ألم يحن الوقت لردّ الإعتبار للمناضل الشهم جمال الدين حبيبي؟
ألم يحن الوقت لردّ الإعتبار للمناضل الشهم جمال الدين حبيبي؟
بحلول يوم الثلاثاء 29 ديسمبر 2015، تكون قد مرّت أربع سنوات على رحيل المجاهد جمال الدين حبيبي، الذي ظلّ وفيا لرسالة شهداء نوفمبر إلى غاية إلتحاقه بالرفيق الأعلى، ووفيا لمبادئه القومية العربية والإسلامية، وأكثر من ذلك كلّه فإنه وإلى غاية الأيام الأخيرة من حياته، كان يرفض الرضوخ للراحة، ويصرّ على تسجيل مواقفه من كلّ ما يحدث على الصعيد الداخلي والخارجي، وكان أن ختم مسار مقالاته سبعة أيام قبل وفاته، بمقال عنونه ب “أمراء قطر ينتشون بإراقة دم السوريين” نشره يوم 23 ديسمبر 2011، بمواقع إعلامية عدّة.
اليوم وقد حلّت الذكرى الرابعة لرحيله، أشعر حقيقة أنّ الرّجل لم يمت، فكأنني به يُتابع عن قرب تفاصيل ما يجري في الجزائر والعالم ككل، وأقول ذلك لأن كلّ ما توقعه المرحوم جمال الدين حبيبي بدأ يرتسم على أرض الواقع، سواء تعلّق الأمر بواقعنا الداخلي في الجزائر أو خارجها، فيكفي أن نستحضر مواقفه من مؤامرة “الربيع العربي”، التي طبّل لها الكثيرون في الجزائر، لنرى بجلاء أن جمال الدين حبيبي، كانت له رؤيا ثاقبة، تستقرئ الحدث وتداعياته قبل حدوثها، فقد كان أول من حذّر الجزائريين من مغبة الإنزلاق إلى هذه المؤامرة، وكان من الأوائل الذين بشّروا بهزيمة المشروع الصهيوأمريكي المتحالف مع الأعراب والعثمانيين الجُدد، وكان البعض ينتقد بشدّة مواقفه، بل وصل الأمر ببعضهم إلى حدّ اتهامه بالدفاع عن “الأنظمة الديكتاتورية”، والدفاع بالأخص عن “النظام الجزائري” الذي كان الراحل جمال الدين حبيبي من أشرس مُنتقديه، ومن الأوائل الذين أعلنوا الطلاق معه، بمُغادرته لمجلس الأمة سنة 2001، عندما كان رئيسا لكتلة الثلث الرئاسي بهذا المجلس، وهو منصب له وزنه وثقله الكبيرين، لكن المرحوم رفض أن يسكت عن الباطل، واستشراء الفساد، وفضّل التحرر من ثقل المسؤولية، ليخرج إلى ساحة المواجهة، لكنه وفي كلّ الظروف، لم يسمح لنفسه بممارسة سياسة التجريح، والمعارضة من أجل المُعارضة وكفى، بل كان همّه الكبير هو تسليط الضوء على مواطن ومكامن الفساد في الجزائر، ولمّا حاول مُهندسو “الربيع العربي” طرق أبواب الجزائر، انتفض بكلّ قوة ضد هذا المشروع التخريبي الخبيث، وصبّ اهتمامه كلية على تحسيس الجزائريين بخطورة ما يُحدق بهم، بل إنه ذهب أبعد من ذلك عند لقائه بالأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني آنذاك السيد عبد العزيز بلخادم، أواخر سنة 2011، حيث طلب منه إيصال رسالة شفوية إلى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، يطلب منه فيها “التعجيل بزيارة تمنراست في الجنوب الجزائري، وملاقاة أعيان ووجهاء التوارق، والإستعداد لمواجهة الخطر الكبير الذي سيأتينا من حدودنا الجنوبية، بما فيها دولة مالي”، واليوم نعيش تفاصيل هذا الخطر الذي يتربص بنا في الجنوب، ولا أظن أن هنالك أحدا يُجادل في هذا الأمر.
