فلسطين تعري القادة العرب

نريد اليوم أن نقف على ما يبدوتناقضات في المواقف لدى أغلب أنظمة الحكم العربية، غير أنها في واقعها الكلّي تقود الأمة العربية والإسلامية نحوكارثة قطعية الحدوث. نكاد نجزم بأنه ما مواطن عربي يتابع أحداث عالمنا إلا وسمع عبارة: “الرئيس فلان فقد الشرعية”، أو”سقطت الشرعية عن علان”، وجاء مثل هذا المعنى…

أكتوبر 30, 2015 - 19:07
تم التحديث: 11 سنوات منذ
0 2.5ك
فلسطين تعري القادة العرب

نريد اليوم أن نقف على ما يبدوتناقضات في المواقف لدى أغلب أنظمة الحكم العربية، غير أنها في واقعها الكلّي تقود الأمة العربية والإسلامية نحوكارثة قطعية الحدوث.

 

نكاد نجزم بأنه ما مواطن عربي يتابع أحداث عالمنا إلا وسمع عبارة: “الرئيس فلان فقد الشرعية”، أو”سقطت الشرعية عن علان”، وجاء مثل هذا المعنى على ألسنة قادة عرب في حق نظرائهم، يقولون هم أنها نتيجة أعمال العنف حد الإجرام بحق شعوبهم، ونقول نحن وإن سلمنا جدلا بالعذر فإنه جاء أقبح بكثير من الجناية نفسها، بل بما لا يسمح المنطق عقلا أن نضع الجريمتين في كفتي ميزان واحد؛ ذلك أن المنطق يمنع القياس بوجود الفارق.

 

بداية هنا لسنا ندافع عن شرعية معمر القذافي، ففي هذا الشهر تمر الذكرى الرابعة عن رحيله، تاركا ليبيا وكل الزعماء العرب الذين أباحوا دمه، واسقطوا عنه “الشرعية” ليعمّروها ويبسطوا وفق وعودهم على شعبها جنّات الحريات ويرفعوا صروح الديمقراطية، تماما مثلما فعلوا مع الراحل صدام حسين، ولا عن الرئيس بشار الأسد، ذلك أن للرجل جيش من رجال القلم والإعلام، موكل إليهم الدفاع عنه، وأغنى ما يكون عن دفاع الكاتب، وفي المقابل هذا الفلاّح مستغني عن جميع القادة العرب دون استثناء، السابقون منهم واللاحقون.

 

كان الراحل صدام حسين رئيسا شرعيا، لا نقول يحظى باحترام قادة دول الخليج فحسب، بل كان وفق تعريفاتهم حينها “زعيما” عربيا، ودرعا حصينا وقويا للأمة العربية، أيامها كان الرجل في حرب ضروس مع إيران “الثورة الإسلامية”؛ على امتداد عقد وصدام حسين رئيس شرعي للعراق، لكن خطوة واحدة منه كانت كافية لإسقاط “شرعية حكمه”، طبعا ليس لأن حكمه أمني دكتاتوري، ولا لما نسب له فيما بعد من جرائم ارتكبها ضد فئات من شعبه، كان الزعماء العرب يعرفونها لحظة وقوعها، وإنما لأنه قام باحتلال (سجلوا كلمة احتلال) بلد عربي شقيق؛ ويعلم القارئ ماذا فعل القادة العرب حيال ذلك تحت عنوان “سقوط شرعية الرئيس صدام حسين”، من حصار قاتل لكل الشعب العراقي زاد عن ثلاثة عشر عاما، أودى بحياة مئات ألاف الضحايا من المدنيين؛ وختامه “تحرير العراق” من نظام “الطاغية” وليس احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة (بالمناسبة الأمم المتحدة بل الولايات المتحدة ذاتها تصف الحدث باحتلال العراق، غير أن ساستنا يطلقون عليه صفة التحرير)؛ ثم جاء دور معمر القذافي الذي كان بدوره حاكما شرعيا لليبيا على امتداد ثلاثة عقود ويزيد، ما سمعنا يوما خلالها من زعيم عربي عبارة سقوط شرعية حكمه، وكانت أربعة أيام كافية كمقدمة لإعلان سقوط شرعيته، ما يسمى بالثورة في ليبيا اندلعت شرارتها في 17 فبراير 2011، وفي 2011/02/23 قررت جامعة الدول العربية وقف مشاركة وفود ليبيا في الاجتماع الطارئ الذي انعقد؛ حالة الطوارئ هذه كان سببها المعلن، سقوط حوالي أربعمائة 400 مواطن ليبي في بنغازي (سجلوا المسافة الزمنية وعدد الضحايا)،  اللافت في هذا اليوم كذلك يعني 23 قيام عشرات من موظفي الأمانة العامة، بتنظيم وقفة احتجاجية في مقر الجامعة تضامنا مع الشعب الليبي، انضم إليها عمروموسى بصفته أمينا عاما حينذاك، رافعين لافتات تعرب عن قلقهم من استخدام العنف ضد الشعب الليبي، ولم يمضي شهر واحد عن بدء الأحداث في ليبيا حتى أسقطت شرعية نظام الحكم الليبي الى غير رجعة، وناشدت جامعة الدول العربية في 2011/03/12  مجلس الأمن ليضع يده (ورجله) على الملف الليبي. ونهاية القصة معروفة.

