مشكلة الجزائر الحقيقية هي أن صناع القرار عندنا منشغلون بمصالحهم الضيقة
يسود الجزائر اليوم نقاش عقيم وهزيل جدا، واخذ شكلا كاريكاتوريا، وضخمته الأدوات الأيديولوجية التابعة للسلطة القائمة، في الوقت الذي تطمس كل خطاب جديد يسعى لطرح جوهر المشاكل التي يعيشها شعبنا، وأكثر من هذا عمدت السلطة إلى إبراز إعلامي لشخصيات هزيلة كاريكاتورية، وطمس أخرى وإبعدها عن المشهد الإعلامي…
يسود الجزائر اليوم نقاش عقيم وهزيل جدا، واخذ شكلا كاريكاتوريا، وضخمته الأدوات الأيديولوجية التابعة للسلطة القائمة، في الوقت الذي تطمس كل خطاب جديد يسعى لطرح جوهر المشاكل التي يعيشها شعبنا، وأكثر من هذا عمدت السلطة إلى إبراز إعلامي لشخصيات هزيلة كاريكاتورية، وطمس أخرى وإبعدها عن المشهد الإعلامي والسياسي، وذلك كله بهدف إبعاد شعبنا عن أي أمل في بديل جدي لما هو كائن، لأنه يرى بأن الآتي أسوء من الموجود، فحب السلطة والتشبث بها أعمى البصيرة وعدم الإدراك أن جزائر ملايين الشهداء هي التي تغرق يوميا بفعل سياساتهم، وليس فلان أو علان. تعيش الجزائر اليوم مرحلة تحولات خطيرة لرهن مستقبلها، فهل من المعقول أن لايدرك صناع القرار عندنا أن العالم اليوم في تحول كبير، وأن نظاما عالميا جديدا على شكل هرمي قيد التشكل، ويتحدد موقع كل أمة في هذا الهرم حسب قوة دولتها، وإذا لم نستدرك وضعنا الذي يزداد تقهقرا يوما بعد يوم، فإن موقعنا سيكون في قاعدة هذا الهرم وعلى هامش التاريخ. أن صناع القرار عندنا منشغلون بمصالح ضيقة، ولا يرقى تفكيرهم إلى هذا المستوى الإستراتيجي، فإن كانت أمم عديدة منشغلة بالعمل من أجل التموقع في أعلى هرم هذا النظام القيد التشكل، فإن البعض ممن يعتبرون أنفسهم “محررو الجزائر” ومعهم “نخب سياسية مزيفة” همهم التموقع على حساب الشعب للإستفادة من الريوع، وربط بعضهم شبكة علاقات مع قوى خارجية إستغلالية، ليتحولوا إلى كولون جدد لإستعباد شعبنا، خاصة بعد ما حبانا الله بأموال طائلة بفعل الفورة النفطية، والتي وظفت لشراء الذمم لأهداف سلطوية بحتة بدل توظيفها في بناء دولة قوية وإقتصاد منتج يضعنا على الأقل في مستوى كوريا الجنوبية، فضيعوا على الأمة فرصة لا تتكرر بسبب تفكير سلطوي وأنانية مفرطة. أن التقهقر اليومي لجزائرنا سببه آليات نظام سياسي وضعتها المجموعة التي أستولت على الدولة، وحولتها إلى ملكية خاصة بها بعد إنقلابها على المؤسسات الشرعية للثورة في1962، فهي آليات تفرز الرداءة والزبائنية والإنتهازية وتهميش الكفاءات والوطنيين المخلصين، وعجزت على إنتاج رجال دولة، وأنتجت لنا رجال سلطة محاطون بإنتهازيين يناورون لخدمة أهداف سلطوية ضيقة لا غير على حساب مستقبل الجزائر، كما أفرزت لنا مسيرين عاجزين حتى على تسيير النفايات وقنوات الصرف الصحي، ولفظت وطردت هذه الآليات عشرات الآلاف من الكفاءات والطاقات التي تزخر بها الجزائر، والتي لايمكن لها البروز إلا بالآليات الديمقراطية الحقيقية لا المزيفة، فلو أفرزت لنا هذه الآليات نخبا كفؤة