لماذا لم يطالب بوتفليقة فرنسا أن تعتذر عن ماضيها الاستعماري و ويلات الفرنسيين طيلة قرن و ثلاثين سنة
لماذا لم يطالب بوتفليقة فرنسا أن تعتذر عن ماضيها الاستعماري و ويلات الفرنسيين طيلة قرن و ثلاثين سنة
في لقاء خاص عقدته جريدة / تلفزيون “الشروق اليومي” الجزائريّة قال رئيس الوزراء ووزير الخارجية السابق والمرشح الأبرز للرئاسيات السيد آلان جوبيهْ :” الاعتذار عن جرائم فرنسا في الجزائر سيقودنا إلى طريق مسدود” . ونوّه أوبالأحرى ذكّر بأن فرنسا ” اعترفت ” حقاً بجرائمها الاستعمارية في الجزائر، وهوالواجب الذي لم تتملّص منه في سياق إبداء النيّات الحسنة من أجل دفع العلاقات بين الدولتين .
وللحقّ ، آلان جوبيه الذي يحل ضيفاً على الجزائر هذه الأيام ، ليس رجلاً عادياً أوسياسياً هامشياً حتى يتم تمرير حديثه هكذا دون توقّف أورويّة ، فالرجل يُعرف بـ “اعتداله” قياساً بغيره ، ممّن يتكلمون باسم الجمهورية الفرنسيّة ، وله باع طويل في السياسة ينطوي على معرفة وثيقة بما ستؤول إليه ظروف العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدولتين .
في لقائه الأخير مع “الشروق نيوز″ قفز آلان جوبيه بشكل موفّق من ملف إلى آخر ، وأبدى تعاطفه الكبير مع ما حدث للجزائر إبّان العشرية السوداء التي خلفت 200 ألف قتيل ، دون احتساب المفقودين والخسائر الاقتصادية وتراجع مكانة الجزائر دولياً .. وأعتبر أن الاعتراف بالجرائم والاحتلال يندرج ضمن الواجب ، لكن أجهض القيمة المترتبة عن استئناف الاعتراف بالاعتذار ، وأعتبره لا يخدم الظرف المساعد على دفع العلاقات وتقويتها وتزكيّة التعاون بين البلدين ، الجارين جغرافياً ، والحاملين لإرث تاريخي قريب ، سادهُ اضطراب بعديّ على خلفيّة الاعتراف والاعتذار عن الماضي الاستعماري .
في استطلاع أجراه معهد أودوكسا ونشرته وسائل إعلام فرنسيّة ، أظهر أن 56% من الفرنسيين يرغبون في أن يترشح رئيس الوزراء السابق آلان جوبيه إلى الانتخابات الرئاسيّة المزمع إجراؤها في 2017 .
وبحثاً عمّا يُعرف في الرياضيات البحثية بـ ” البرهان بالعكس النقيض” وفي تقرير نشره موقع قناة فرانس 24 بتاريخ 2 من جانفي/ يناير المنصرم ، نجد أن نتائج الاستطلاع الذي نشرته صحيفتا ” لوباريزيان ” و” أوجوردوي آن فرانس″ يظهر أن 76 % من الفرنسيين لا يريدون أن يترشح زعيم حزب اليسار جان لوك ميلانشون ..
تتضح بشكل لا يدعوإلى إعمال أكثر من حاسة ، بأن المرشح الأبرز للجلوس على مقعد الإليزيه ، يلعب على نتائج الاستطلاعات الأخيرة بشكل يوحي ؛ بأنه يُعاقب المرجعيّات التي أدت إلى تقهقرها الشعبي في الاستطلاع المذكور أعلاه ، لاسيما اليسار بشكل خاص ، ذلك أن الابتعاد عن الاعتذار بحسبانه رديفاً منطقيّاً للاعتراف ، ومساوقاً لما ينبري عنه من طيّ الصفحة التاريخيّة ، والاكتفاء بالنظر إليها ليس لكونها محطة مزامنة لتطور الجمهورية الفرنسيّة ، بقدر ما هي طقس استعماري / كولونيالي متاخم لزمن ما يُعرف بـ” الاستعمار التقليدي” مستقلاً بنيوياً عن التأسيس السياسي والفلسفي لفرنسا ما قبل الثورة ( 1789-1799) من مفاهيم تنويريّة وإنسانيّة كونيّة .
