ترتيبات قيد التشكل لإعادة توزيع الحدود السياسية للاتحاد المغاربي تحديات تهدد استقراره الأمني
ترتيبات قيد التشكل لإعادة توزيع الحدود السياسية للاتحاد المغاربي تحديات تهدد استقراره الأمني
إن سياق التحولات الذي تعرفه دول الاتحاد المغاربي، لا يختلف كثيرا عن ما هو قائم حاليا سواء في القارة الأسيوية أو الأفريقية، (باعتباره يندرج في إطار تبلور مقاربة لإعادة ترتيب الأوراق وتوزيع الحدود)، فإذا كانت توجهات الأولى (الشرق الأوسط) أصبحت تتأكد ملامحها نهاية كل يوم، فإن توجهات الأخرى (إفريقيا عموما والاتحاد المغاربي على وجه الخصوص) أصبحت قيد التشكل. وإن كانت في بعدها الشمولي تمثل مسارا متوازيا لا يمكن إدارة بُعدٍ منه دون توجيه الآخر، ولا يمكن رسم إحداثيات نقطة هنا دون تقييم جدوائيتها ورهاناتها ووضع مثيلتها هناك.
على اعتبار أن مدركات توزيع الحدود السياسية للدولة الموحدة وربط حدودها المجزءة بطبيعة خصوصيات مناطقها الجغرافية، إنما هو عمل يعبر عن إعادة النظر في البنيات الترابية المشكلة تقليديا عبر إعادة توطين عوامل استمراريتها. من خلال اعتبار العامل الخصوصي الفاعل الأساسي في تشكيل حدود مستقبل المنطقة وتمثلات كياناتها المستحدثة. لكون الخصوصيات الدينية والثقافية والعرقية والسياسية تمثل البعد الذي يضمن التعايش السلمي بمستوى ضمانات الأمن المستدام (الاجتماعي، الروحي، الاقتصادي، والسياسي…).
خصوصا أن التوجه الجديد الذي أصبحت تنسج خيوطه بإحكام، وتوجه بانتظام وبشكل دقيق نحو إفريقيا ككل وليست كبنيات مشمولة بالاستثناء، حيث تلامس مرتكزاته نفس توجهات ما تعرفه القارة الآسيوية، على غرار سياسة (الشرق الأوسط الجديد) أو (الشرق الأوسط الكبير)، ولا تختلف عنها سوى في التسميات التي من شأنها أن تطلق عليها هذه المقاربة في مستوياتها الشاملة، من لدن الفاعلين المنظرين والمستشرفين لمستقبل هذا التوجه الاستراتيجي، تحت مسميات من قبيل (إفريقيا الغد أو آمال إفريقيا أو إفريقيا برؤية مختلفة) وهو ليس بالأمر العجيب، لكون السياسة في مفهوم البعض تعني فن الممكن (غورباتشوف) ولا مكان فيها للمستحيل، ولو تطلب أمر تفعيلها اعتماد أساليب شبه مشروعة وأخرى غير مشروعة، على اعتبار أن الغاية تبرر الوسيلة في الفكر الماكيافيلي.
إن مدخلات هذا التوجه (على المستوى الإفريقي) ترمي في كنهها اعتماد إسقاطات بنوع من المحاكاة (كما هو حال الشرق الأوسط)، لا تختلف في الأساليب فقط بل إنها تتوافق حتى في طينة الفاعلين والمشرفين على أجرأتها. ويرجع ذلك ببساطة إلى أن المفعول له واحد، والمفعول به مشترك، والفاعلين متعددين (متباينين جغرافيا ومتوافقين ايدولوجيا)، وبمعنى آخر فالفاعل واحد، والأداة المستعملة لفك طلاسيم الأنظمة وإدارة شعوبها هي ذاتها، والمشاركون في تفعيل وصاياها وتكريس تمظهراتها مختلفون في المواقع، وإن جمعتهم العقيدة بمنأ عن المكان.
