محمد إبراهيم بو خروبة الذي عرف باسمه الثوري هواري بو مدين : بعد 37 عاما
محمد إبراهيم بو خروبة الذي عرف باسمه الثوري هواري بو مدين : بعد 37 عاما
سبقني الرفيق د.محمد الطيب قويدري إلى تسجيل الاحتفال بالذكرى السابعة والثلاثين لوفاة الرئيس الجزائري الهواري بو مدين، ولعلي، من باب الاعتذار لقراء “رأي اليوم”، أكتفي بالقول إنني قضيت الأيام الثلاثة بعيدا عن الحاسوب في ولاية “قالمة”، مسقط رأس محمد إبراهيم بو خروبة، الذي عرف فيما بعد باسمه الثوري هواري بو مدين.
وهنا أيضا، أرى أن أوضح للأشقاء في المشرق سبب استعمال الأسماء الثورية خلال الكفاح المسلح بدلا من الأسماء العائلية، وربما أيضا سبب اختيار اسم معين بدلا من اسم آخر.
فمن المعروف أن بو مدين ينتمي إلى الشرق الجزائري، واقتضت ظروف الحرب أن يجاهد في الغرب الجزائري، ومن هنا اختار لقبه الثوري تيمّنا بالوليّين الصالحين في كل من وهران وتلمسان، سيدي الهواري وسيدي بو مدين،بهدف الاندماج في منطقة الغرب الجزائري خلال الثورة.
ولست أريد هنا أن أستعرض تاريخ الزعيم الجزائري الراحل، وأفضل بدلا من ذلك التوقف عند بعض القضايا التي أتصور أن كثيرين لم تتح لهم فرصة الاطلاع عليها.
وكثيرون يرون أن أخطر أخطاء بو مدين كانت نسيانه للموت، وربما كان يتوهم بأن أمامه فسحة من الوقت تمكنه من استكمال المشروع الذي نذر نفسه لتحقيقه، ولم يكن يتصور أنه سيلقى الله وهو لم يتجاوز السادسة والأربعين من العمر.
وأتذكر هنا واقعة حدثت بعد يوم 8 مارس 1974، عندما سقطت طائرة فيتنامية تقل الوفد الصحفي الجزائري المرافق للرئيس في زيارته الآسيوية، والواقعة حدثت في ممر الطائرة الرئاسية التي كانت تقل الرئيس والوفد المرافق له إلى أحد القمم الإفريقية.
يومها كان في قمرة القيادة، وكنت أقف وراءه، وعندما اتجه للخروج من القمرة سبقته في الخروج من الباب الضيق، وما أن تجاوز الباب حتى أمسكني بيده اليمني من ذراعي وضغط عليها بقوة وهو يسأل:”ماذا يمكن أن يحدث لو أصيب الإنسان بأزمة قلبية مفاجئة؟”
وأدركت بأنه لم يكن يسألني بل كان يفكر بصوت عالٍ، وبأن سقوط طائرة الفيتنام ظل دائما نصب عينيه، فقد أدرك بأنه من غير الممكن أن يكون كل شيئ مرتبطا برجل واحد مهما كان.
وهنا نكتشف واحدة من خصال بو مدين المميزة، وهي حرصه على أن يتوقف في مراحل معينة ليمارس النقد الذاتي وليتأكد أنه يسير في الطريق الصحيح.
وكان نقده الذاتي للمسيرة عمليا ملموسا، ففي الاحتفال بذكرى التصحيح الثوري في يونيو1965، والذي عُزل فيه الرئيس أحمد بن بله، أعلن بو مدين عن الاتجاه لصياغة ميثاق وطني، تقرر أن يُعرض على استفتاء عام.
كانت البلاد قد بدأت بناء المؤسسات الديموقراطية من القاعدة حيث يعرف الناس بعضهم بعضا ولا يمكن خداعهم بالألفاظ المعسولة والشعارات البراقة، وهكذا أنشئت المجالس الشعبية في البلديات بالانتخاب المباشر في 1967، وتلى ذلك الارتفاع إلى الدور الأول فأقيمت المجالس الشعبية على مستوى الولايات في 1967، وبقي الدور العلوي وهو المجلس الشعبي الوطني.
وبعد مناقشة الميثاق مناقشة شعبية تم التصويت عليه في استفتاء عام في 1976، ثم أُعِدّ الدستور في العام الموالي، وأجريت الانتخابات الرئاسية ثم التشريعية، واستكمل الهرم الديموقراطي للبلاد، وبهذا حقق التصحيح الثوري أهم أهدافه.
