هل كان مصير الحسين آيت أحمد ما بين قَتْلِ عبَّان رمضان واغتيال محمد بوضياف ؟
مقدمة لا بد منها : رحم الله الدا الحسين آيت أحمد الرمز ، رحم الله الدا الحسين الوجه المضيئ في الثورة الجزائرية ، الوجه الذي كان – رحمه الله – نقيض الوجه الأسود الشرير من بعض قادة الثورة الجزائرية ... وهي حقيقة مُرَّة أثبتها التاريخ الحقيقي غير المزور ... من الأكيد أن الحسين آيت أحمد كان على قائمة…
مقدمة لا بد منها :
رحم الله الدا الحسين آيت أحمد الرمز ، رحم الله الدا الحسين الوجه المضيئ في الثورة الجزائرية ، الوجه الذي كان – رحمه الله – نقيض الوجه الأسود الشرير من بعض قادة الثورة الجزائرية ... وهي حقيقة مُرَّة أثبتها التاريخ الحقيقي غير المزور ... من الأكيد أن الحسين آيت أحمد كان على قائمة الذين يجب تصفيتهم جسديا من طرف أشرار حكام الجزائر الذين سرقوا الثورة وأوصلوا البلاد والعباد للدمار ..
لست أدري من القائل : " الثورات يدبرها الدهاة وينفذها الشجعان ويستفيد منها الجبناء " .... وبالمناسبة هل يعرف الشعبُ الجزائري عددَ قادة الثورة الذين قُتِلُوا قبل الاستقلال وبعده على يد عناصر محسوبة على الثورة الجزائرية ؟ قُتِلُوا غدراً وغيلةً ... وهل يعلمون كيف تم اغتيالهم أو إعدامهم ؟ إن حفدة فرنسا الذين يَتَحَكَّمُون اليوم في الجزائر هم أكبر المجرمين في التاريخ البشري وأكبر المزورين للتاريخ الجزائري عامة ، نحن نسمع عن ثورة المليون ونصف شهيد لكن هؤلاء الشهداء كانوا من بسطاء الشعب الجزائري فقط ، والسؤال هو : كم عدد قادة الثورة الذين تمت تصفيتهم جسديا من طرف الذين سَطَوْا على الثورة وسرقوها واعتبروا أنفسهم أوصياء عليها وحدهم ، أو أنهم هم الذين يملكون وحدهم الرسم العقاري والصك التجاري للثورة الجزائرية ؟ تبين فيما بعد أنهم مجرد لصوص سرقوا الثورة بعد أن قتلوا القادة الشرفاء قبيل الاستقلال وبعده ؟ قتلوا شرفاء الثورة لينهبوا خيرات الشعب الجزائري ، والدليل ونحن في 2016 ضياع آلاف الآلاف من ملايير الدولارات طيلة 53 سنة من حكمهم ( منها 800 مليار دولار في ثلاث عهدات بوتفليقة فقط وباعترافهم !!!) حتى تبقى الجزائر أرضا خرابا يبابا عمرانيا وفكريا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا ....الخ الخ .. هل في الجزائر اليوم نخبة سياسية بذكاء المرحوم آيت أحمد وعميروش وبن بولعيد وعبان رمضان و محمد شعباني وبوضياف وغيرهم ؟ ، إن أشرار حكام الجزائر لو لم يتخلصوا من شرفاء الثورة وأذكيائها لم ولن يحققوا هدفهم وهو خراب الجزائر وتدميرها الذي أصبح فضيحة عالمية وأصبحنا نحن فيها أضحوكة للشعوب ، لأننا نعيش ( فقاقير) في بلد غني جدا ، فما أتعسنا !!!!...