ولن يتأتى تكريس مقومات هذا التوجه إلا عبر موجات عنف غير مسبوقة النظير في دول الاتحاد المغاربي، من شأنها اتخاذ دوافع عرقية أو طائفية أو إيديولوجية. كما هو حاصل حاليا في ليبيا وتونس والجزائر، لكونها تساهم في إحداث رجات بِأُسس العقيدة المجتمعية، وبالثقافة السياسية لدى الفعالين السياسيين، وبمخرجات المشهد السياسي، تجعله حبيس البحث عن الحلول ومعالجة المؤثرات السلبية لتلك الأحداث، مقابل ضياع جزء كبير من الزمن السياسي، الذي بالإمكان استثماره في التأسيس للانتقال بشكل رصين في تثبيت دعائم الإصلاحات السياسية المطلوبة.
وإن كانت في شق آخر قد ترتكز في منهجها على الاعتداء على حدود بعض الدول، من قبل مثيلاتها من الدول بشكل فردي (كعزم دولة مصر التدخل في ليبيا) أو في شكل تحالف مشترك يربطه هدف موحد (بالنسبة للتحالف المشترك في الحالة الليبية). كما قد يرتكز تثبيت دعائم هذه التوجه على تبني منهج “الاختراق المكاني للحدود”، عبر اعتداء الدول على حدود بعضها البعض وإحداث مناطق عازلة، إما لتأمين حدودها من الأخطار الأمنية التي تهددها، أو أن يكون سببا في نشب صراع مع الدولة المعنية.
بالإضافة إلى ذلك، فإنه يمكن الاستعانة بأدوات أخرى غير تلك المشار إليها سلفا، والتي من شأن استغلالها بشكل أمثل أن يضمن تجسيد هذه المقاربة من قبيل:
أ- التدخل الأجنبي بالمنطقة: على بعد ما يقارب القرن من الزمن على إجلاء الاستعمار الغربي من القارة الأفريقية والأسيوية، أصبحت معالم إعادة توطين الاستعمار تلوح في الأفق، وإن كانت وفق مقاربات تختلف عن سابقاتها. نظرا للدوافع والمطيات التي تتبعها هذه الدول للعودة إلى مواطن مستعمراتها السابقة، قصد السيطرة على موارد الثروة ومصادر الخيرات الباطنية التي تختزنها هذه البلدان (خصوصا دول الاتحاد المغاربي) مقارنة مع باقي البلدان الإفريقية الأخرى.
يأتي ذلك أمام الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها هذه الدول، والتي أصبحت بموجبها تتخبط في أزمات خانقة أدت إلى تدهور خطير في اقتصادياتها وهشاشة في بناتها الاجتماعية، وما خلفته من انهيارات للمؤسسات المالية وللأسواق البنكية. ومن شأن السيطرة على منافذ العبور إلى إفريقيا وعلى السواحل البحرية وعلى الحقول النفطية والأراضي الفلاحية، أن يساهم في التخفيف من تفاقم هذا العجز المالي بل وتحقيق التوازن المالي المطلوب، وما له من انعكاس على الاستقرار السياسي والاجتماعي في الدول الغربية، وقدرتها بذلك على خلق استثمارات خارجة الحدود الجغرافية لها، وجعلها بالتالي فاعلا وشريكا أساسيا في صناعة القرار السياسي والاقتصادي الدولي، ليس ضمن بعده الجهوي فقط وإنما يتجاوز المجال المحدود” اتحادها الجهوي” إلى المجال المفتوح “الاتحادات القارية والعالمية” بصيغته الشمولية.
يشتد الصراع الحالي بين العديد من الدول الغربية للظفر بنصيبها من “الكعكة” الأسيوية والأفريقية، وبملاحظة بسيطة لطبيعة الدول الفاعلة نجد أنها هي نفسها التي كانت بالأمس تبسط سيطرتها على هذه الدولة أو تلك، ولم تسترجع الدول المستعمَرة “استقلالها” سوى بالكفاح المسلح، الذي أصبح وسيلة تعتمدها الدول الغربية اليوم “التدخل العسكري” للعودة إلى مستعمراتها بالأمس، وهي (فرنسا – ايطاليا – بريطانيا) بإشراف وتنسيق من الولايات المتحدة الأمريكية.