ويستدعيني الرئيس لمكتبه بعد الانتخابات الرئاسية ليسألني، كعادته، سؤاله الدائم..”واش الأحوال؟”، واندفعت، كعادتي أيضا، لأقول بأن الشعب أعطاه تفويضا واضحا ليقوم بتنظيف ما حوله وليحقق البرنامج الذي يطمح إليه، لكنه قاطعني، وعلى غير عادته، ليقول لي في حسم : يا فلان .. ليس في نيتي أن أقوم بـ 19 جوان جديد، نحن نعد لمؤتمر الحزب في العام القادم، وعلى كل أن يتحمل مسؤولياته كاملة”.
وما يهمني في هذه النقطة على وجه التحديد أن أقول لبعض الذين تعودوا الحديث باستخفاف عن شعار “بناء دولة لا تزول رغم الأحداث وزوال الرجال” أن البناء الذي قام به بو مدين على ضوء أهداف التصحيح الثوري هو الذي حمى البلاد من الهزات الخطيرة التي كان يمكن أن تحدث بعد التحاق الرئيس بالرفيق الأعلى.
وإذا كان الاستقرار في البلدان النامية مرادفا دائما للعمق التاريخي ولطبيعة المجتمع النهري، تماما كما حدث في مصر بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، فإن ما حدث في الجزائر يعتبر إنجازا بل إعجازا تكامل فيه وعي الشعب مع صلابة المؤسسات، حيث أن العمق التاريخي الجزائري أصيب بشرخ هائل بعد جوان 1830، عندما قام الاستعمار الفرنسي بهدم كل ما يمكن أن يربط الجزائر بماضيها الحضاري وارتباطاتها الثقافية من جهة، ومن جهة أخرى فإن الجزائر الشاسعة المساحة ليست من البلدان تتمتع بمميزات المجتمع النهري فيما يتعلق بالانضباط مع هرم السلطة.
صدق إذن تصحيح جوان وعده، وبرغم الأخطاء والعثرات فقد تمكن من أن يعيد إحياء الدولة الجزائرية ويضمن استقرارها واستمراريتها.
ولعلي هنا أذهب بعيدا فأقول بأن السنوات الحمراء في التسعينيات لم تتمكن من خلخلة أسس الدولة الجزائرية، التي تمكنت من اجتياز عشرية دموية رهيبة، في حين اضطرت دول لاستدعاء قوات درك أجنبية لمواجهة أحداث محصورة الموقع محدودة التأثير لم تتجاوز عدة أيام.
هذا يفرض علي أيضا أن أتوقف لحظات لعلي أشبع رغبة من يتساءلون منذ نحو نصف قرن عن سبب عزل الرئيس بن بله، الذي كان هو، مع السيدة جميلة بو حيرد، الاسمان الجزائريان المعروفان على الساحة العربية والدولية.
والواقعأن أي تغيير لرئاسة الدولة خارج الميكانيزمات التي يحددها الدستور هو عمل “انقلابي”، ويظل، سياسيا، عملا انقلابيا يقضي عليه انقلاب آخر، اللهم إلا إذا تقدم النظام الجديد بمشروع مجتمع يلبي متطلبات الجماهير ويتفهم احتياجاتها ويحمي تطلعاتها، وأعتقد أن هذا هو ما حدث عندنا وما عرفته مصر في عهد جمال عبد الناصر.
وبالنسبة للصراع الذي حدث بين بن بله وبو مدين فلا بد من القول بأن كلاهما كان وطنيا مخلصا ومناضلا متقشفا، وكلاهما أبلى البلاء الحسن في تطبيق ما يؤمن به، وكلاهما تنطبق عليه المقولة الشعبية: “عاش ما كْسب مات ما خلّى”، لكن للعبة السياسية منطقها، وفي الرئاسة لا يوجد إلا كرسي واحد.
وقد واجه بن بلة ظروفا بالغة الصعوبة، ولعل من بينها اتهامه بأنه كان عميلا لجمال عبد الناصر وتابعا له، وهي مقولة ظالمة، كان من بين من روّجوها من قصدهم بن بلة يوما بقوله: سوف ندخلهم حماما يذيب شحومهم، وكان يقصد بذلك العناصر التي كانت تغلي بالتطلعات الطبقية وتريد وراثة “الكولون”، وعناصر أخرى ذات اتجاهات متناقضة مع التعريب، أقلقتها صرخة بن بلة في تونس ثلاث مرات: نحن عرب.