آلان جوبيه المهموم بمستقبله السياسي ، زار الجزائر وعينه على الإليزيه ، فالرجل لن يُغامر بخطوة غير محسوبة باسم الجمهوريّة الفرنسيّة ، قد تكلفه غالياً بعد ذلك ، خاصةً أن الجيل الاستعماري في فرنسا اليوم ، لم يلفظ أنفاسه الأخيرة بحكم العمر ، وبالتالي لن ينجومن إقلاع شريحة كبرى مؤسّسة لذلك الفخر الاستعماري ، متبوعةً بجيل ربما لا يزال يؤمن بخدمتها لفرنسا في إطار الواجب الوطني ( عدّه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد بـمعنى أوسع واصفاً تداعياته الخارجيّة على مستوى الفكر والنقل التاريخي بـ ” البنوة الاستشراقيّة” ) ، عن الاحجام عنه ومقاطعته تحت نفس الداعي الذي يعزّز مكانتها اليوم ، إذّ إن مهمة تغيير قناعة الجيل المتأثر بماضي فرنسا ، لن تكون سهلة في ظل وجود الأركان البشريّة المبجّلِة لفرنسا التاريخيّة ، تلك الفئة التي تحظى بالجميل والاحترام ، وتفتقد إلى نقد صارم قائم على المراجعة الحرة ، والعودة إلى ما قبل الاستعمار التقليدي ، حيث حركة الأنسنة تفرض مفاهيم عاليّة في حقوق الإنسان وتدخّر سنن الاحترام البشري .
بهذا المنطلق وبعيداً عن الترسّبات الوطنيّة ، واقتراباً مُلامساً لمقتضيات المصلحة ، يبدوآلان جوبيه معذوراً في اللعب على أكثر من نقيض وحبل يسحبه إلى جادة الإليزيه ، لكن وتبعاً لفلسفة آلان جوبيه السياسيّة ، جاز لنا أن نطرح التساؤل الآتي : هل ينجح في القفز على العناد المُحاين للمجتمع الفرنسي حالياً ، إلى توجّه سياسي أكثر رحابة وإنسانيّة حالَ فوزه برئاسة فرنسا ، فيما لوتم ذلك ؟
يصعب التكهن هنا في ظل تمتع اليمين بثروة شعبيّة لا بأس بها ، فضلاً عن أن النظام الفرنسي الدستوري شبه رئاسي ، ولا مجال معه لفيتوالرئيس كما في الأنظمة الرئاسيّة الجامدة مثل الولايات المتحدة ، مما يعني أن البرلمان يتمتع بقوة تشريعية وسياسيّة من شأنها تعطيل مقترحات الحكومة .
غنيّ عن القول ، اعتبار الاعتذار عن جرائم فرنسا المعترف بها حديثاً ، خطوةً نحوبناء معنى إنساني وسياسي فرنسي متسقاً مع التاريخ البعيد لهذه الدولة ، والالتزام به يؤسس لأجيال صديقة ، كاملة الوطنيّة من غير الفرنسيين ، وهم كثر للمفارقة ، فرئيس جريدة لوموند السابق ومدير موقع “ميديا بارت” الصحفي المثير للجدل ايديوي بلينال ، قد دحض بالوسائل العلميّة فكرة “الفرنسي القحّ ” في كتابه الشهير ” دفاعاً عن المسلمين” ، بدا فيه متأثراً من ناحيّة العنونة فحسب ، بسلسلة المحاضرات التي ألقاها الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكوفي ” كوليج دوفرانس″ تحت عنوان “دفاعاً عن المجتمع″ .
فرنسا تحتاج إلى الظفر بجملة انسانيّة أعمق وأكبر من المفردة الوطنيّة المجتزأة ، تتأسّى ضمناً بقول منظرها الإنساني الأكبر الماركيز دوكوندرسيه صاحب مؤلف ” مخطط تاريخي لتقدم العقل البشري” الذي قال : ” أنا إنسان بالضرورة ، فرنسي بالصدفة ” ، ذاك المعنى العالمي والشامل الذي يعزّز الوطنيّة في حقل أوسع ، ويحميها من الضيق والمحليّة وحتى العنصريّة ، متى استحال هذا الحب الوطني إلى ايديولوجيا استيهاميّة مبرمة ، ولا غروفي أن الاعتذار هوالعتبة الأولى من أجل تحقيق التماس الحضاري بين فرنسا الثورة الأولى ، وفرنسا اللحظة الأخيرة .
ضيف حمزة ضيف
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (9)