التحول السحري للجنرال توفيق من لغز كبير إلى «ثرثار كبير»!
يمكن القول بدون مبالغة إن الفريق محمد مدين، المعروف باسم «الجنرال توفيق»، هو الرجل الأكثر غموضا في النظام الجزائري منذ الاستقلال. فصاحب السيجار الذي لم يكن حتى المقربون منه يذكرون اسمه حتى وهم في بيوتهم، مكتفين بحركة يد تشي بمدخن السيجار الكوبي غالبا، هيمن على جهاز الاستخبارات وعلى نظام الحكم قرابة…
يمكن القول بدون مبالغة إن الفريق محمد مدين، المعروف باسم «الجنرال توفيق»، هو الرجل الأكثر غموضا في النظام الجزائري منذ الاستقلال. فصاحب السيجار الذي لم يكن حتى المقربون منه يذكرون اسمه حتى وهم في بيوتهم، مكتفين بحركة يد تشي بمدخن السيجار الكوبي غالبا، هيمن على جهاز الاستخبارات وعلى نظام الحكم قرابة ربع القرن، وظل لغزا محيرا حتى بالنسبة لمن عرفوه بدون أن يعرفوه حقيقة. فالرجل كان كتوما قليل الكلام حتى مع أسرته، مستمعا جيدا، لا يبدي موقفا او يتأثر بما يستمع اليه. والذين جلسوا اليه خرجوا مقتنعين بما ارادوا ان يقتنعوا به معتقدين أن ذلك هو موقف الجنرال توفيق.
طوال الفترة التي سيّر بها الجنرال توفيق جهاز المخابرات، أحاط نفسه بهالة غير مسبوقة وغموض كبير زاد في تضخيم الأسطورة.. أسطورة الجنرال صاحب السيجار، الذي أطلقت عليه أوصاف عديدة مثل «صانع الرؤساء» و «رب الجزائر»، مع أن الذين اقتربوا من الرجل أكدوا انه ابسط من الصورة التي رسمت له، وأنه ليس من النوع الذي يظهر أو يتباهى بقوته، بدون ان ينفي هؤلاء حقيقة نفوذه وهيمنته على نظام الحكم، والأسطورة امتدت من قائد الجهاز الى الجهاز نفسه الذي أصبح مرهوب الجانب.
بل ان الاسطورة بلغت مستوى اصبح معه الكثير من الجزائريين مقتنعين بأن الجنرال توفيق شخصية خيالية، والبعض الآخر كان متأكدا من أن الرجل مات منذ سنوات، ولكن شبحه ظل قائما بغرض الترهيب.
لم يكن بإمكان الصحافة ذكر اسمه لسنوات طويلة. ولما بدأت تفعل ففي حالات استثنائية ومحدودة، وبدون نشر صور. فالذي ساهم في نسج هذه الصورة الخيالية عن الجنرال توفيق، هو أن وجهه لم يكن معروفا، وأن الصورة الوحيدة التي شرع في تداولها نهاية تسعينيات القرن الماضي كانت مأخوذة من مذكرات الجنرال خالد نزار وزير الدفاع الأسبق، الذي ضمن كتابه مجموعة من الصور، بينها واحدة لمجموعة من الضباط بينهم «سي توفيق»! وهي صورة من نوعية ليست جيدة، ومع ذلك كانت الصحف تنشرها بين الحين والآخر. وسمع الكثير من الصحافيين، وبعضهم عاش حوادث لها علاقة بتصوير الفريق مدين، فكل الذين فعلوا عن قصد أو جهلا أخذ صور له، سحبت منهم الكاميرات ومسحت كل صور الجنرال توفيق، التي عادت ما كانت تأخذ له في الجنائز، لكن تبين عند إقالة الجنرال توفيق أن بعض الصحف والقنوات الخاصة كان لديها بعض الصور الخاصة بالجنرال توفيق ولم تكن تستطيع نشرها، ولكنها سارعت لذلك مباشرة بعد تأكد رحيل «صاحب السيجار» في ظروف غير عادية.