ولقد أنجز بن بله ما استطاع أن ينجزه، لكنه لم يستطع مواجهة الكثير، ربما لأنه كان يفتقد التجربة العملية والنظرة الاستراتيجية والحاسة السادسة أو السابعة التي تمكنه من تحديد الأسبقيات وحسن توقيت القرارات والمواقف، وربما كان وراء تخبط سياسته أحيانا عقدة نشأت عن غيابه في السجن الفرنسي فترة حرمته من الوجود المؤثر والدائم على الساحة الداخلية، بينما تمكن بو مدين من الإمساك بمواقع بالغة الأهمية في الدولة الناشئة، انطلاقا من المواقع التي تناوب على قيادتها خلال الثورة، وبدراسة معمقة لكل المعطيات ولشخصيات الرجال.
وأعتقد أن من أخطاء بن بله التي تجمعت حتى وصلت به إلى 19 جوان، استفزازه رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة السابق، عباس فرحات، في قضية الدستور، حيث أصر على أن المؤهل الأول لمناقشته هو حزب جبهة التحرير الوطني، وهكذا اضطر فرحات إلى الاستقالة.
ثم بدأ التضييق على مسؤول الحزب الأول المرحوم محمد خيضر، مما أيضا اضطره إلى الاستقالة، وعندها بدا واضحا أن الرئيس يعمل على الانفراد بالسلطة، وتأكد هذا عندما ألغى وزارة الإعلام ووضع القطاع ضمن صلاحيات الرئاسة، ثم أخذ يتجه لتقليص نفوذ هواري بو مدين باستفزاز شخصيات مرتبطة به، وهكذا انتهز فرصة غياب وزير الدفاعفي موسكو فقام بتعيين رئيس للأركان في غيابه، ثم فرض في يوليو 1964 على الولاة (المحافظين) تقديم تقاريرهم له مباشرة بدون المرور على وزير الداخلية، ودفع هذا وزير الداخلية أحمد مدغري إلى الاستقالة لأنه المسؤول الأول عن الولاة، ثم اتجه بن بله إلى وزارة الخارجية لاستبعاد عبد العزيز بو تفليقة، وكانت القطرة التي فاض بها الإناء تكوينه للميلشيات العسكرية لمواجهة نفوذ القوات المسلحة، وهو ما رأى بو مدين أنه كان يمكن أن يؤدي إلى حرب أهلية.
ولعلي هنا أستطرد قليلا فأتحدث عن قضية شخصية أرقتني طويلا وأعتذر عن عرضها اليوم على القراء.
فبعض الكتاب والمثقفين العرب الذين اقتربوا أو قربوا من السلطة يعتقدون أن مقارنة أحدهم بالأستاذ محمد حسنين هيكل هي أمر يجب أن يبعث على الفخر والاعتزاز، وهو فيما أعتقد، على الأقل فيما يتعلق بالكتاب الجزائريين، ظلم كبير لهم وربما له في الوقت نفسه، فالظروف ليست الظروف والإمكانيات ليست الإمكانيات والطموحات ليست الطموحات.
وبالنسبة لي، كانت البداية مع الصحفي اللبناني الكبير الأستاذ فؤاد مطر، حيث عدّد يوما أسماء بعض المثقفين ممن ارتبطوا بقيادات سياسية كاريزمية على الساحة العالمية، وتألقوا بها ومعها وبجانبها، وأورد في هذا الصدد “أندريه مالرو” الذي ارتبط اسمه بالرئيس الفرنسي شارل دوغول، و”سالينجر” الذي ارتبط اسمه بالرئيس كينيدي، و”محمد حسنين هيكل” الذي ارتبط اسمه بالرئيس جمال عبد الناصر، وتفضل فأضاف اسم “خادمكم المطيع″ إلى القائمة، على أساس المرحلة التي عملت فيها مع الرئيس الجزائري، وانطلاقا مما كتبته عنه بعد رحيله، ورأى فيه البعض، مشكورا، علامة وفاء.
وتلقف بعض الزملاء المقارنة فراح بعضهم يتحمس لها وبعضهم يستهجنها، مما دفعني يوما إلى القول بغضب، لم يكن فيه أي افتعال أو تصنع، بأن خلفية فؤاد مطر هي تسجيل وفاء مثقف يُحبه لزعيم وضع فيه ثقته، وبأنه لا مجال لأي مقارنة مع هيكل، الذي يشكل حالة فريدة، كانت الأولى من نوعها وأتصور أنها ستكون الأخيرة، ولا يمكن أن يُقارن به أحدٌ على الإطلاق، لأنه مؤسسة إعلامية قائمة بذاتها.