أولا : هل أدرك المرحوم الحسين آيت أحمد مبكرا من يَتَحَكَّمُ في مصير الجزائر ؟
تناقلت كثير من الصحف والقنوات أن المرحوم الحسين آيت أحمد لم يستطع حضور جنازة والدته التي توفيت رحمها الله يوم20 سبتمبر 1983 خوفا من الاعتقال وربما الاغتيال ، وها هو بعد وفاته رحمه يدفن بجوارها بقرية آث يحيى حسب وصيته قبل موته ، لم يستطع حضور جنازة والدته حيا وها هو يفرض نفسه على حكام الجزائر أن يشاهدوا جثمانه محمولا على أكتاف أشراف الشعب الجزائري ونبلائه وهم يشيعونه إلى متواه الأخير بجوار أمه بقرية آث يحيى وتحت أنظار أشرار حكام الجزائر المبهورين بذلك الحشد الهائل الذي قدم لتشييعه حتى أنه لم يبق خرم إبرة لمن أراد الاقتراب من نعشه ... توفي دا الحسين آيت أحمد في عِزِّ العز وقمة الكرامة وعلى فراشه وبين أهله وخلانه ..... لكن في الغربة .
لم يختر الدا الحسين آيت أحمد المنفى اعتباطيا ، لكنه أدرك في وقت مبكر أن بعض قادة الثورة شكَّلوا عصابة من القتلة المجرمين يعملون على تصفية شرفاء الثوار تمهيدا للسطو على الثورة الجزائرية وعلى ثرواتها بعد الاستقلال ... فمن قتل سي حواس وعميروش ومصطفى بن بولعيد والنقيب الزبير وحبيبي ميلود ومحمد الصغير بلبقرة ؟ ومن أعدم محمد شعباني ؟ ومن اغتال عبان رمضان وكريم بلقاسم ؟ ومن أتى بعريس الشهداء من منفاه ليتغالوه غدرا وأمام كاميرات العالم الرئيس الشهيد محمد بوضياف ؟ ولماذا لم يحاكم القتلة المجرمون وهم معروفون ولايزال بعضهم بيننا حيا يرزق ؟
لقد تأكد الدا الحسين – رحمه الله - مبكرا أن الجزائر ماضية إلى هاوية الدكتاتورية والفاشستية العسكرية والنظام البوليسي المقيت فاختار المنفى بعيدا عن أديم الوطن الغالي وفي نفسه حرقة على وطنه الذي سقط بين مخالب الذئاب التي تتصيد الفرائس من أعدائها وقد كان من الممكن أن يكون الدا الحسين أحدها ، لكن الله حفظفه .
ثانيا : من حَرَّفَ مسار الثورة الجزائرية نحو الدكتاتورية العسكرية ؟:
أصبح معروفا أن الجناح العسكري الذي انقلب على الحكومة المؤقتة برئاسة فرحات عباس أو يوسف بن خدة ( الله أعلم ) ، هذا الجناح العسكري هو الذي أمسك السلطة بيد من حديد وخطط لتصفية كل من فيه رائحة الميول لبناء الجزائر دولة مدنية تعددية ديمقراطية بعد الاستقلال ، وقد كان البيان رقم واحد الذي أصدره الكابران شاف بوخروبة المدعو بومدين بتاريخ 15 جويلية 1961 ، كان هذا البيان أول إعلان رسمي على تحريف مسار الثورة الجزائرية من ثورة الشعب الذي يريد أن يحكم نفسه بنفسه عن طريق التعددية والديمقراطية إلى حكم دكتاتوري فاشستي شمولي ينهل من نموذجه المقدس ألا وهو الحكم البوليسي لألمانيا الشرقية وجهازها الجبار المسمى " شتازي" ، وفعلا تم للصوص ذلك فأنشأوا – بعد الاستقلال - نظاما شموليا يعتمد على إحصاء أنفاس الشعب واغتيال المعارضين ، فتبين فيما بعد أنه نظام خادع يُوهِمُ الناس بالتقدم وهو يغرق البلاد في التخلف شيئا فشيئا ...لقد حرَّفوا مسار الثورة وها هو الشعب الجزائري اليوم ( 2016) يؤدي ثمن هذا التحريف .