ب- توغل التنظيمات العقائدية بالمنطقة وتغذية الفكر المتشدد: أصبح الانخراط المتزايد للشباب في التنظيمات الإسلامية بمختلف توجهاتها يتضاعف خلال السنوات الماضية، كما تشكل التطورات الإقليمية أحد أسس تغذيته بمنطقة المغرب العربي. وإن كانت الدول الغربية قد عمدت إلى تبني إستراتيجية شاملة للقضاء على هذا الصنف من التنظيمات المسلحة ذات التوجه العقائدي، تتخذ في ظاهره محاربتها ومن ثم تفتيتها ومحقها، غير أن باطنه هو تغذية لنموها وتطورها، وبالتالي تقوية شوكتها ودعمها لبسط سيطرتها ونفوذها على بنيات جغرافية محددة بشكل محكم، تتوافق مع مقاربات الغرب للسيطرة على المنافذ المهمة بإفريقيا (البحرية خصوصا) ومن ثم على خيراتها (النفطية – المعادن – التربة الفلاحية – أماكن للطاقات المتجددة).
خصوصا أن القضاء على مثل هذه التنظيمات ليس بالأمر الهين، لاعتبارات تتعلق بوجود تتعدد لأوجه دعم هذه التنظيمات من قبل دول ذات وزن إقليمي، مما أدى إلى بروز تباين في التوجهات الإيديولوجية لهذه التنظيمات يتوافق مع مساعي الدولة المُحتَضِنة والداعمة، نجم عنه اختلاف بَيٍّنْ بينها وتقاتل ظاهر لأجل إبراز موازين القوى للأطراف المتصارعة. ومن شأن التعدد الوظيفي لمثل هذه التنظيمات أن يساهم في استمراريتها خدمة لأجندات غربية ومصالح دول إقليمية. خاصة أن الغطاء الذي تلبسه هذه التنظيمات (التوجه الديني) من شأنه أن يدعم صفوفها بالمزيد من الشباب المتعطش للتعبير عن قناعاته ولإبراز مهاراته التي تصدت لها الأنظمة الحاكمة في هذه الدولة أو تلك.
إن ما تعرفه منطقة الشرق الأوسط (العراق – سوريا – اليمن…) من تكتل دولي للقضاء على التنظيمات المسلحة، ليس سوى إشارة لانتهاء مهمتها في هذه المنطقة (بعدما تحولت المنطقة إلى نقطة رماد سوداء) والعمل على نقل معركتها المستقبلية إلى شمال أفريقيا (خصوصا دول الاتحاد المغاربي) وغربها، لإرساء دعائم إستراتيجية تقسيم دولها وتفتيت وحدتها، تمهيدا لإضعافها وانتهاك سيادتها. وقد كانت نواة هذا التوجه “الدولة الليبية” التي عملوا على إسقاط نظامها، واغتيال قادتها، ثم إضعاف مؤسساتها الوطنية، تمهيدا لإشعال نار الفتنة الداخلية بين تياراتها السياسية والعرقية، الذي من شأنه أن يؤدي بالدولة الليبية إلى السقوط في هاوية وبراثين الاقتتال الذي لا مستقبل له سوى تفتيت الدولة و إبادة شعبها، ولا حل له في المستقبل القريب. لتنتقل بعدها المرحلة الثانية من مخطط “الفكر العقائدي” إلى كل من تونس (التي أصبحت هدفا مفتوحا لعملياته الانتحارية في ظل ضعف المنظومة الأمنية) وموريتانيا، الجزائر، والصحراء الغربية، ثم المغرب ( لاعتبار أساسي كون أمن المغرب مرتبط أساسا بأمن الجزائر وموريتانيا والصحراء الغربية، واختراقه مرتبط باختراق أمن هاته الدول.) لتنفيذ ما تبقى من أجندة، على أن تمثل كل من ليبيا والشمال الشرقي لمويتانيا، والجنوب الغربي للجزائر، و الجنوب الشرقي للصحراء الغربية مركزا لإدارة عمليات هذا التوجه.
د. العربي بجيجة
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (13)