 

المثال السوري كان أكثر حظا من جانب الفترة الزمنية وعدد الضحايا، فبداية الأزمة كانت في 2011/03/15، والإعلان الرسمي عن سقوط الشرعية عن نظام الحكم جاء بتاريخ 2011/11/12 بتعليق عضوية البعثة السورية في ج.د.ع، يعني قرابة سبعة أشهر، وعدد الضحايا  وفق ما كنا نسمعه حينها، كمبرر لإسقاط الشرعية بشكل نهائي وتحويل الملف الى مجلس الأمن أواخر الشهر الأول من عام 2012، هوعدم الانتظار الى أن يبلغ عدد الضحايا المدنيين خمسة آلاف.

 

ثلاثة أمثلة حية عاصرناها، قرر بعض القادة العرب، وعلى رأسهم أنظمة الخليج، شن الحروب دون هوادة ومهما كلف الأمر لإسقاط الشرعية عن أصحابها، وخلعهم ليس عن سدة الحكم فحسب، وإنما من الحياة بشكل كلي؛ المثل الأول بسبب احتلاله لدولة عربية شقيقة، والآخرين بسبب استعمالهما للعنف ضد شعبيهما.

 

كنا كجزائريين (دولة وشعبا) مع تحرير الكويت، الخلاف مع الأشقاء في الخليج ومصر حول الأداة، كنا نرى تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك حينها، وأن يكون الجيش عربيا، وألا نفتح باب الاستعانة بالمحتل الأجنبي (نقطة على السطر)، طبعا رفض الأخوة ومضوا في خيارهم، لكن المهم هنا هوالمبدأ: إذا كان تحرير الكويت قد استدعى الدفع بجيوش عربية (لا نتحدث عن القيادة الأمريكية) وإنفاق مليارات الدولارات، ففلسطين في حدود علمنا أرض عربية كذلك، وإن كان الشعب الكويتي شقيقا، ففي حدود علمنا كذلك أن الشعب الفلسطيني شقيق وبامتياز ، لكن الخيار المصري والخليجي والأردني يرفض مجرد طرح الفكرة؛ إذن وعلى اعتبار أن القيم والمبادئ لا تتجزأ، أليست فلسطين دولة عربية محتلة تستوجب التحرير؟ أم أن المحتل (الإسرائيلي) لا يستحق الحرب عليه مثل العراق؟.

 

في الوقت الذي استنفر فيه العالم لتحرير الكويت 1990 التي راح نتيجة احتلالها أربعة آلاف 4000 كويتي، كانت انتفاضة الحجارة الفلسطينية قد بلغت عالمها الثالث، واستشهد من أبنائها ما يزيد عن الألف، لكن هنا كان الضغط يتضاعف للذهاب الى مفاوضات مع “العدو” الإسرائيلي، وهناك كان العمل العسكري المشترك قائما على قدم وساق، لتحرير 17800كلم2 على حساب احتلال دولة العراق بحجم عشرين ضعف المساحة المحررة، وإعادة الكرامة والأمن لمليوني 02 كويتي، مقابل استعباد عشرة أضعاف هذا العدد من العراقيين، فضلا عن قتل 77 ألف منها 63 ألف مدني، وفق الأرقام التي قدمها الجيش الأمريكي (المحرر) ما بين 2003-2011، دون احتساب عدد الضحايا ما بين 1990-2003. حدث كل هذا تحت عنوان مبدأ “تحرير الأرض والعرض” مهما كانت كلفة المظلوم وأيا كانت خسائر المحتل.

 

هل مُضيُّ ربع قرن على تلكم الأحداث غير من مبدأ التحرير والدفاع عن الشعوب المظلومة لدى القادة العرب؟ قطعا لا، فوفق ما ورد في مقدمة المقال عن حالتي ليبيا وسورية 2011؛ فحكام دول الخليج ومصر والأردن تدخلت عسكريا وبشكل مباشر، وفي الحالة الليبية استدعت حلف الناتولتحرير الشعب الليبي  وإسقاط “الحاكم غير الشرعي والطاغية”، خلال أسابيع فقط من بداية أزمتها، وذات الموقف تكرر مع الحالة السورية؛ وإن كان هذا المبدأ قد ترسّخ في الحالتين بين عامي 2011 و2012، فقد حمل عام 2014 للمواطن العربي حالة توفرت فيها شروط الحالات الثلاثة سابقة الذكر، وإن كانت سابقة زمنيا بعقود، ومآسي شعبها متكررة بشكل مروع، لكن حالة 2014 تبدواستثنائية، لكونها وقعت بعدما رسخ عمليا القادة العرب ضرورة تحرير دولة عربية محتلة، وضرورة إسقاط نظام فقد شرعيته وذا دكتاتورية متوحشة.