ثالثا : هل كان مصير آيت أحمد سيكون مثل مصير عبان رمضان أومصير محمد بوضياف ؟:
لقد كان آيت أحمد رحمه الله ذكيا ثاقب النظر ، كان فاقدا للثقة فيمن حرفوا مسار الثورة الجزائرية حيث تنبأ بمصيره لو وَثِقَ بمن أمسكوا بخناق الشعب الجزائري ويرفضون الديمقراطية ويتربصون بمن يعاكسهم ، وكان رحمه الله يعلم جيدا أن كثيرا من قادة الثورة النبلاء قد تمت تصفيتهم غدرا ( النماذج المذكورة سابقا ) وتم تزوير تاريخهم مثل ما قيل عن اختفاء عبان رمضان في مهمة كبيرة وسرية في المغرب والحقيقة أنهم أجهزوا عليه وخنقوه في إحدى الفيلات المملوكة لجبهة التحرير بمدينة تطوان المغربية ، إن من يقرأ خبر وطريقة تصفية عبان رمضان على لسان أحمد بومنجل الذي سمعها مباشرة من كريم بلقاسم الذي كان مشاركا في الجريمة ، إن من يتعرف على جرائم هذه الوحوش يقشعر بدنه ولايستغرب أن يقتلوا شعبا بكامله حتى ولو بلغ عدده 100 مليون جزائري لأنهم مجرمون بالفطرة مزورون للتاريخ ( بالمناسبة : لقد تم اغتيال كريم بلقاسم نفسه في ألمانيا عام 1970 بأمر من بومدين وذلك حسب ما جاء في شهادة الطالب الإبراهيمي ) ...
لايمكن أن نمر على هذه الأحداث دون أن نذكر اغتيال المرحوم محمد بوضياف بعد أن انقلبوا على الشرعية الديمقراطية الشعبية في نهاية عام 1991 حيث استقدموه من منفاه في المغرب ولم يدم حكمه سوى 5 أشهر ونصف ( 16 يناير 1992 – 29 يونيو 1992 ) فاغتالوه في واضحة النهار وعلى مرأى أعين العالم بأسره ، قتلوه بكل شغف وتشفي ، اغتالوه بروح عالية جدا في الانتقام من رجل نظيف فَـرَّ من شرهم ذات يوم إلى المغرب ، لكنهم استقدموه بحجة إنقاذ الجزائر ولم يكن ليتخلف عن ذلك أبدا ، لكنهم قتلوه بدم بارد ... وهم لا يعرفون أنه حمل معه نظافته ليلقى بها ربه شهيدا في جنة الخلد إن شاء الله ... ليس هناك أي تبرير لهذا الاغتيال البشع سوى روح الشر السوداء التي تسكن أعماق أعماق زبانية الحكم المجرمين القتلة في الجزائر...
رابعا : ضجة العرض المقدم للحسين آيت أحمد بتولي رئاسة الجمهورية :
كان الدا الحسين آيت أحمد رحمه الله متأكدا من انقسام قادة الثورة إلى قسمين منذ البيان الأول للجناح العسكري للثورة الجزائرية بقيادة الكابران بوخروبة المدعو بومدين يوم 15 جويلية 1961 الذي تأسس على إثره فريق القتلة المتخصص في التصفية الجسدية لكل من حاول الوقوف أمام تحريف مسار الثورة نحو تأسيس الدولة البوليسية الفاشستية الشمولية ، وقد كان المرحوم آيت أحمد يعرف عمق هذا الانحراف ويعرف جيدا كل الخطوات المؤدية لتنفيذه وعلى رأسها اغتيال الديمقراطيين لأن أفكارهم هي الخطر الحقيقي لإفشال مخططهم الإجرامي ، واليوم وبعد وفاة المغفور له الحسين آيت أحمد ثارت نعرة المجرمين الحاكمين في الجزائر حينما تمت الإشارة ولو من بعيد إلى أن السفاح خالد نزار كان قد عرض رئاسة الجمهورية على الدا الحسين آيت أحمد ، انتشر الخبر بسرعة (محاولة الجنرال خالد نزار استقدام آيت أحمد عام 93 لتصفيته حيث التقى به في سويسرا مرتين الأولى في يونيو والثانية في شتنبر 93 لكن آيت أحمد عرف أن مصيره سيكون مثل مصير بوضياف ) ...طبعا سارع المجرم ( خالد جزار ) إلى إنكار الخبر ، لكنه لم ينكر اللقاءات التي كانت له مع آيت أحمد ومع ذلك - سواء قبل بوضياف أو بعده - اعترف خالد نزار في رسالة له نشرها مؤخرا أي بعد وفاة آيت أحمد حاول فيها إنكار عرضه الرئاسة على آيت أحمد ، واعترف بعظمة لسانه أن آيت أحمد كان مرتابا منه... يقول خالد نزار في هذه الرسالة عن لقائه بآيت أحمد : " اللقاء الثاني تمّ فور الإعلان عن وقف المسار الانتخابي. عُقد في “دار العافية” ومرّة أخرى بناءً على طلب منّي. كنت أعرف مدى ارتيابه ، فآثرت أن استقبله بنفسي عند المدخل. وفي طوافنا حول الساحة، فتحنا النقاش. وحينها بدا أقلّ توترا، وراح ينصح بالرجوع إلى الانتخابات، قائلا لي باللغة الفرنسية: «Ce qui est fait est fait !»، أي “لا يمكن الرجوع إلى الوراء”..... ( انتهى كلام خالد نزار )..
