هل صحيح أن الرئيس بوتفليقة لم يكن يعلم بتفاصيل الهجوم على إن أميناس ؟
أكد مراقبون للشأن الجزائري إن قرار الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة بحلّ جهاز الاستخبارات العسكرية الذي يبدو في ظاهره مرتبطا بالانتقادات الدولية للجزائر بسبب الطريقة التي أدارت بها أزمة الرهائن في موقع "عين أميناس" للتنقيب عن الغاز جنوب البلد، له أسباب أعمق من ذلك بكثير، وهي في اساسها اسباب سياسية داخلية…
أكد مراقبون للشأن الجزائري إن قرار الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة بحلّ جهاز الاستخبارات العسكرية الذي يبدو في ظاهره مرتبطا بالانتقادات الدولية للجزائر بسبب الطريقة التي أدارت بها أزمة الرهائن في موقع "عين أميناس" للتنقيب عن الغاز جنوب البلد، له أسباب أعمق من ذلك بكثير، وهي في اساسها اسباب سياسية داخلية تتعلق بـ"توريث" الرئاسة بعيدا عن اعتراضات "العادة" من جنرالات الرفض لبوتفليقة ولرئيس يأتي من بعده بتدبير منه.
ويتساءل هؤلاء إذا كان بوتفليقة غاضبا حقا من أخطاء قوات "الجيش الشعبي" خلال أحداث هذه المأساة المروعة، فلماذا انتظر كلّ هذه المدة لاتخاذ هذا القرار الذي يعد أحد أخطر القرارات إن لم يكن أخطرها، التي اتخذها منذ وصوله إلى الرئاسة منذ أكثر من 15 سنة؟ ثم لماذا لم يهدف القرار إلى تصحيح أوضاع الجهاز بدلا من حله تماما؟ وهل النظام الجزائري بوارد حقا أن ينتقم لهؤلاء الأبرياء عبر تدمير وضرب أحد اقوى الأجهزة الأمنية التي حافظت على تماسك النظام في ذروة الحرب المميتة على الإرهاب التي واجهها خلال العشرية الأخيرة من القرن العشرين؟
وكان مصادر جزائرية قد كشفت عن أن الرئيس الجزائري اعتبر أن الإخفاقات الأمنية الأساسية في منع الهجوم المروع الذي أدى إلى سقوط أرواح بريئة في موقع عين أميناس الذي سيطر عليه إرهابيون من "القاعدة" في العام 2013، كانت من جهاز الاستخبارات العسكرية وأنه يتحمل المسؤولية الأولى.
ووصل عدد الضحايا في الهجوم الذي وقع في يناير/كانون الثاني 2013 في عين أميناس إلى 37 شخصا معظمهم من العمال الغربيين اليابانيين والبريطانيين العاملين في الموقع.
وأقدم بوتفليقة قبل أيّام قليلة على خطوة في غاية الأهمية على صعيد الجزائر ككل تمثلت في حل جهاز الاستخبارات العسكرية المرتبط بوزارة الدفاع وقيام مديرية للمصالح الأمنية تابعة لرئاسة الجمهورية تحلّ مكان الجهاز الذي كان يصنع رؤساء الجزائر ويعيّن كبار المسؤولين فيها. وهذا يعني أنّه للمرّة الأولى منذ استقلال الجزائر في العام 1962، لم يعد جهاز الاستخبارات العسكرية يتحكّم في السلطة السياسية، بل صار تابعا لها.
ووضع بوتفليقة اللواء عثمان طرطاق على رأس المديرية الجديدة التي صارت في الواقع مجرّد مديرية من المديريات التي تدار من طرف رئاسة الجمهورية.
وكان رئيس الجهاز طوال ما يزيد على عشرين عاما الجنرال محمد مدين المعروف تحت اسم "توفيق" الذي حرص على إدارة شؤون الجزائر وصنع الرؤساء من مكتبه.
وتزامن قرار حلّ الاستخبارات العسكرية الجزائرية مع كشف وسائل إعلام يابانية أن ضحايا غربيين لهجمات استهدفت تحرير هؤلاء في موقع عين أميناس للتنقيب عن الغاز جنوب الجزائر قتلوا بنيران الجيش الجزائري الذي قتل الرهائن والإرهابيين معا.
وقالت صحيفة "نيكاي غينداي" اليابانية في تقرير لها إن "حقيقة عين أميناس الصادمة هي أن مقتل الرهائن سويا مع الإرهابيين كان بسبب الهجمات العشوائية للقوات الجزائرية".
