مخاوف من توظيف باريس هجمات الإرهابيين ضد المسلمين
تساور القوى السياسية والمدنية التونسية مخاوف من توظيف باريس الهجمات الإرهابية التي تبناها تنظيم الدولة لـ"أغراض انتقامية لا فقط ضد الجالية العربية المقيمة في عاصمة الأنوار وإنما أيضا ضد العرب والمسلمين بصفة عامة و"مزيد تهميشهم" خاصة في ظل تزايد نفوذ جمعيات وأحزاب يمينية عنصرية معادية للعرب…
تساور القوى السياسية والمدنية التونسية مخاوف من توظيف باريس الهجمات الإرهابية التي تبناها تنظيم الدولة لـ"أغراض انتقامية لا فقط ضد الجالية العربية المقيمة في عاصمة الأنوار وإنما أيضا ضد العرب والمسلمين بصفة عامة و"مزيد تهميشهم" خاصة في ظل تزايد نفوذ جمعيات وأحزاب يمينية عنصرية معادية للعرب وللمسلمين خاصة وأن باريس أعلنت أنها ستراجع إستراتيجيتها الأمنية في التعاطي مع الشأن العام بالبلاد.
وتتوقع تلك القوى أن تلقي الهجمات بتداعياتها السلبية لا فقط على الجالية العربية والمسلمة وإنما قد تقود بباريس وببلدان الإتحاد الأوروبي عامة إلى مراجعة سياساتها الأمنية بشأن تعاطيها مع تلك الجاليات وأيضا مع عدد من البلدان العربية وفي مقدمتها التي تورط جهاديوها في الهجمات.
ودفعت مخاوف تونس من تداعيات هجمات باريس على جاليتها في فرنسا وأيضا على تداعياتها بشان علاقات السياسية والاقتصادية والأمنية العريقة والقوية بعاصمة الأنوار بالرئيس الباجي قائد السبسي إلى السفر إلى باريس للتعبير عن تضامن تونس مع فرنسا والتأكيد على أن بلاده "لن تدخر أي جهد لتكثيف تعاونها مع فرنسا في مجابهة الإرهاب".
ورأى سياسيون في إصرار قائد السبسي على التنقل السبت الماضي إلى قصر الايليزي وتقديم "تعازيه" و"تضامنه"بنفسه للرئيس فرنسوا هولاند رسالة من تونس إلى عاصمة باريس تهدف إلى "تخفيف" حدة موجة "الغضب" التي تجتاح السلطات الفرنسية وكذلك فئات عريضة من المجتمع الفرنسي على العرب والمسلمين في ظل اقتناص" قوى يمينية وعنصرية للهجمات من أجل الضغط على باريس باتجاه "انتهاج سياسات انتقامية" ضد العرب والمسلمين.
وبدت السلطات التونسية تتعاط مع هجمات باريس كما لو أنها شأن داخلي يمس أمنها واستقرارها ومصالحها حتى أن وزارة الشؤون الخارجية أحدثت "خلية أزمة" صلب الوزارة تتولى تحيين المستجدات حول الهجمات ما بدا مؤشرا على أن تونس "تتوجس" من تداعيات تلك الهجمات على علاقاتها السياسية وشراكتها الاقتصادية مع فرنسا.
ويقر أكثرية المهاجرين التونسيين المقيمين في فرنسا بأنهم لا يتعرضون عادة إلى "التمييز العنصري من القبل السلطات الرسمية الفرنسية" غير أنهم بالمقابل يتذمرون من "ممارسات عنصرية" تقودها أحزاب عنصرية معادية للعرب والمسلمين و ترى فيهم عبء على المجتمع وعلى الدولة".
ولم يخف بلقاسم الصابري كاتب الدولة المكلف بالهجرة "وجود مخاوف من ردود أفعال عنصرية تجاه الجالية التونسية" خاصة والعربية عامة قد تقودها الجمعيات وأحزاب يمينية متطرفة عرفت بمعاداتها للعرب والمسلمين".
غير أن مخاوف تونس تتجاوز ردود أفعال عنصرية من جمعيات وأحزاب معروفة بمعاداتها للعرب والمسلمين تستهدف جاليتها والجالية العربية عامة إلى احتمال انتهاج باريس بعد الهجمات لسياسات اقتصادية "لا تخلو من الانتقام" قد تقود إلى "تمزيق" نسيج علاقات شراكة إستراتيجية عريقة ومتينة بين البلدين.
ويقدر عدد الجالية التونسية في فرنسا بأكثر من 700 تونسي أي ما يعادل 50 بالمائة من الجالية التونسية بالخارج هاجروا مند السبعينات من القرن الماضي إلى البلاد التي استعمرت تونس من عام 1881 إلى عام 1956.
