من المُستفيد من إهانة وزراء الجزائر في فرنسا؟
ماذا تُخفي محاولات إهانة وزراء جزائريين بمطارات فرنسا، سواء كانوا في زيارة رسمية أو خاصة؟ آخر محاولات الإهانة كان ضحيّتها وزير الإتصال حميد قرين، الذي تمّ إخضاعه لتفتيش جسدي دقيق ولتفتيش أمتعته عبر جهاز السكانير، بمطار أورلي بباريس، برغم استظهاره لجواز سفره الدبلوماسي، الإجابة عن هذا التساؤل تتطلب…
ماذا تُخفي محاولات إهانة وزراء جزائريين بمطارات فرنسا، سواء كانوا في زيارة رسمية أو خاصة؟ آخر محاولات الإهانة كان ضحيّتها وزير الإتصال حميد قرين، الذي تمّ إخضاعه لتفتيش جسدي دقيق ولتفتيش أمتعته عبر جهاز السكانير، بمطار أورلي بباريس، برغم استظهاره لجواز سفره الدبلوماسي، الإجابة عن هذا التساؤل تتطلب برأيي قراءة هذا الحدث في سياقه الزمني أولا، وفي سياق التغيّرات التي شهدها الجزائر في الفترة الأخيرة، والتي لا تزال مُتواصلة بوتيرة سريعة.
بخصوص القراءة الزّمانية، أتعجّب كيف أن الشرطة الفرنسية كانت لها الجرأة وحتى الوقاحة، لإخضاع الوزير الجزائري للتفتيش المُهين، تزامنا وإحياء الجزائر لذكرى انتفاضة 17 أكتوبر 1961، التي ذهب ضحيّتها المئات من الجزائريين المقيمين في فرنسا، والذين ألقت بهم الشرطة الفرنسية في نهر “السان”، دونما نسيان آلاف الجزائريين الذين اعتُقلوا خلال هذه الإنتفاضة التي نقلت الثورة الجزائرية بشكل سلمي إلى قلب العاصمة الفرنسية باريس، فتوقيت وزمان حادثة “الإهانة” يجعلنا بالضرورة نتساءل عن الرسائل التي حاولت السلطات الفرنسية تمريرها عبرها، وهنا لن نجد عناء في تشفير هذه الرسالة الفرنسية، لأنها وببساطة تُؤكّد للجزائريين بأن فرنسا لن تعتذر عن جرائمها الوحشية ضد الإنسانية في الجزائر إبان الإستعمار، بل وأنها ستُواصل مُسلسل تحقير الجزائريين والتعامل معهم من موقع المُتعالي والمُتعجرف.
هنا يتوجّب أن نتوقّف بُرهة من الزمن، لنُذكّر فرنسا بأن كلّ ما قامت به وتقوم به اليوم، يعلم الجزائريون بدقة مراميه وأهدافه، بل إنهم قد يتفوّقون على الفرنسيين في تشريحه، وتبيان بواطنه الخَفيّة، فحادثة “إهانة” الوزراء الجزائريين، لن تخدم الحزب الفرنسي الحاكم، الذي أرسل مُؤخرا وزيرة البيئة “سيغولان روايال” إلى الجزائر، والتي استقبلها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وهي الزيارة التي رأى فيها بعض المُحلّلين أنها تندرج في إطار بحث حزب الرئيس هولاند عن الدعم الجزائري له ولحزبه، في الإنتخابات القادمة، على اعتبار أن أصوات الجالية الجزائرية في فرنسا باتت تُشكل ورقة حاسمة في كل الإستحقاقات الفرنسية، ومن هنا، لا يمكنني أن أُصنف حادثة “إهانة” الوزراء الجزائريين إلا في خانة دعم كفة اليمين المُتطرف في فرنسا لا غير، لأنه من غير المعقول أن تُسهم هذه الحوادث في تمتين مركز الحزب الإشتراكي الفرنسي، الذي ما كان له أن يصل إلى قصر الإليزيه لولا الدعم الجزائري، غير المسبوق، لأن الجزائر كانت على يقين بأن بقاء الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، لعهدة أخرى، سيُشكّل خطرا على الأمن القومي والإقليمي للجزائر، بخاصة أن ساركوزي كان رأس الحربة في غزو ليبيا وتدميرها، وكان كذلك أكبر مُتحرّش بالوطن العربي من خلال دعمه لما سُمّي ب “الربيع العربي”.
