كيفما تكونوا يُولّ عليكم
أحس، أمام الأحداث المتلاحقة التي تعيشها منطقتنا العربية، بأن وضعية العجز المطلق التي نحس بها في حاجة إلى شيء آخر غير الاندفاع المتسرع لإصلاح قد تكون نتائجه أسوأ من الإفساد، أو لمواجهات أخطر من الصمود، فالأمر في تصوري لا يحتاج من مجموع المثقفين إلى الحركة الحماسية، أيا كانت مبرراتها الآنية، بقدر ما…
أحس، أمام الأحداث المتلاحقة التي تعيشها منطقتنا العربية، بأن وضعية العجز المطلق التي نحس بها في حاجة إلى شيء آخر غير الاندفاع المتسرع لإصلاح قد تكون نتائجه أسوأ من الإفساد، أو لمواجهات أخطر من الصمود، فالأمر في تصوري لا يحتاج من مجموع المثقفين إلى الحركة الحماسية، أيا كانت مبرراتها الآنية، بقدر ما يتطلب وقفة هادئة نراجع فيها النفس، ونمارس النقد الذاتي، ونحدد أسبقيات العمللمواجهة هذا الانهيار الذي أصبحنا نعيشه في كل المجالات وعلى كل المستويات.
وكنت، منذ نحو خمس سنوات، توقفت عن قيادة السيارة في شوارع العاصمة الجزائرية بعد أن أحسست بأنني غير قادر على الانسجام مع عشرات بل مئات السائقين الجدد الذين فتحت الطفرة المالية أمامهم فرصة الحصول على سيارة وهم في بداية حياتهم المهنية، وقبل أن يتكون لديهم الوعي بالأخلاقيات التي تتطلبها قيادة السيارة في البلدان المتحضرة، وهكذا أصبح كل من يملك سيارة يعتقد أن الشارع ملك له وحده، وأصبحت النظرات التي يتبادلها السائقون كنظرات يتبادلها ملاكمون في المباريات النهائية، وتزايد عدد قتلى حوادث المرور إلى مستويات جعلت الشارع هيروشيما من نوع جديد .
والواقع أن ما يحدث لا يختلف كثيرا عما يعيشه مجتمعنا نتيجة لتنفيذ واحد من أهم معالم الديموقراطية وهو التعليم الإلزامي، وهو ما يجب أن نعترف به بكل شجاعة، فالذي حدث أن أطفالا التحقوا بالمدرسة في السادسة من العمر بدون أن تتاح لهم فرصة التمتع بجو عائلي نظيف خلال مرحلة الطفولة الأولى، وهي قضية لا علاقة لها بالإمكانيات المالية للأسرة أو لظروفها المعيشية، بل ترتبط أساسا بنوعية الآباء والعلاقة بين الآباء والأمهات،سواء نتيجة لظروف زواج غير متكافئ، أو لتدخلات عائلية مشبوهة، أو لوجود أكثر من حماة في بيت واحد، أو لكل هذا في وقت واحد.
وهكذا يدخل الطفل إلى المدرسة مشحونا بكتلة من المشاعر المضطربة ليصبح بشكل ما أداة للشغب والانحرافات، أو نسيجا بشريا خامدا يجتذب الاعتداءات من الشياطين الصغار، والنتيجة دائما، وخصوصا مع فقدان هيبة المعلم وضعف سلطته، حصيلة علمية بلا تربية،ومرحلة دراسية بدون أخلاقيات، وشهادات بدا وكأن هدفها مجرد التخلص من التلميذ لا حُسْنُ إعداده للمستقبل.
هذا كله نجد نتائجه في شارع الحياة حيث نعيش وضعية عدوانية مرَضيّة من أهم معالمها أنها سريعة العدوى والانتشار، وتتراوح بين عدم احترام الجيران، فنحن عندما نفقد عزيزا نفرض على الجميع مشاركتنا الحزن بأن نضع أضخم مكبرات الصوت أمام مقرئ أجش الصوت مزعج الأداء، ولو استطعنا لطالبنا السماء أيضا أن تبكى معنا الفقيد، ونفس الشيئ في الأفراح حيث نتصور أن على جميع من في الحي أن يطربوا لصوت مغن معين حتى ساعة مبكرة من صباح اليوم التالي، وعلى الجيران أن يتحملواالتلوث الصوتي، لا فرق بين مريض أو رضيع أو مصاب بالصداع أو من فارق عزيزا منذ أيام أو ساعات.
