الجزائر بين ثورة بوتفليقة وحُلم “ثورة المستفيدين”

“الجزائر في قائمة الدول المهـددة بالثورة!” كان هذا هو عنوان إحدى الصحف الجزائرية الناطقة باللغة العربية، والتي أجهدت نفسها في تأويل تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة، “الفاو”، الذي حذّر من “إمكانية حدوث حالة توتر وعدم استقرار في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، جراء انهيار أسعار النفط…

سبتمبر 28, 2015 - 16:42
تم التحديث: 11 سنوات منذ
0 5.3ك
الجزائر بين ثورة بوتفليقة وحُلم “ثورة المستفيدين”

“الجزائر في قائمة الدول المهـددة بالثورة!” كان هذا هو عنوان إحدى الصحف الجزائرية الناطقة باللغة العربية، والتي أجهدت نفسها في تأويل تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة، “الفاو”، الذي حذّر من “إمكانية حدوث حالة توتر وعدم استقرار في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، جراء انهيار أسعار النفط، وما يهمني في مقال هذه الجريدة، هو العنوان “الهتشكوكي” الذي يهدف إلى إحباط عزيمة الجزائريين، وإيهامهم بأن البلاد تتجه نحو الكارثة، التي ستُعجّل ب”الثورة”، التي بات يحلم بها بعض السياسيين والإعلاميين الذين عاشوا ولا يزالون في بحبوحة، بفضل “عطايا” أسيادهم ومُشغّليهم، الذين راهنوا عليهم لإغراق الجزائر في مستنقع “الربيع العربي”.

 

حديث القلاقل والتوترات بل وحتّى الثورة، أخذ منحى تصاعديا هذه الأيام، بفعل تسارع وتيرة الإصلاحات التي يقوم بها الرئيس بوتفليقة، والتي أربكت بعض الدوائر التي كانت من أكبر المستفيدين من حالة الفوضى السياسية والأمنية التي عاشتها الجزائر خلال العشرية السوداء، والتي استشرى فيها الفساد بشكل غير مسبوق، مكّن العديد من المستفيدين من تحقيق ثروات هائلة مكّنتهم اليوم من الاستحواذ على حيز هام من الفضاء الإعلامي والسياسي، بل وجعلهم يُؤثرون على بعض دوائر صنع القرار في الجزائر لزمن طويل، فهؤلاء المستفيدين، رأوا في إصلاحات الرئيس بوتفليقة التي انطلقت وستستمر، خطرا وجوديا عليهم، لأن بوتفليقة بدأ يسير بشكل قوي باتجاه تأسيس جمهورية جزائرية تقطع وإلى الأبد مع الممارسات والسياسات التي أوهنت وأضعفت مؤسسات الدولة، وجعلتها في العديد من الأحيان في خدمة جماعة المستفيدين.

 

اليوم بدأنا نرى هذا التصعيد في اللهجة الذي لا يعكس البتة قوّة جماعة المستفيدين، بل يؤكد ارتباكهم العميق، ويقينهم بأنهم يعيشون الربع ساعة الأخير من زمن العبث الذي دفع ثمنه غاليا غالبية الجزائريين، وإذ أقول ذلك، فلأن الشعب الجزائري، عاش الويلات خلال العشرية السوداء، حيث تمّ تسريح مئات الآلاف من العمال، وإحالتهم على البطالة، ومُصادرة فرصهم في العيش الكريم، فلا أحد يُجادل اليوم، بأن ما عشناه من انهيار للقدرة الشرائية خلال العشرية السوداء، لم يكن فقط بسبب انهيار أسعار النفط، بل بسبب النهب المُنظم والمُمنهج لثروات وخيرات الجزائر، من قبل جماعة المستفيدين الذين يُمثّلون أقليّة الأقلية في المجتمع الجزائري.