وتتصدر فرنسا قائمة شركاء تونس الاقتصاديين حيث تستحوذ على أكثر من 70 بالمائة من مبادلاتها التجارية ويبلغ حجم تلك المبادلات حوالي 26547 مليون دينار من الصادرات وحوالي 38182 مليون دينار تونسي من الواردات وفق آخر إحصائيات معهد لإحصاء التونسي الحكومي.
كما تتصدر فرنسا قائمة البلدان التي تتأتى منها تحويلات التونسيين بالخارج بأكثر من 1716 مليون دينار من مجموع أكثر من 3538 مليون دينار تونسي قادمة من مختلف بلدان الإتحاد الأوروبي.
وتقدر بيانات إحصائية عدد الجاليات العربية والمسلمة في فرنسا بأكثر من 5 ملايين شخص غالبيتهم من بلدان المغرب العربي الدين يمثلون 82 بالمائة من مجموع الجالية العربية المسلمة بالبلاد وفق دراسة ميدانية أجرها مؤخرا معهد الدراسات الديموغرافية الفرنسي المتخصص في الدراسات السكاني.
ويتوزع عدد الجاليات العربية والمسلمة جغرافيا إلى أكثر من 43 بالمائة من الجزائريين و30 بالمائة من المغاربة و12 بالمائة من التونسيين.
وتخشى السلطات الرسمية التونسية وكذلك القوى السياسية والمدنية أن تعصف هجمات باريس بعلاقات تونس التجارية مع فرنسا ودعمها لها خاصة خلال مرحلة حرجة تمر بها البلاد نتيجة أزمة حادة دخل فيها الاقتصاد مرحلة الانكماش بعدما تدنت نسبة النمو إلى 1 في المائة وهي مرحلة تحتاج فيها تونس إلى الرفع من مستوى دعم فرنسا لها اقتصاديا وسياسيا.
وإزاء المخاوف لا فقط من "فقدان تونس لثقة شريكها الرئيسي وإنما أيضا من استغلال باريس الهجمات لتهميش علاقاتها الإستراتيجية العامة مع تونس ومع عدد من البلدان العربية وفي مقدمتها بلدان المغرب العربي تحركت القوى السياسية والمدنية بقوة لقطع الطريق أمام أي شكل من أشكال استغلال الهجمات لمراجعة مستوى شراكتها مع البلاد وأيضا للحيلولة دون توظيفها لانتهاج سياسات "انتقامية" سواء تجاه التونسيين أو تجاه العرب والمسلمين.
ودعا الائتلاف الحزبي اليساري الجبهة الشعبية الشعب الفرنسي إلى "الحذر" من "توظيف الحكومة الفرنسية الهجمات الإرهابية من "توظيفها لأغراض عدوانية ضد العرب والمسلمين ومزيد تهميشهم من الخارطة الجيوسياسية الجديدة التي بدأت تتشكل خلال هده الفترة والتي تقودها البلدان الغربية.
وحمل حمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية مسؤولية هجمات باريس إلى ما قال "الدول الاستعمارية والكيان الصهيوني والرجعيات العربية على طاعون تنظيم الدولة والجماعات الفاشية" في إشارة ضمنية أن البلدان الأوربية والغربية عامة "احتضنت" جماعات الإسلام السياسي و"دعمتهم" سياسيا" وراهنت عليهم للوصول إلى الحكم على الرغم من سيل من التحذيرات ما انفكت تطلقها قوى سياسية ومدنية علمانية من مخاطر تلك الجماعات على أمن واستقرار بلدان المنطقة العربية وأيضا على البلدان الغربية.
ولم يتردد الهمامي في التأكيد على أن هجمات باريس التي تبناها تنظيم الدولة
تأتي في إطار مخطط يهدف إلى "زرع الفتنة" في المنطقة العربية وتأليب الرأي العام الأوروبي عامة ضد العرب والمسلمين.
ويعلق سياسيون علمانيون على "تضامن" العرب والمسلمين مع فرنسا قائلين إن "التضامن وتقديم التعازي بات لا يكفي وانه من الضروري البحث عن إجابات عمن يساند الأطراف الإرهابية ويدعمها بالعدة والعتاد و من يوظفها سياسيا وأمنيا ويفر لها الإسناد اللوجستي حتى أنها باتت تمثل قوة تمتلك من السطوة الأمنية والعسكرية ما جعلها تمثل تهديدا خطيرا للمنطقة.
ويشدد الهمامي على أن "الجماعات الفاشية هي وسيلة من اجل تقسيم الوطن العربي على أسس مذهبية وطائفية ودينية لضمان السيطرة عليه وكسر كل نفس ديمقراطي" في مسعى إلى مزيد تهميش العرب والمسلمين من خلال "قطع" أي شكل من أشكال العلاقات السياسية أو الاقتصادية بين البلدان العربية والبلدان الغربية وتأجيج نزعة العنصرية.