 

فلسطين دولة عربية أليس كذلك؟ وهي تقع تحت الاحتلال منذ 1948 أليس هذا ما لقن لنا صغارا؟ إذن أين المشكلة؟ دعونا من الماضي ولنتأمل ما بعد 2011، فالعام الماضي يعني 2014، قام العدوالإسرائيلي بهجوم إجرامي على مليوني (عدد سكان الكويت حين تعرضت للعدوان) فلسطيني، يعيشون تحت احتلاله المستديم، وفي ظل حصار مطبق شارف على عقد من الزمان، العدوان الإجرامي استمر قرابة شهرين دون توقف، يعني ليس كما في الحالة الليبية أربعة أيام كانت كافية لتعليق عضوية ليبيا، هنا شهرين لم يكفيا لسحب ما يسمى بمبادرة السلام العربية، وإن كانت 400 ضحية ليبية استنفرت القادة العرب للتدخل العسكري المباشر، ففي الحالة الفلسطينية استشهد أكثر من خمسة أضعاف ذلكم العدد في الهجوم.

 

فلسطين اجتمعت فيها كل الشروط التي اعتمدها القادة العرب لشن حروبهم، بكل الأذرع المالية والسياسية والدبلوماسية والعسكرية، فهي بلد عربي  تزيد مساحته عن مساحة الكويت بعشرة آلاف كلم مربع، وتفضل عليها بأولى القبلتين وثالث الحرمين، وعدد سكانها ثلاثة أضعاف عدد الكويتيين، أتحدث عن المقيمين في فلسطين التاريخية (جهاز الإحصاء الفلسطيني)، ولا نتحدث عن المهجرين قسرا، يتعرض هذا الشعب بصفة شبه يومية لكل أنواع الإذلال والتنكيل من القتل الى الأسر الى الحصار المطبق، ما لا يمكن أن يقاس بأعمال النظام الليبي أوالسوري؛ لا يمكن لأحد أن يشكك في واقع مأساة الشعب الفلسطيني وتفاصيله الدامية، إذن السؤال: أين القادة العرب من هذا؟ لم نسمع بسحب السفراء ولا بقطع العلاقات !! ولم نرى وزراء خارجية دول الخليج ومصر والأردن يمزقون السماء ذهابا وجيئة لعواصم العالم !! لم نسمع فتاوى علماء السلاطين، بذات الزخم والصوت العالي تدعوا شباب الأمة لإغاثة الشعب الفلسطيني، وأن الجهاد فرض عين عليهم لتحرير فلسطين وإسقاط نظام الطغيان الإسرائيلي !! ولم نسمع من بين كل اولئكم الزعماء العرب، ولوصوتا واحدا يعلن بأن بنيامين نتياهومجرم يقتل شعب فلسطين !! ولم نسمع من أحدهم  قوله “بنيامين نتياهوفقد شرعية الحكم” ولا يمكن التحاور معه !!! لم نسمع وسائل إعلامهم وهي تنقل جرائم بحق المواطنين الفلسطينيين قولهم: إن شبيحة نظام الطاغية بنيامين فعلت كذا وكذا، بل يلتزمون بمفردات “العدو” نفسه، ويقولون: قام عناصر من الجيش الإسرائيلي بكذا، حتى لوتعلق الأمر بجريمة وحشية همجية كقتل أطفال أحياء حرقا !!.

 

الخلاصة: إن كان لا أحد يجادل بأن الحالة الفلسطينية قد اجتمعت فيها كل ملابسات الحالات الثالثة (العراق-ليبيا-سورية)، فالسؤال: أين مبادئ القادة العرب الذين اعتمدوا الحروب المسلحة؟ بل أين تقييمهم للحكم الإسرائيلي قياسا بأحكامهم على تلكم الأنظمة العربية؟ لا أملك أجوبة إلا واحدا وهو: أن كل تلكم الشعارات التي رفعوها لمحاربة العراق وليبيا وسورية، لا أساس لها في قناعاتهم، وإلا فلا تفسير لموقفهم من كيان العدوالإسرائيلي، إلا كونه احتلال شرعي وجرائمه بحق الشعب الفلسطيني من أصول وقيم الديمقراطية ……………… لقد عرّت الحالة الفلسطينية قادة عربا بشكل مقزز ومقرف، واسكتُ أحسن.

 

 

إسماعيل القاسمي الحسني

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (0)

User