وأنا شخصيا أفخر بأنني أستقطب كراهية كل من لا يتحملون سماع اسم الرئيس بو مدين، وبغض النظر عن أسباب ذلك وعن درجة موضوعيتها أو ذاتيتها، وأعتز بأن كثيرين في الجزائر، وبعد نحو أربعين سنة على وفاة بو مدين، يلقونني في مناسبات عامة فيندفعون للترحيب بي وهم يتحكمون بصعوبة في دموع تفضح تأثرهم، وكان من بينهم المجاهد “عمار ملاح”، وهو، لمن لا يعرفون، الرجل الذي دبّر محاولة اغتيال الرئيس في 1968 ونتج عنها إصابة بو مدين بجرح في وجهه، ومحاكمة ملاح ورفاقه وصدور حكم بإعدامهم، خففه الرئيس فيما بعد، ثم أطلق سراحه تماما.
وقال لي ملاح بتأثر بالغ: خسرنا ذلك الرجل.
وكان أول لقاء لي مع هيكل بالغ الغرابة، وحدث سنة 1974 عندما وقع الشنآن بينه والرئيس المصري أنور السادات في الظروف المعروفة، وبدأ هيكل في القيام برحلة صحفية قادته إلى عدد من البلدان العربية كان من بينها الجزائر.
وعندما أبلغت بنبأ الزيارة حرصت على أن أعرف من السفارة المصرية في الجزائر الوضعية البرتوكولية للزائر، وعلمتُ بأنه عُيّن مستشارا برئاسة الجمهورية، فأبلغت الرئيس الذي كلفني بأن أتولى بنفسي كل ما يرتبط بالزيارة، بصفتي مستشارا بالرئاسة.
وحدث يوم الوصول أن الرئيس استدعاني لعمل عاجل، فاضطررت إلى تكليف نائبي باستقبال الضيف الكبير ومرافقته إلى مقر إقامته في أقرب فنادق الجزائر إلى رئاسة الجمهورية وهو فندق “سان جورج”، والذي كان نزل فيه كل من الجنرال آيزنهاور والجنرال دوغول خلال الحرب العالمية الثانية، وعرف ببنائه ذي الطابع العربي الإسلامي، وكان هذا كله من أهم أسباب اختياري له.
ولأنني لم أكن أعرف الفترة الزمنية التي سأظل فيها تحت تصرف الرئيس ( ولم نكن أيامها عرفنا الهاتف المحمول) فقد طلبت من مساعدي أن ينتظر الضيف في الفندق وأن يرافقه بعد ذلك إلى مطعم جزائري كبير عُرف بمأكولاته ذات الطابع المحلي وعلى رأسها المشوي والكسكسي، وسألحق بهم هناك.
وتمكنت من الإفلات في حدود منتصف النهار فأسرعت إلى المطعم الذي يقع على بعد نحو عشرة كيلومترات، وكنت، والسائق يجتاز شوارع العاصمة الجزائرية، أستذكر أوزاري ضد هيكل بل وضد الرئيس عبد الناصر نفسه، وخصوصا إثر هزيمة 1967، التي أطلقتُ فيها على الكاتب لقب “فيلسوف الهزيمة”، رافضا تشبيهه للهجوم الإسرائيلي على القوات المصرية بهجوم اليابانيين على بيرل هاربور، ورفضه لإعادة محاكمة قادة الطيران.
وتذكرتُ ما قيل لي من أن الرئيس المصري الراحل لم يكن يخفي على من يلتقيه من المسؤولين الجزائريين غضبه من حدة مقالاتي، وكان يحتفظ في مكتبه بالعديد منها.
لكن المهم أن صورتي لدى الأشقاء، وحتى قبل أن أبدأ عملي في رئاسة الجمهورية، لم تكن مشرقة، وكانوا لا يفهمون كيف أن مقالات ناقدة للسياسة المصرية يكتبها طبيب درس في مصر، ووصل الغضب يوما بالسفارة المصرية إلى حد أنها طلبت من المتعاونين المصريين عدم التردد على عيادتي الطبية، رغم أنني كنت أحيطهم بكل رعاية ممكنة.
ودخلتُ إلى مطعم “الطاحونة” حيث كان هيكل جالسا وظهره نحو المدخل، وكان محاطا بحشد من المثقفين الجزائريين كنت دعوتهم للغداء معه، وتفضل هؤلاء، بمجرد أن رأوني داخلا، بالوقوف، ويبدو أن هناك من قال للضيف بأن مضيفه وصل فوقف والتفت إلى الخلف وما أن رآني حتى عاود الجلوس وهو يقول ضاحكا : “أنت فلان ؟، لقد تخيلتك ضخما مثل مصطفى موسى” (وهو المهندس المصري المشهور الذي كان معروفا بضخامة جسمه)
واكتشفت يومها مدى بشاعة الصورة التي يحملها الأشقاء عن أخيكم.
دكتور محيي الدين عميمور
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (37)