منذ بداية ما يعتبره البعض صراعا بين الرئاسة أو الرئيس أو محيط الرئيس والمخابرات او قيادة المخابرات أو جزء منها أو الجنرال توفيق في 2013، أُخرج الجنرال توفيق إلى العلن، عندما هاجمه فجأة عمار سعداني، امين عام حزب جبهة التحرير الوطني (الاغلبية)، الذي وجه له تهما عديدة، وقال من بين ما قال إن الفريق مدين يرفض ترشح الرئيس بوتفليقة الى ولاية رابعة، وأنه هو من يقف وراء قضايا الفساد التي طالت رجال الرئيس. وحتى كتابة هذه السطور لم يكذب سعداني، المحسوب على الرئاسة هذه الرواية. هذا الهجوم تزامن مع سلسة تغييرات طالت جهاز المخابرات، واستهدفت رجال الجنرال توفيق، وانتهى كل ذلك بإقالة الجنرال توفيق في سبتمبر/ أيلول الماضي في ظروف أكثر من غامضة، بدون أن يكون من السهل تصديق الرواية الرسمية التي تتحدث عن اعادة هيكلة لهذا الجهاز، والتي تكون قد تقررت منذ 25 سنة، أي قبل وصول الجنرال توفيق الى سدة المخابرات!
لم يكن صعبا توقع أن الفريق مدين سيعود الى بيته بدون الإدلاء بأي تصريح. فالرجل، الذي ظل قرابة ربع قرن لغزا محيرا حتى لمن اشتغلوا معه، والرجل الذي كان حريصا أن يبقى وجهه غير معروف، ليس هو الذي يسارع للقيام بلقاءات صحافية. لكن ذلك لم يمنع الصحافة من الحديث بلسانه وبلسان من ادعوا أنهم التقوا به ونقلوا عنه. وأول ما بدأت تتحدث عنه الصحافة، هو أن الجنرال توفيق سيقصد الحج، وأنه سيكون على الطائرة نفسها مع عمار سعداني زعيم الأغلبية الذي كان قد أشعل شرارة الحملة على قائد جهاز الاستخبارات. ثم جاءت صحف أخرى بـ»أخبار» أخرى تقول إن توفيق يرفض أن يحج مع سعداني!.. ليتبين في الاخير أن صاحب السيجار لم يحج هذه السنة. ثم راحت مواقع اخبارية تقول إن الجنرال توفيق على رأس قائمة ضباط سامين ممنوعين من السفر، وهو «الخبر» الذي لم يصدر اي شيء يؤكده أو ينفيه، لكنه مر بدون أن يكون هناك اي رد فعل، مما يعطي الانطباع بأنه مجرد إشاعة.
بعد ذلك جاء الدور على «زوار» الجنرال، أولئك الذين يقولون إنهم زاروه في بيته، وجلسوا اليه، واستمعوا منه، ونقلوا عنه أشياء سارعت الصحافة الى نشرها. بعضهم عرّف عن نفسه، مثل النائب الاسلامي حسن عريبي، الذي عرف الجنرال توفيق في تسعينيات القرن الماضي في عز الازمة الأمنية التي كانت تعيشها البلاد. ويروي في شهادته عن تلك المرحلة أنه التقى بتوفيق عن طريق وسيط، من أجل المساهمة في إطفاء نار الفتنة، وأصبح يرتبط بعلاقة صداقة معه. هذا كان كافيا ليظل عريبي مرهوب الجانب لسنوات، والجميع يخطب وده بما في ذلك رؤساء حكومات ووزراء.
وأكد عريبي اياما، بعد تنحية الجنرال توفيق أنه التقاه ببيته، وأن هذا الاخير اعترف بأنه لم يستقل، بل أقيل من منصبه، وأنه تقبل القرار، لأنه موقع من وزير الدفاع شخصيا أي من طرف الرئيس بوتفليقة.
و«»نقل» عن الفريق مدين قوله إنه لا خلاف له مع بوتفليقة وأنه بقي وفيا له حتى مغادرته منصبه.
الغريب أنه مباشرة بعد تداول الصحافة هذا الكلام، خرج من يقول إن عريبي لم يعد يلتقي الجنرال توفيق منذ سنوات، وان الكلام الذي نقله لا أساس له من الصحة.
وقبل أيام نشرت ايضا مجلة «جون افريك» الفرنسية مقالا نقل كلاما على لسان «زوار الجنرال» جاء فيه أن الفريق مدين قال إنه لم يكن يعارض الولاية الرابعة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة. كلام لا يوجد عليه اي دليل، ويزيد في حالة الغموض حول ظروف وملابسات ما جرى ما بين 2013 و2015، والذي انتهى بمغادرة الجنرال توفيق لمنصبه. بل ويمكن القول إنه لم ينته بعد، لأن الكثير من المحللين يعتقدون أن رحيل الجنرال توفيق هو بداية لشيء ما لم تتضح معالمه بعد!
كمال زايت
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (11)