من هنا، فشخصيا أرى أن حوادث إخضاع الوزراء الجزائريين ل”الإهانة”، ما هي إلا نتاج لسيناريوهات مُعدّة مسبقا من قبل اليمين واليمين المُتطرّف واللوبيات المُساندة لهما في الداخل والخارج الفرنسي، لكسر ما تحقّق من تطوّر في العلاقات بين الجزائر وفرنسا على عهد الرئيسين عبد العزيز بوتفليقة وفرانسوا هولاند، هذا الأخير الذي أقدم على الإعتراف بما ارتكبته فرنسا من جرائم في الجزائر، لكن دون أن يُقدّم إعتذارا رسميا عن ذلك، خوفا من ردود الفعل الداخلية بكُلّ تأكيد.
ومن هنا كذلك ومن خلال استعراض هذه الحقائق، لا يُمكنني أن أؤكد بشكل جازم بأنّ حادثة مُحاولة “إهانة” الوزير “حميد قرين”، كانت بإيعاز من السلطات الحاكمة في فرنسا، بل غالب الظن كما قلت سابقا، أن اليمين واليمين المُتطرّف، هما من يقفان وراءها، من خلال لوبياتهما المُتجذّرة في دواليب السلطة الفرنسية، لكن وبرغم ذلك كُلّه، فإن مسؤولية فرنسا تحت قيادة الرئيس فرانسوا هولاند، تبقى قائمة، ويتوجّب عليه أن يُسارع بتقديم اعتذار رسمي للجزائر، إضافة إلى مُحاسبة من كانوا وراء هذه الحادثة، التي قد تكون لها انعكاسات خطيرة للغاية على مستقبل العلاقات بين البلدين.
وبالرجوع إلى ما سبق وأن قدمناه من فرضيات حول هذه الحادثة، وعلى رأسها التغييرات التي تشهدها الجزائر، والتي تسير بوتيرة سريعة للغاية، فيتوجّب الإقرار بأنّ العديد من المسؤولين الجزائريين الذين جثموا على صدر الجزائريين لعُقود من الزمن، لكونهم كانوا يشتغلون لحساب فرنسا انطلاقا من مواقعهم في مؤسسات الدولة الجزائرية، تمّت إزاحتهم وبالتدريج منذ أن وصل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى قصر المُرادية، لكن بعد أن أعطى الرئيس مؤخرا وتيرة سريعة لإصلاحاته الشاملة، التي بمقدورها أن تجعل الجزائر تنفتح على فضاءات سياسية واقتصادية عالمية، تُكرّس استقلالية القرار الجزائري، فغالب الظن أن لوبيات فرنسا عندنا في الداخل، قد أطلقت صرخات النجدة، وتمّ سماعها من قبل الأطراف اليمينية، واليمينية المُتطرّفة في فرنسا، التي لا تزال تعتبر فرنسا وصية على الجزائر، وبذلك تمّ التخطيط لسيناريو “الإهانات” ومُباشرة تنفيذه.
في الختام أودّ التأكيد بأن الكرة هي الآن في الملعب الفرنسي، لأن من يعرف القواعد التي تُؤمن بها الجزائر في المجال الدبلوماسي، لن يصل في تحليلاته سوى إلى أنّ الجزائر ستُطبّق مبدأ المُعاملة بالمثل، وبالتالي ستفتح الأبواب على مصراعيها للتصعيد إلى غاية إقدام السلطات الفرنسية على الإعتذار الرسمي، وبالضرورة لن يكون الخاسر في المُعادلة إلا حزب الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند.
عبد القادر حبيبي
محام وخريج معهد الدراسات الدبلوماسية والإستراتيجية بباريس
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (12)