وفي محاولة إلى "قطع الطريق أمام نزعة العنصرية التي تقودها قوى يمينية فرنسية أوروبية عامة أصدرت أحزابا سياسية تونسية بيانات أعربت خلال عن تنديدها للهجمات ووصفتها بالدموية مشددة على تضامنها المطلق مع باريس وعلى أن تونس دولة وشعبا متضامنة مع فرنسا ضد إرهابيين يحاولون تأليب اتجاهات الرأي العام الفرنسي والأوروبي عامة ضد الشعوب العربية المسلمة.
وسارعت حركة النهضة إلى إصدار بيان قالت فيه إن تلك الهجمات هي عملية إرهابية "شوه صورة الإسلام وتسيء إلى مبادئه وتتنافى مع كل الشرائع السماوية مشيرة إلى أن مواجهة خطر الإرهاب لا ينمكن أن تكون سوى عبر "التضامن والديمقراطية.
ودعا حزب نداء تونس الذي يقود الحكومة الائتلافية بين علمانيين وإسلاميين الشعب التونسي إلى الوقوف إلى جانب الشعب الفرنسي في محنته معبرا عن تضامنه الكامل مع الحكومة الفرنسية في حربها ضد الإرهاب.
ولم تتوقف مخاوف التونسيين من تداعيات هجمات باريس عند الأحزاب السياسية بل تجاوزتها إلى قوى المجتمع المدني حيث اعتبر حسين العباسي أمين عام اتحاد الشغل أن اعتداءات باريس تندرج ضمن مخطط إرهابي دولي" يتجاوز فرنسا إلى مختلف البلدان سواء منها العربية أو الغربية.
وتزايدت مخاوف التونسيين من توظيف باريس هجمات الإرهابيين لأغراض عدوانية ضد العرب والمسلمين في أعقاب تأكيد وزير الدفاع الفرنسي جان ايف لودريان الأحد أن "فرنسا ستقوم بمراجعة إستراتيجيتها للأمن من أجل مواجهة الاستجابة للهجمات الإرهابية" مشددا على أن فرنسا باتت تواجه تهديدا مسلحا وهو ما يستوجب منها تكييف إستراتيجيتها الدفاعية.
ويقول سياسيون ونشطاء حقوقيون إن الرابح الأول من هجمات باريس هو حزب "الجبهة الوطنية" العنصري الذي تتزعمه مارين لوبان، ملاحظين أن "منسوب العنصرية ضد العرب والمسلمين سيرتفع خلال الأيام القليلة المقبلة، وقد لا يخلو من اعتداءات أو حتى مواجهات في عدد من المدن الفرنسية".
ولم يستبعد محللون سياسيون أن تصريح وزير الدفاع الفرنسي يؤشر على أن باريس ستراجع سياساتها تجاه عدد من البلدان العربية والمسلمة مشددين على أن الهجمات قد تدفع بمسؤولي مواقع صنع القرار السياسي والأمني الفرنسي إلى اتخاذ إجراءات سياسية وأمنية حازمة بشأن الجالية العربية.
ويتوقع دبلوماسيون عرب مقيمون في تونس أن تقود هجمات باريس إلى تداعيات سلبية بحجم العملية الإرهابية التي فاق عدد قتلاها 130 قتيلا وهم يقولون إن التداعيات المحتملة لن تنحصر في أتحاذ عاصمة الأنوار لإجراءات سياسية وأمنية حازمة تجاه الجالية العربية وإنما تشمل أيضا مراجعة فرنسا وبلدان الإتحاد الأوروبي عامة لسياستها الخارجية مع البلدان العربية.
ويشدد الدبلوماسيون على أن هجمات باريس ستقود إلى "تأجيج" مشاعر الكراهية بل "العنصرية" تجاه الجاليات العربية والمسلمة في مختلف فئات المجتمع الفرنسي والأوروبي خاصة في ظل "ضغوطات تمارسها أحزاب سياسية يمينية متطرفة وقوى اجتماعية عنصرية.
ويبدو أن أخطر تداعيات هجمات باريس، كما يذهب إلى دلك كثير من المحللين السياسيين، هو انتشار "عدوى العنصرية" تجاه العرب والمسلمين في صفوف فئات أخرى واسعة من المجتمع الفرنسي والأوروبي لم تكن تتبنى النزعة العنصرية من قبل، بما فيها القوى السياسية والمدنية التي كثيرا ما دعت إلى التسامح والتعايش المشترك بين الفرنسيين والجاليات العربية والمسلمة.
ويقر "مرصد مكافحة الخوف من الإسلام" التابع لمنظمة التعاون الإسلامي بـ"تصاعد حدة ظاهرة الخوف من الإسلام" في البلدان الغربية بنسبة 281 في المائة خلال النصف الأول من العام 2015 نتيجة موجة هجمات خلايا التنظيمات الجهادية في عديد من البلدان العربية والغربية.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (4)