقيبة لافتين إلى أن "بورقيبة الديمقراطي يسعى إلى إحياء المشروع الوطني الإصلاحي الحداثي من خلال الرفع من أداء الدولة المدنية ومؤسساتها وأجهزتها وتأمين وحدتها الوطنية وحشد جهود القوى السياسية والاجتماعية والمدنية لمواجهة التحديات التي فرضت نفسها على تونس في ظل أزمة داخلية حرجة ووضع إقليمي متقلب.

ويضيف المراقبون أن الجهود التي يقودها قائد السبسي سواء بشأن الملفات الداخلية وفي مقدمتها تحقيق السلم الاجتماعي وتوفير التنمية أو بشأن السياسة الخارجية وإحياء علاقات تونس ومع عدد من البلدان العربية والأجنبية تعد مؤشرا قويا على أنه بات أكثر اقتناعا بأن نجاح تونس في التعاطي مع مختلف المعضلات يستوجب منه "التسلح بجرأة بورقيبة" والتدخل بنفسه من خلال قرارات سياسية سيادية حازمة تعزز ثقة التونسيين فيه كرجل دولة قوي قادر على مغالبة الصعاب خلال هذه المرحلة الدقيقة والحرجة التي تمر بها تونس.

 

 

 

منور المليتي

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (0)

User