وتتواصل التصرفات المعبرة عن سوء الأخلاق وعدم التربية، ومنها رمْيُ المخلفات الغذائية من نوافد المنزل أو السيارة أو التمخط والبصق على الأرض، وتحطيم زجاج النوافذ بضربات كرة لأطفال يرمي بهم أهلوهم إلى الشوارع، والدين يمارسون تجريح السيارات المتوقفة بالمسامير ليتفادى أصحابها من وضعها في نفس الشارع مرة أخرى.
يضاف إلى ذلك تعطيل طلبات المواطنين في الإدارات بحجة أداء الصلاة في وقتها، ولا حديث عن الرشوة والنميمة والتنابذ بالألقاب، وهو ما يذكرني بنكتة رويت عن إمام مسجد راح يعاير المصلين قائلا: أنتم تشربون الخمر وتلعبون الميسر وتسرقون وتزنون وتقتلون وتتصورون أنكم ، بعدة ركعات سوف تمحون كل ذلك، ياخييلعن د(..) كذا وكذا (إشارة إلى الآباء والأجداد)
والمهم هنا هو أن هؤلاء القوم أو أمثالهم أصبحنا نجدهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصا في التعليقات التي تنشرها حول ما تقدمه للقارئ من أحاديث ومقالات وحوارات، وهي تعليقات سمجة غالبا توقع بأسماء مستعارة أو كلمات رمزية، وتتأرجح بين استعراض مواهب أدبية متهالكة أو معلومات تاريخية مشكوك فيها، وبين شوفينيات زرعتها في العديد من دولنا مصالح مخابراتية مهمتها أن تؤكد لمواطنيها أن العالم كله “أولاد كلب”، إلا نحن ومن تبعنا، لأنها ترى في ذلك الوسيلة الرئيسية لدعم نظام الحكم.
وربما كان هناك من هم أكثر ذكاء في دفاعهم عما يرونه ويؤمنون به ولا يؤجرون عليه، ومن بينهممن يُخطّئ رفض العرب لقرار الأمم المتحدة رقم 181 القاضي بتقسيم فلسطين ورقم 194 الذي ينصّ على حق عودة اللاجئين، ويورد حكم “إدوارد سعيد” بأن الرفض كان عقيما.
والواقع أن الرفض العربي لقرار التقسيم كان أمرا طبيعيا وسليما، فمن الذي يقبل أن يقتحم غريب داره ليستقر بها ويطرد أهلها، ومن هنا فإن تخطِئة الرفض جزء من المنطق الذي يحاول فرضه من يُدعون بالليبيراليين الجدد، في إطار عملية جلد الذات التي ألفناها منذ هزيمة 1967، وبعضهم يستند، بشكل ملتوٍ، إلى طرح الرئيس التونسي الحبيب بو رقيبة في خطابه المشهور بأريحا في منتصف الستينيات، والذي كان من أسبابه الحقيقية تزايد الهتافات بحياة الرئيس المصري جمال عبد الناصر مما أزعج المجاهد الأكبر الذي كان لا يحمل ودّا كبيرا للرئيس المصري، رحم الله الجميع.
والمنطق السليم في الحكم على الأحداث يُبْرز أمرين، أولهما أن الخطأ الحقيقي الذي كان يجب أن يُشير له ذلك الكاتب هو دخول القوات العربية المسلحة إلى الأرض الفلسطينية في 1948 بحجة إنقاذ أهلها، حيث كان الواجب دعم كفاح الشعب الفلسطيني بالمتطوعين والسلاح، وهو ما طالب به كل الوطنيين الفلسطينيين وغير الفلسطينيين.
ويرتبط هذا بخطأ آخر، أراه خطيئة، وهو عدم إعلان قيام الدولة الفلسطينية يوم 15 مايو 1948 بعد انتهاء الانتداب البريطاني بصفة متعمدة، وعدم الاعتراف بالدولة فورا من قبل الدول العربية والإسلامية، وبدلا من ذلك جرى ضمُّ ما أصبح يُسمّى الضفة الغربية إلى شرق الأردن لإقامة المملكة الأردنية، ووضعُ قطاع غزة تحت الإدارة العسكرية المصرية،وتكوين ما أطلق عليه حكومة عموم فلسطين، التي كانت تسمى، تهكما، حكومة عموم غزة، وهكذا تم عمليا تحقيق الهدف الإسرائيلي الرئيسي وهو إلغاء دولة فلسطين.