ونزيهة لسارت كل المؤسسات بفعالية، فتقدمنا وتحسنت الحياة اليومية للمواطن، لكن مادام تفرز لنا نخبا مغشوشة ومزيفة تغلب عليها الرداءة وإنعدام الأخلاق والنزاهة، فمن الطبيعي أن تنهار الجزائر تدريجيا، وتتردى الحياة اليومية للمواطن. يستحيل الخروج من أزمتنا المزمنة بمعالجات وترقيعات جزئية لمشاكلنا المتعددة، بل يجب الذهاب إلى رأس وجوهر المشكل بإحداث القطيعة مع هذه الآليات الفاسدة وإستبدالها بآليات فعالة في إفراز النخب الحقيقية الكفؤة والنزيهة. يجب أن يدور النقاش الحقيقي حول إيجاد آليات وميكانيزمات بديلة لإفراز نخب حقيقية كفؤة ونزيهة، لكن المستفيدون من الآليات القديمة الموضوعة في1962 يبعدوننا عن هذا النقاش بأساليب شتى كإلهائنا بمشاكل ونقاشات هامشية، بل مفتتة في بعض الأحيان لمجتمعنا، فعلى المعارضة تقديم الآليات البديلة والفعالة، لكن يبدو أن أغلبها أيضا هي نتاج هذه الآليات الفاسدة، ولهذا فهي على نفس شاكلة النخب الحاكمة، وكأنهم خرجوا كلهم من نفس القالب. أننا نعيش في نقطة تحول مصيرية في مسار تاريخ أمتنا، فإما الضياع والهوان والإستعباد، وإما الإنعتاق والصعود إلى القمة، فالصراع في الجزائر اليوم هو بين الإنتهازيين الذين تحركهم مصالحهم الضيقة لاغير، والذين لايختلفون عن بني وي وي في العهد الإستعماري، ونجد في مواجهتهم الوطنيين الحقيقيين -وليس المزيفين-، والذين يعملون من أجل عزة الجزائر وسؤددها، وقد رفض الكثير من هؤلاء الإنخراط في أحزاب الكثير منها هدفها التصفيق والتطبيل والتعليف. أننا لاندعي إمتلاك الحقيقة والحلول السحرية لمشاكل أمتنا، بل فقط نريد التنبيه، أنه ليس من المعقول تكرار نفس الأخطاء والأوهام، ليصدم فيما بعد شعبنا بالحقيقة المرة مرة أخرى، كما كان يصدم دائما، فكما كان يقول مالك بن نبي أن الإستعمارهو نتيجة للقابلية لٌلإستعمار، وأنها كانت موجودة من قبل ما يغتصب الإستعمار الفرنسي أرضنا في 1830، ولو لم تكن تلك القابلية والظروف متوفرة فينا لما دخل الإستعمار بلادنا، وبقي فيها 132 سنة، يجول ويصول بمساعدة إنتهازيين مستعدين لخدمة القوي في كل زمان ومكان سواء كان أجنبيا أو جزائريا كما يخدمونه اليوم، ووجه آنذاك من الطبقة السياسية التي لم ترد الذهاب إلى المشكلة الجوهرية، فطردنا الإستعمار الأجنبي من هنا لنقع في براثن مجموعة أستولت على الدولة وتضحيات ملايين من الشهداء بمساعدة نفس الإنتهازيين الذين وصفتهم في إحدى مقالاتي بأنهم “سياط على وطني”. يجب علينا الذهاب إلى جوهر المشكلة والتفكير في إيجاد آليات سياسية تفرزلنا الأكفاء والنزهاء لتسيير شؤوننا العامة، وتقصي الإنتهازيين والفاسدين، فإن لم نحل هذه المشكلة، فالأوضاع ستبقى نفسها، ونبقى ندور في حلقة مفرغة سواء تغير الأشخاص أو بقوا في مكانهم، فهو سيان، لأن المسألة ليست مسألة تغيير فلان بعلان، بل المسألة في طريقة وآليات عمل النظام السياسي وطبيعته. البروفسور رابح لونيسي
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (8)