 

وبما أن قطار الإصلاحات قد أقلع بالفعل، وبدأت بعض ملامحه تتجلى في أولى المحطات التي عرّج عليها، فغالب الظن أن الشعب الجزائري لن يلتفت إلى خطابات المُستفيدين، ولن يفزع منها، لأن أخطر وأصعب المراحل اجتازتها الجزائر بسلام، بل وإنها استرجعت إلى حدّ بعيد السيادة على قراراتها الكبرى، وهو ما لم يكن حاصلا عندما ضربت الأزمة الإقتصادية والمالية بلدنا في ثمانينيات القرن الماضي، ومهّدت الطريق لحدوث الإنزلاق الأمني والسياسي، الذي استمرّ إلى غاية وصول الرئيس بوتفليقة إلى الرئاسة، حيث رسخ في بداية عهدته الأولى مسار السلم والمُصالحة الوطنية، لاجتثاث تأثيرات المأساة الوطنية على مستقبل الأجيال القادمة، وهي مهمة لم تكن بالسهلة، واليوم يتأكد كلّ المتابعين للشأن الجزائري، أن ما يقوم به الرئيس بوتفليقة في عهدته الرئاسية الرابعة، يُمثّل ثورة جديدة، في تاريخ الجزائر، وبطبيعة الحال، لا يُمكن أن نتصوّر بأن هذه الثورة ستروق لكلّ الجزائريين، وهو ما أصبحنا نلمسه من خلال تصريحات بعض العاملين في حقل السياسة، والإعلام، فليس من قبيل الصدفة، أن يتقاطع خطاب بعض السياسيين مع كتابات بعض الإعلاميين، لتسويد الوضع في الجزائر، فهَمّ هؤلاء، وجرّاء افتقارهم لمشروع سياسي واجتماعي واقتصادي… أصبح منصبّا فقط على مُحاولة تكسير ما أنجزه ويُنجزه الرئيس بوتفليقة، ووصل بهم الأمر إلى حدّ النزول بالمُمارسة السياسية والإعلامية إلى المستويات “الهابطة” وغير الأخلاقية، فهاهو رئيس حزب طلائع الحريات علي بن فليس وفي حوار مع موقع إلكتروني، يصرّح بأن: “بوتفليقة ناكر للديمقراطية، ورائحة المناورات السياسوية تفوح من التغييرات الأخيرة..”، وكم كنت أتمنى أن يُفصل علي بن فليس في حديثه، ليشرح لنا طبيعة هذه المُناورات، فهل مُمارسة رئيس الجمهورية لصلاحياته الدستورية يشكل مُناورة برأي بن فليس؟ فإذا كان الحال كذلك، فتعيين بن فليس على رأس الحكومة في زمن مضى، يمكن أن نُصنفه كذلك في خانة المُناورة، وكذلك الشأن بالنسبة لتنحيته، لكن بين مناورة التعيين والتنحية، تبرز خبايا علي بن فليس، الذي ظلّ يتملّق للرئيس بوتفليقة لسنوات، إلى أن تلقّى ضمانات من قائد أركان الجيش السابق الفريق محمد العماري، الذي أوعز له بالترشح لرئاسيات أفريل 2004، ووعده بالفوز بها، فإذاك انقلب بن فليس على وليّ نعمته، في مناورة سياسية غير معهودة، جعلته يرى في تحرّكات كل منافسيه “مناورة” لا غير، وهنا لن ينجح بن فليس على الإطلاق في التخلّص من منطق المناورات وعُقدها، وهذا برأيي ما سيُعجل بانفلات الأوضاع داخل حزبه الجديد، لأن بن فليس سوف لن يرى في مبادرات ونشاطات بعض قياديي حزبه، سوى أنها مناورات لإزاحته من القيادة.

 

بعيدا عن هواجس المناورات البنفليسية، يجب القول بأن ما هو آت في المستقبل، سيشكل أكبر وأقوى عاصفة ستضرب جماعة المُستفيدين، وتُخلّص الجزائريين من شرورهم ومُناوراتهم الجهنمية، وليطمئن الحالمون ب”الثورة”، أن الجزائريين لن يجوعوا أبدا، في ظل حَكامة رئيس أخرج البلاد من مستنقع الفوضى والإقتتال، وحماها من الوقوع في فخّ “الربيع العربي”، ويُواصل تحصينها اليوم عبر رزنامة من الإصلاحات التي لن تنتهي إلا وقد أنهت مسلسل العبث بمصير الجزائر والجزائريين.

 

 

 

زكرياء حبيبي

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (0)

User