الشاهد عندنا أن الحسين آيت أحمد لم يكن يثق في عصابة المجرمين القتلة الحاكمين في الجزائر باعتراف خالد نزار بذلك حينما قال في رسالته ( كنت أعرف مدى ارتيابه ) حتى ولو جاء هذا الاعتراف بعد وفاة آيت أحمد مما يدل على أن المرحوم كان يعرف جيدا أن مصيره سيكون إما كمصير عبان رمضان ( أي الخنق ) ثم ينشرون خبر اختفائه على أنه ذهب مثلا في مهمة سياسية إلى باريس ... أو سيكون مصيره كمصير الشهيد محمد بوضياف الذي اغتالوه على مرأى ومسمع ملايين المشاهدين في العالم ، وقيل بعدها أن القاتل من حراسه المجانين !!! كذلك هم يكذبون كما يتنفسون لأن نظامهم بل وجودهم مبني على الكذب والتحريف والبهتان والتزوير والتخاريف التي تنشرها أجهزة البروباغاندا التي يصرفون عليها من أموال الشعب لتضبيع الشعب ..
... ونحن في 2016 نجد مخطط هؤلاء المجرمين قد نجح في تخريب البلاد والعباد ، وأخطر ما نجحوا فيه هو نشر الجهل والقحط الفكري والسياسي ، واليوم فحتى لو أرادت الجزائر دولة وشعبا أن تنبعث من خرابها فأين هي الطبقة السياسية التي ستقود الجزائر إلى بر الأمان ؟ ليس هناك سوى أنصاف السياسيين والمثقفين وأرباعهم من أساتذة الجامعات البومرداسية الذين تَصْطَكُّ ركبهم خوفا ورعبا من أبناء وحفدة الجنرال خالد نزار الذين هم في الأصل أبناء وحفدة فرنسا الذين يطاردونهم حتى في منامهم ، وإذا استثنينا جبهة الإنقاذ الإسلامية وجبهة القوى الديمقراطية المكسورة الأجنحة ليست هناك معارضة سياسية حقيقية لأنها ستكون كالمرآة التي ترى فيها الدولة عيوبها ، في الجزائر حكم بوليسي كما كان يردد المرحوم الحسين آيت أحمد ، نظام أغلق على الشعب كل المنافذ العلمية والثقافية والسياسية ووضعه تحت المجهر يتتبع حركاته وسكناته ، وويل لمن يتحرك من أجل التطور .
عود على بدء :
قال تعالى : " إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ { لقمان 34 )... لقد حُكِمَ على المرحوم الحسين آيت أحمد بالإعدام عام 1964 من طرف رفاقه في الكفاح ، وقيل إنه قد تم تغيير حكم الإعدام إلى سجن ، لكن الدا الحسين فر من سجن الحراش ومن الجزائر عام 1966 واختار سويسرا منفى له ، ومع ذلك لم يكن تأثيره على السياسة الداخلية في الجزائر غائبا لأنه ظل من دعاة التعددية والديموقراطية وفي نفس الوقت لم يغب قط عن أعين الأشرار من حكام الجزائر الاستئصاليين الذين وضعوه في لائحة المحكوم عليهم بمصير كمصير عبان رمضان أو محمد بوضياف ، لكن الله قضى أمرا ولا راد لقضائه وهو أن يموت بين أهله وخلانه وعلى فراشه بعد أن عاش مهموما بمصير وطنه الذي سقط بين مخالب الذئاب ، عاش رحمه الله 90 سنة رغم دسائس ومناورات ذئاب الشر الحاكمة في الجزائر ...
سمير كرم خاص للجزائر تايمز
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (8)