وأكدت الصحيفة واسعة الانتشار في اليابان أن لديها تسجيلا صوتيا يتضمن حوارات دارت بين إرهابيين وبين ضباط وجنود في الجيش الجزائري تثبت قتل الرهائن بواسطة نيران الجيش..
ويقول محللون إن هجوم عين أميناس يمكن أن يكون "القشة التي قصمت ظهر البعير"، لكنه ليس السبب الوحيد والأهم الذي دفع الرئيس الجزائري إلى إطلاق رصاصة الرحمة على "الجهاز القوي" في ضربة موجهة أساسا ضد نفوذ كبار الجنرالات من صانعي القرار السياسي في البلاد باعتبارهم كانوا منذ استقلال الجزائر أصحاب القول الفصل في اسم الرئيس الذي يحكم البلاد.
وأفاد تقرير نشرته نهاية الاسبوع الماضي مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية بأن "الجيش مايزال يتصدر المشهد السياسي في الجزائر".
ويقول مراقبون إن حلّ جهاز الاستخبارات يبقى شكليا ولن يؤثر على دور الجيش الجزائري في الحياة السياسية.
ويضيف المراقبون إن هذه الضربات القوية التي وجهت لجهاز المخابرات كان هدفها الاساسي بالنسبة لبوتفليقة وعائلته والقوى الاقتصادية والسياسة المتنفذة المقربة منهما، إزاحة الجنرالات الأقوياء المعارضين لفكرة توريث الرئاسة لآل بوتفليقة أو من والاهم.
ويقول محللون إن إقصاء عتاة الجنرالات في الجيش الجزائري من مراكز القرار لا يعني إبعاد المؤسسة العسكرية عن الحكم، ولكن هذا الإقصاء هو مجرد تغيير لعبة الولاءات والإتيان بقيادة مرضي عنها ومختارة بعناية، ولا تعارض قرارات بوتفليقية "الإنقلابية" داخل الجيش وتقبل بشروط "اللعبة السياسية" في مرحلة ما بعد رئيس الدولة الحالي، وهي مرحلة تقرر فيها الحفاظ على الرئاسة بأيدي المقربين من بوتفليقة.
وبالتالي فإن مهمة الجيش الجزائري في المستقبل هي دعم الشخص الذي سيرث بوتفليقة في منصبه القوي. ومن ثمة لم تكن التحويرات المزمعة على الدستور إلا عنصرا من عناصر تأمين سلاسة مخطط "التوريث" لا اكثر ولا أقلّ، كما يقول المحللون.
وتوقع التقرير الذي أعدته وحدة "الاستعلامات" التابعة للصحيفة البريطانية "بقاء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وحلفائه في السلطة، طوال فترة حكمه الحالية (2014- 2019)، وذلك على الرغم من حالة عدم اليقين بشأن صحته (بوتفليقة) التي ستؤثر على الاستقرار السياسي، نظرا لخطر الهجمات الإرهابية الذي لا يزال مرتفعا، لكن مع توقع الحفاظ على الاستقرار" في الجزائر بشكل عام.
ورفعت عائلات ضحايا بريطانيين دعوى أمام المحكمة العليا في لندن ضد شركة "بريتش بتروليوم"، متهمين إياها بـ"عدم اتخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة لحماية موظفيها" في حقل عين أميناس للغاز.
وفتحت النيابة العامة في باريس تحقيقا جنائيا ضد السلطات الجزائرية بتهمة "القتل غير العمد" في القضية.
ويقول مراقبون إن هم بوتفليقة وجماعته الأساسي هو في كيفية ضمان انتقال سلس للسلطة يحافظ على مكاسبهم، وهذا هو السبب الرئيسي الذي دفعهم للتخلص من جهاز الاستخبارات وجنرالاته الرافضين لبقاء بوتفليقة في السلطة أو لنقلها إلى ورثته، وليس إنصافا لضحايا "عين أميناس" إذ لا شك في أن تفاصيل مثل هذا الهجوم لـ"تحرير الرهائن" لم تكن لتخف عليه طيلة أكثر من سنتين، بل إن الأمر بمثل هذا الهجوم وتفاصيله واحتمالات الخطر على الرهائن فيه، قد يكون صدر عن بوتفليقة نفسه بوصفه وزير الدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجزائرية.
بلقاسم الشايب للجزائر تايمز
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (7)