وهنا نجد نوعا آخر من الشوفينية التي تتصور أن الناس فقدت ذاكرتها، وهكذا نقر أ لمن يقول بأننا (هم) “كنا براغماتيين لانبيع الوهم ولا نشتري القرد ثم نضحك عليه، ونظامنا لم يتاجر بفلسطين من أجل السلطة أو من أجل الزعامة كما فعل البعض، بل حاول التقريب بين الفلسطينيين والإسرائيليين بما يخدم مصلحة الطرفين” (ولا يقال لنا كيف ومتى)
وتتواصل التعبيرات من نفس النوع فتقول “هنا لا بد أن نستحضر لاءات الخرطوم ونتائجها الكارثية التي لازال إخواننا الفلسطينيون يعانون من آثارها لوحدهم، والسؤال الذي يحب يطرحه منتجو الثرثرة هو : كيف سيكون عليه وضع الفلسطينيين الآن لو أخدوا بنصائح بورقيبة والحسن الثاني وقبلوا بحدود 67 حين كانت الظروف مواتية ؟ هذا هو السؤال الذي لا تستطيع شعوب الدول المسماة عبثا ” ممانعة ” الإجابة عليه، أما التعليقات الممزوجة بالثرثرة فلا تفيد النقاش”.انتهى.
وأنا لا أذكر أن أيا من القائدين العربيين نصح بقبول حدود 1967 التي ارتبطت بالقرار 242 لمجلس الأمن، بعد أن ضمن، بحكم ارتباطاته ونفوذه الدولي، بقبول إسرائيل نفسها لتلك الحدود، وهكذا نجد أن هناك من يقوم بليّ الحقائق لمجرد الإساءة لمن يسميهم دول “الممانعة” بهدف تبرير التواطؤ الذي عشناه طويلا، وكانت خلفيته عقيدة غريبة مضمونها إقامة التعايش بين العبقرية الإسرائيلية والمال العربي، ثم يدعي بعضهم أن هذا للتقريب بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
وهكذا يقدم المقاومون العرب الحقيقيون، وقبل أن يبرز أشباه المقاومين، كأنهم هم المتعنتون أما إسرائيل فكانت مستعدة للتسليم بقرار الأمم المتحدة في نوفمبر 1947، وبقبول العودة إلى الحدود التي رسمها التقسيم.
ويريد لنا القوم أن ننسى ما جرى، إعدادا لمؤتمر “باندونغ”، عندما قدّم جمال عبد الناصر في منتصف الخمسينيات، لكل من نهرو (الهند) وشو إين لاي (الصين) وأونو (بورما، والمتحمس لمشاركة إسرائيل في المؤتمر) اقتراحا بأن تعترف الدول العربية بالتقسيم وبما نتج عنه، بشرط أن يتزامن ذلك مع اعتراف إسرائيلي بذلك، ورفضت إسرائيل العرض، ثم جرى التعتيم الدولي على العملية كلها لمحو آثار المؤتمر الإفريقي الآسيوي الأول وإبراز العرب دائما بمظهر المُتعنت.
ويريد لنا القوم أن ننسى مندبروا عملية زيارة القدس وتواطؤوا معها ومع ما تلاها من اتفاقيات فككت الصف العربي، في الوقت الذي كانت إسرائيل تعرف كل ما يدور في مؤتمرات القمة العربية في قصور ملكية كانت كلها مزودة إسرائيلية.
ويريد لنا القوم أن ننسى أن المأساة الحالية التي يعيشها الوطن العربي، من العراق إلى الصومال، بدأت مع نزعات التوسع الإقليمي التي نادت بحقوق تاريخية في أراضٍ أصبحت، بحكم القانون الدولي، تابعة لدولة أخرى.
ويريد لنا القوم أن ننسى من حرّض ومن موّل ومن دعّم.
والنسيان هو أول وأخطر سلاح في يد العدوّ.
ومرة أخرى، نحن جميعا في حاجة إلى وقفة مع الذات، نواجه بها أنفسنا في منأى عن البشر كلهم، وهو أمريجب أن يبدأ من المواطن لأنه سوف ينتهي إليه.
وسهل جدا أن نتهم الحكام، ولكننا نتناسى كلمات خالدة تقول: كيفما تكونوا يُولّ عليكم.
دكتور محيي الدين عميمور
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (10)