وبالرجوع إلى واقعنا السياسي الحالي، أكاد أقتنع بأن ما كتبه المرحوم جمال الدين حبيبي، ينطبق تماما على المستجدات التي طرأت على الساحة السياسية في البلاد، فهو كان يُجهر دائما بأنه ليست هنالك مُعارضة حقيقية في الجزائر، وكان يقول بصراحته المعهودة أنّها مُعارضة تمّت فبركتها في “الصالونات الحمراء”، واليوم نرى كيف أن بعض، إن لم أقل جلّ هذه المُعارضات، أصيبت بالصدمة جرّاء الإصلاحات الكبيرة التي انطلق الرئيس بوتفليقة في تجسيدها، والتي عصفت برؤوس كبيرة للغاية، كانت هي من تُصنّع المسؤولين والمُعارضين والإعلاميين…، وفي هذا المقام، أستحضر ما كان يقوله لي والدي رحمه الله جمال الدين حبيبي، من أنه: “قُوّتي تكمن في كوني عندما أتحرّك أو أُدلي بتصريح ما، لا أنتظر أن يخرج عليّ أي كان، ليقول بأن جمال الدين حبيبي، وراءه الجهة الفُلانية، أو الجنرال الفُولاني..”.
في ذكرى رحيله الرّابعة أقول له، صدقت وربّ الكعبة، فاليوم أصبحنا نرى كيف أن الفريق توفيق مدين رئيس المُخابرات الجزائرية سابقا، بات يتبرّأ من بعض الشخصيات التي تتكلّم باسمه، وبتنا نسمع بأن زعيمة حزب العُمال السيّدة لويزة حنون، قد تحصّلت على مقرّ لحزبها هو ملك للمخابرات الجزائرية، وسمعنا كذلك أن الناشط الحقوقي والرئيس الشرفي للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، الأستاذ علي يحي عبد النور قد صرّح بأن “مجموعة 19 ناقص أربعة” التي طالبت بلقاء الرئيس بوتفليقة أغلبهم من خُدّام الجنرال توفيق.
في خضم كشف العورات والمفاسد، ترتسم بقوة مصداقية جمال الدين حبيبي، الذي رفع راية التحدّي أمام أي كان، لإثبات أنّه إعتلف من خزينة الدولة الجزائرية، هو أو أي من أفراد عائلته، بل بعكس ذلك كله، كان يُصرح جهارا نهارا أن عائلة حبيبي وعلى رأسها القائد الثوري “سي الميلود حبيبي” قد ضحّت بكل أرزاقها وأملاكها في سبيل الجزائر، والحقّ أنني بصفتي إبن المرحوم جمال الدين حبيبي، وحفيد “السي الميلود” لم أسجّل إلى يومنا هذا أنّ هنالك من يُعارض ما صرّح به المرحوم جمال، لكنّني بالمُقابل، أسجّل أن أفراد عائلته لا يزالون ليومنا هذا يعيشون حالة حصار مُطبق، فكلّ أبناء جمال الدين حبيبي وليومنا هذا يعيشون في بطالة، وتحت سقف البيت الوحيد الذي تركه لهم في ضواحي مدينة وهران، لكنّهم برغم كلّ ذلك يُواصلون رسالة الأب والجدّ ، في الدفاع عن الجزائر دُونما انتظار مُقابل عن ذلك.
أمام صدقية رُؤى المرحوم جمال الدين حبيبي، في الداخل بالأخص، والتي كانت ترى بأن هنالك بعض المُندسين في دواليب السُّلطة، ينشطون ويتحرّكون بعكس توجّهات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي كان رفيقا للسلاح لجدّي المرحوم سي الميلود حبيبي، وصديقا لوالدي رحمه الله، وتجمعهم رسالة واحدة هي العمل من أجل الجزائر ولو تطلّب الأمر التضحية بالنفس، أقول أمام كلّ ذلك وأمام صدق تحذيرات المرحوم جمال الدين حبيبي من مَهالك ومصائب “الربيع العربي”، هل حان الوقت لردّ الإعتبار للرجّل الذي ضحّى بنفسه وحتى بمُستقبل عائلته للدفاع عن الجزائر ووطننا العربي والإسلامي؟ هذا السؤال سأظلّ أُردّده إلى أن ألتحق بوالدي وجدي رحمهما الله، اللذين ضحّيا وجعلانا نُؤمن بأنه لا مجال للحديث عن وطن لا نُضحّي من أجله.
زكرياء حبيبي
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (12)